دورة تدريبية في العروض
عدد الضغطات : 916
آخر 10 مشاركات
صفحة إعراب القصائد (الكاتـب : أمة الله الواحد - )           »          أما كان غصنُ الشعر يا غصن مورقا (الكاتـب : أشرف حشيش - )           »          بلقيس (الكاتـب : ابراهيم الرفاعي - آخر مشاركة : إكليل الغار - )           »          القوقعة (الكاتـب : ابراهيم الرفاعي - آخر مشاركة : إكليل الغار - )           »          رسالة من تحت الماء / بقلمي (الكاتـب : اسامه الحجاوي - )           »          بفكر خصرك الصريح (هزلية لإلهام شاهين) . شعر : أشرف حشيش (الكاتـب : أشرف حشيش - )           »          وعادت هنادي لكوخ القصيدة . شعر : أشرف حشيش (الكاتـب : أشرف حشيش - )           »          (الحياة المطمئنة) انتظر نقدكم آل رواء (الكاتـب : يراع قلم - آخر مشاركة : ابراهيم الرفاعي - )           »          قل للمليحة (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - آخر مشاركة : ابراهيم الرفاعي - )           »          لها اللحن الطروب .. لها أغنّي (الكاتـب : إكليل الغار - آخر مشاركة : ابراهيم الرفاعي - )

الإهداءات
أمة الله الواحد من أرض الكنانة 04-15-2014 08:22 PM
آه ٍ على سرّك الرهيب ، وموجك التائه الغريب يا نيل ُ يا ساحر الغيوب


العودة   منتديات رواء الأدب > نوافذ أدبية > لمحات نقدية

قراءة جديدة للسرد القصصي في الخطاب القرآني (1-7)

تحليق في سماء النقد والنقاش والحـوار وهو حصر على ما يختطه أدباء رواء ويبدعه نقادها فقط ..


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 02-01-2007, 03:19 PM
عبدالرزاق المساوي
قلمٌ روائي
عبدالرزاق المساوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1207
 تاريخ التسجيل : Apr 2006
 المشاركات : 27 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي قراءة جديدة للسرد القصصي في الخطاب القرآني (1-7)



قراءة جديدة للسرد القصصي في الخطاب القرآني


مدخل:

لا يختلف اثنان – وحتى المعاند لا يجاحد - في أن القرآن الكريم كتاب دعوة دينية يتوخى هداية البشرية والحفاظ على فطرتها التي فطرت عليها وتعريفها بالنجدين ﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد:10)، فهو كتاب لتربية الإنسانية على مبادئ عقدية حياتية قبل أي شيء.. وأنه استخدم لتحقيق هذا الغرض كل الوسائل وجميع الأساليب وشتى الطرق التي تسعف الناس في فهم مقاصده ومراميه وإدراك مفاهيمه ومعانيه.. وأن القصة فيه مكون من مكوناته، هي وسيلة من وسائله وأسلوب من أساليبه لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال فنية خالصة أو ذات رؤية محض أدبية، ولكن هذا لا يعني أبدا أننا ننفي عنها ذلك إذ يمكن القول بأنها ليست محض فنية أو أنها ليست لها أغراض جمالية صرف، أو أنها لم تنزل لكي تعتبر ذات رؤية أدبية معينة.. إلا أنها تحمل في طياتها - من بدايتها إلى نهايتها- من القضايا الفنية والخصائص الأدبية والمقومات الجمالية والمكونات الأسلوبية والرؤى الإبداعية والإشارات البلاغية والعلامات الحبلى بالمؤثرات المشهدية والتصويرية والإيقاعية، ما يغري الباحث المسلم على سبر أغوارها والكشف عن أسرارها واستجلاء مكامنها واستقصاء معانيها وفهم مراميها والغوص في أعماقها للكشف عن كنوزها ونفائسها والخوض بكل الأدوات المتاحة في جميع جزئياتها والكشف عن طبيعتها.. ومن ثمة يدفعه كل هذا إلى التعامل معها من الناحية التحليلية بأي منهج من المناهج التي يرى أنها تساعده على فهم بناء السرد القصصي في الخطاب القرآن سواء كانت تربوية أو أدبية أو علمية أو معرفية أو نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو انتروبولوجية، الخ.. مع مراعاة ما لهذا النوع القصصي من الخصائص المميزة والمتميزة وكذلك مع الحذر والحيطة مما قد تحمله بعض المناهج النقدية أو التحليلية من تقصير في النظر أو إفراط في التنظير أو غوص في رؤى غير سليمة أو غير واضحة المعالم قد تؤدي إلى مزالق عقدية أو تصورية..
إن القصة في القرآن كانت وما تزال مثار اهتمام كثير من الدارسين والباحثين والمهتمين كل حسب منهجه في القراءة ورؤيته في التحليل وطريقته في التعامل مع الخطابات ككل، ومع الخطاب القرآني على الخصوص ومع المكون القصصي فيه على الأخص.. إلا أن بعضهم إن لم نقل جلهم لم ينج في تفكيره وطريقة عرضه من الشطط، أو لم يفلت من الإخلال بالمعاني الحقيقية أو قل من سوء الفهم ومن ثمة سوء التعامل حتى (بقصد أو بغير قصد).. وكان هذا نتيجة حتمية إما للتعامل مع القصة القرآنية بالطرق العتيقة والمناهج البالية والقراءات القديمة التي لم تضف أي شيء يذكر لفهم بنيتها وأدراك معانيها وتحديد مغازيها وتقديمها للمتلقي.. وإما كان نتيجة للتطبيق الحرفي للنظريات الجديدة الوافدة بشكل لا يلائم حقيقة وضع القصة القرآنية أو يتعارض مع هدف من أهدافها المسطرة في القرآن نفسه والمتوخاة من ذكرها فيه أصلا.. وإما كان نتيجة الحماس المتهور في الرد على بعض الشبهات التي نعت بها بعضهم الإسلام ككل في فترة من فترات تاريخه الحديث والمعاصر أو نعت بها بعض أو كل مكونات القصة في القرآن..
ولسنا نقصد بكلامنا هذا أن ما سيجيء في هذه الأسطر من قراءتنا المقترحة والمتواضعة سيكون معصوما من الزلل أو لن ينال منه الخطأ أو لن يعتريه الشطط، ولكن ما نرجوه من العلي القدير هو أن نكون من الموفقين في عرض أفكار جديدة وتأملات صائبة حول القصة في القرآن بشكل أفضل وطريقة أحسن ومنهجية متكاملة تيسر فهم كثير من غوامض عالمها وتسهل استيعاب دلالاتها الحقيقية ومضامينها الهادفة وتبسط الطريق للعيش في أجوائها والتمتع الروحي بصورها وإيحاءاتها وكذا دفع بعض المشكلات العالقة بفهمها وتفسيراتها والتي تحول بين القارئ وبين الاستنارة بهداها وحكمها وأحكامها أو التنعم بأساليبها وبيانها، أو إقرار العين بأنسها وإمتاعها، أو التلذذ بجرسها وموسيقاها وإيقاعها، أو التمعن في تشخيصها ورسمها للعوالم المختلفة ظاهرها وباطنها قريبها وبعيدها صغيرها وكبيرها...

1* القصة القرآنية .. لماذا ؟ :
لا أظن أن أحدا يمكنه أن ينكر أو أن يماري في أن القصة القرآنية قد حضيت بالاهتمام البالغ والعناية الشاملة والحفاوة الكبيرة من طرف المفسرين والشراح والمؤرخين، كما ظفرت بالقسط الوافر من مجهودات الدارسين والأدباء المهتمين، وفازت بعصارة فكر الباحثين المختصين في كثير من المجالات..
فلقد كتب عنها الكثيرون أسفارا وكتبا ومجلدات، أو مقالات ضمن مجموعة دراسات، أو أبحاثا مستفيضة نشرت على صفحات المجلات الورقية والإليكترونية..
وناقش العلماء الأجلاء خصائصها ومكوناتها وعناصرها ومقوماتها وتفسيراتها وأسسها وامتداداتها، وما أحاط بها من تأويلات المؤولين وأقوال المتقولين، كما تحدث بها وعنها الخطباء المفوهون في خطبهم وفندوا عنها إفك الأفاكين وآراء المستهترين، ووعظ بها الوعاظ المبرزون في دروسهم وأبرزوا فيها مواطن العبرة والعظة للمهتمين، واستعملها المربون المحنكون في مدارسهم ومناهجهم التربوية والدراسية لتكون قدوة للأطفال والمتعلمين.. واستغل الكتاب والأدباء مضامينها ورؤاها وحتى أسلوبها وشكلها وقالبها وإطارها وطريقة عرضها وتصويرها للأحداث، وكيفية تعاملها مع الشخصيات في رصد مكوناتها النفسية وعاداتها الاجتماعية وطرق عيشها.. وكذا طريقة إدارتها للحوار والنقاش وتسجيلها للصراع والمشادات، وكيفية تعاملها مع الواقعي والخيالي في تركيب المعاني وضبط المفاهيم ورسم الرؤى وتصوير اللغة... وكذلك كيفية استغلالها للفضاء – الزمان والمكان -.. وقضايا أخرى كثيرة في العديد من الأبحاث وفي شتى ميادين المعرفة وخاصة أن النص القرآني يعتبر أغنى الآثار السردية العربية بأنواع السرد لما يتوفر له من مقومات ومرتكزات وخصائص السرد العبقري المعجز..
إلا أن هناك سؤالا يتبادر إلى الذهن وينط على الفكر ويبقى عالقا يحتاج وحده إلى وقفة طويلة وهو: لماذا لم يتمكن الباحثون الإسلاميون في اللغويات والأدبيات من استكشاف مستويات السردية وكثير من القضايا الأدبية المبثوثة في السرد القرآني ذي الطابع القصصي قبل الخوض في السرديات الحديثة من طرف ثلة من الغربيين ومن شايعهم من العرب العلمانيين؟
وبعد: فلماذا يا ترى هذا الاهتمام المتزايد؟ ولماذا هذه العناية المتكررة؟
لماذا هذا التهافت على قراءة القصة القرآنية ودراستها باستمرار؟
لماذا التفكير في التعامل معها بكل المقاييس الأدبية والمستويات القرائية؟...
لماذا اهتم بها العديد من المفكرين حتى أولائك الذين لا يؤمنون بوحييته؟..
وبعبارة أوضح وأبلغ في تبيين ما نقصده: لماذا نريد نضيف توقيعنا وأن نكتب نحن في هذا الموضوع على الرغم من كثرة ما كتب فيه من الأسفار والمجلدات والأبحاث والدراسات والمقالات والمحاضرات والمواقع الإلكترونية المهتمة..؟.
ألم تكن هذه القصص تتناسب مع عصر خلا وزمان مضى وبشر أجلهم انقضى.. والآن لم يعد هناك حاجة ملحة لمثل هذه المرويات والمحكيات في زمن العولمة السردية والاقتصاد الأدبي والهندسة الثقافية وهلم جرا من الأسماء والمسميات التي تزخر بها الساحة الثقافية في عصر الإليكترونيات..؟؟؟؟؟
والإجابة عن السؤال العريض الوجيه الأول يسيرة إن شاء الله تعالى.. أما الرد على التساؤل الاستنكاري فهو أيسر لأن جل– إن لم نقل كل - واضعيه يتعاملون مع القرآن العظيم وقصصه انطلاقا من تبنيهم لبناء فكري عدائي لم يستطع أصحابه التخلص بعد من كثير من المشكلات الفكرية التي تعتمد السياسة الإقصائية والثقافة الاستئصالية... ولذلك لم يستطيعوا أن يصعدوا في سماء القرآن السامقة.. ولم يتمكنوا من التسامي إلى ذروته.. أو فهم الإعجاز اللغوي والأدبي والبلاغي والموضوعاتي الذي يزخر به..
إننا نرى أن العمل لازال ضروريا وسيبقى مستمرا من أجل التمتع بمكنونات هذا الكتاب العظيم وذلك:
أ* لاعتقادنا بأن القرآن الكريم- وليست القصة إلا جزءا لا يتجزأ منه ومكونا أساسا لا ينفصم عنه – كائن حي ومنبع ثر لا ينضب معينه ولا تنتهي أسراره ولا تبلى ذخائره ولا تنقضي عجائبه ولا يبخل عمن يستزيده ولا يشبع منه من يتدارسه على مر الأيام وتقادم الأزمان، فهو علامة فريدة على جبين الدهر لا تذبل ولا تبهت بل تزداد جمالا وبهاء وحسنا ورونقا، كما أنه دوحة غناء ملأت كل مكان بموسيقى تصويرية خاصة ومتميزة ومتغيرة ومختلفة لا تتفتق إلا عن جديد ولا تأتي إلا بمبتدع، كما أنها دوحة ملأت كل الأزمان والعصور نغمات طيورها وعصافيرها.. وإيقاعات طبيعته الرنانة والخلابة التي تأسر المتلقي وتملك عليه لبه إلا أن يكون من العميان..
وهو قبل هذا وذاك عقيدة ومنهاج، وفكر وسلوك، ورؤية وتصور، وقواعد وأسس، ومنهج وشريعة تغمر حياة الإنسان بالفرحة والطمأنينة والنشوان في جميع الأزمان.. فهو لا يمل بأي حال من الأحوال على خلاف ما نلمسه فيما دونه.. " سئل الإمام الصادق رضي الله عنه : ما بال الخطب والرسائل والأشعار تمل سريعا والقرآن يعاد ولا يمل؟ فقال: لأن الحاجة تنقضي بانقضاء ذلك، والقرآن حجة لأهل كل وقت وزمان، فلذلك هو أبدا غض "(1)..(1) كتاب "القرآن كتاب حياة" لكاظم السباعي مؤسسة الوفاء بيروت/لبنان الطبعة الأولى 1404هـ الصفحة:13

فإذا كان القرآن الكريم على هذا الشكل وبهذه الخصائص وهذه الفرادة فإن القصة مكون أساس مكون من مكوناته وعنصر رئيس من عناصره وجزء كبير من أجزائه، ويتربع على القسط الأوفر بين دفته.. ومن ثمة فهي تحمل الخصائص نفسها والمقومات عينها والأسس ذاتها والأساليب القرآنية جميعها.. وتتميز بالميزات والمميزات التي يتحلى بها الخطاب القرآني ككل، ولا تنأى عن ذلك قيد أنملة..

ب* لأن القصة القرآنية تفرض ذاتها على كل من له صلة بالقرآن الكريم قراءة أو مدارسة لكونها تمسك بتلابيب الحيز الأكبر من فضائه الكريم، وتأخذ بمجمع خيوطه السليم، وتسيطر على مساحة شاسعة فيه، وتحتل مكان الصدارة ضمن موضوعاته، وتمثل أعلى مراتب أسلوبه الدعوي والتصويري، وهي قريبة من كل الشرائح الاجتماعية فهما وإدراكا وتمثلا.. كما تتقدم بين يدي " القارئ أو السامع أو المشاهد " المتلقي بشكل من التصوير الرائع والتمثيل المثير والتجسيد الحي والتشويق الفائق والأحداث المباشرة والشخصيات الفاعلة والمنفعلة والمتحركة باستمرار في الزمان والمكان وفي قلب الحدث وتقلباته من بدايته إلى نهايته بأفراحه وأتراحه ومآسيه ومواساته، كما أنها تحتوي على خصائص فنية رائعة ومكونات أدبية معجزة ولمسات جمالية بديعة وقيم ذات فاعلية وجاذبية تحمل المتلقي إلى عالمها الحكائي والقصصي والسردي ليعيش لحظات في كنفها يتتبع آثارها الحقيقية، ويرصد حركاتها وزفراتها وسكناتها الطبعية وغير الطبعية، ويسترشد بشخصياتها ويعيش أجواء أبطالها النفسية والفكرية والاجتماعية.. ويرحل معها جميعها في أغوار الزمان وأبعاد المكان في كنف تصوراتها وطرق عيشها ويتمتع بجمال القصص وجماليتها، ويسبح في فنيتها ويرتع في أدبيتها ليستفيد من مضامينها ويمتح من رؤاها التقويمية للحياة البشرية عبر مسيرة زمانية طويلة آمادها وسلسلة مكانية مختلفة حلقاتها..

ج* لأن أسلوب القصة في القرآن الكريم ونقصد بالأسلوب الشكل والطريقة: شكل عرض أحداث القصة وطريقة عرضها.. أسلوب يسير وبسيط ومقنع وقريب من الإفهام، وسهل على الإدراك ومعجز في التبليغ والإبلاغ.. أسلوب ممتع من جميع المناحي، مفيد من الناحية الإيقاعية والموسيقية ومن الناحية السردية والجمالية ومن الناحية الموضوعاتية والواقعية ومناحي أخرى عدة تتجلى من داخل القصة ذاتها.. وبما أن القصة تتناول تقريبا كل مواضيع القرآن وتجمع بين محتويات مواضيعه، وتحتوي على جل أو أكثر مراميه وأغراضه، وتستطيع بما تتمتع به من أسلوب القص وطريقة الحكي أن تحقق كل أهدافه.. فإن الاهتمام المتجدد بها والعناية بعناصرها وتحليل مضامينها والغوص في كشف مكنوناتها وتجلية أسرارها ورصد بنياتها.. ما هو إلا عناية بذلك التصوير الدقيق لمعاني القرآن الكريم وموضوعاته ومحتوياته ومفاهيمه وما يريد عرضه.. فهي تشخصها وتمثلها وتحييها في زمان ومكان وأحداث ووقائع وشخوص، وتفرغ عليها حركية منقطعة النظير يتمثلها المتلقي البصير، ويعيش معها أحسن اللحظات العارف المتذوق، ويستشعرها المؤمن الصادق، ويحتج بها الدارس الخبير، ويفخر بها الأديب الملتزم والقاص المفنان..

د* لأن القصة الأدبية الآدمية في بعض نماذجها استطاعت أن ترتقي إلى مستويات عالية فنيا وجماليا وموضوعاتيا حتى أضحت مسيطرة على عقول الناس وأنفسهم، وعلى الخصوص منهم الشباب الذين أصبحت القصة الأدبية متمكنة منهم ومن أحاسيسهم ومتوغلة في وجداناتهم، توجه شعورهم وفكرهم بعد أن أسرت عقولهم، وتتلاعب بعواطفهم وأحاسيسهم بعد أن ملكت عليهم قلوبهم، وتستغل شبابهم وفتوتهم لتذهب بهم في متاهات الحياة كل مذهب وتسلك كل مسلك وتهيم في كل واد حتى حق فيهم ما حق في الشعراء قبلهم في مثل قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * ﴾( الشعراء:225).. ولقد زَهِدوا في القصة القرآنية أو زُهِّدوا فيها وأفهِموا على أنها قصص دينية غير مجدية أو أساطير يعتمدها الدين تحمل أفكارا خيالية، وفي أحسن الأحوال فهي – في تقديمهم لها - لا تتمتع بالفنية والجمالية والأدبية والموضوعية التي تتمتع بها القصة البشرية كما أنها لا يمكن أن تؤثر في الحياة العصرية ولا تجدي فيها نفعا، ولا تبعث على النشاط والحيوية والدعة ولا تلبي مطالب المرحلة الحضارية، ولا تتوفر على عناصر التشويق والمرح والتسلية، ولا تملك في طياتها ما وصلت إليه القصة الأدبية من مستويات تقنية وأسلوبية - ألا ساء ما يزعمون-... لا ندري لماذا أصحاب مثل هذه الأحكام الجاهزة الجائرة لا يتجشمون عناء البحث والدرس والتنقيب ليتمكنوا من معرفة صدق أو كذب ما يشاع بينهم دون تمحيص أو دليل يذكر.. ولهذا يمكن أن نعتبر هذه القراءة الجديدة للقصة القرآنية بمثابة حافز ومثير يرغب الباحث عن الحقيقة في استكناه الخطاب القرآني بشكل عام ومدارسته وفي جانبه القصصي بشكل خاص..

هـ* لأن القصة القرآنية تعرضت – قديما - لكثير من التفسيرات المشبوهة (الإسرائيليات)، والتأويلات المشوهة المبنية على المفاهيم الإسرائيلية كما أوغل بعض المفسرين في تفسيرها لما استعصى عليهم فهمها، وافترضوا افتراضات غير منطقية ولا تناسب القواعد الشرعية.. وذلك ملأ للفراغ الذي بين حلقاتها، كما تعرضت – حديثا - لقراءات مختلفة المشارب ومتعددة الاتجاهات منها ما هو نفسي ومنها ما هو اجتماعي ومنها ما هو ثقافي ومنها ما هو حضاري وما هو أسطوري وما هو انتروبولوجي.. كما حاول بعضهم الآخر مجاراة العصر في مناهجه التحليلية وطرقه الدراسية دون اعتبار للخصوصية فنالت منها – أي من القصة القرآنية - تحليلات الأصدقاء المغلوطة وأقلام الأعداء المتسلطة وأفكار المغرضين المسمومة..

لقد أحاط بالقصة القرآنية جو رهيب ومخيف ملئ بما لا يرضى عنه الشرع ومسيج بما ينافي أصلا أو أكثر من أصول الدين، أو ما لا يجوز في حق أحد من المرسلين الذين يعتبرون بلغة النقد الحديث أبطال القصص القرآني، أو ما يخالف الحكمة من قص هذه القصص أو ما يخدش الروح الإسلامية أو ما يبعث على الاستهزاء والاستهتار بأمور الدين، كل هذا حصل قديما وحديثا فقد استغل بعض المعاصرين ما ورد من إسرائيليات وتفسيرات قديمة شاذة وما جاء عند أصحاب بعض الكتب من شطحات صوفية ليؤولوا هم بدورهم القص القرآني حسب هواهم.. أو أولئك الذين اعتمدوا منهج التحليل النفسي المعاصر.. أو المنهج الأنتروبولوجي.. أو المنهج التاريخي المادي..

فإذا كان شيء من القرآن الكريم تعرض لمشكلات كثيرة بسبب إقحام المفسرين للرأي الأسطوري.. أو مسته شطحات المؤولين من القدامى والمعاصرين فإنه سيكون القصص القرآني..
إن هناك ممارسات تعسفية لحظناها في بعض كتب التفسير والتاريخ والأدب والدراسات المختصة تلوي عنق الخطاب القصصي في القرآن الكريم.. شوهت الصورة الحقيقية له كخطاب هادف ليساير وضعا فكريا وإيديولوجيا معينا، وحجبت النظرة المتوخاة من وروده، وحالت بيننا وبين الحكم والأهداف التي صيغ من أجلها لنتيه كمتلقين – قراء أو مستمعين أو مشاهدين - في نقاشات فارغة وحوارات جوفاء وكلام لا طائل تحته ولا وراءه، ونضيع في بحر أساطير الأمم الغابرة وحكايات المفسرين التائهة وروايات إسرائيلية تافهة ما أنزل الله بها من سلطان.. ومن ثمة ندخل في فراغ روحي رهيب وضلال عقدي غريب ومتاهات سلوكية وانحرافات أخلاقية ضل فيها أكثر من كان قبلنا ويعيش فيها أغلب من معنا..

نعتقد أن هذه الأسباب – دون كثير غيرها - كافية للتدليل على أن القصة القرآنية في حاجة ماسة وأكثر من أي وقت مضى وبشكل مستمر إلى مزيد تأمل وإمعان نظر وإنعامه وإعادة قراءة مفيدة ومستفيدة من كل العلوم المتاحة التي تعتبر جادة في طرحاتها ومتعمقة في تحليلاتها ومتزنة في منطلقاتها ومتماسكة في أسسها ووسطية في رؤيتها ومنطقية مع نفسها ومتوازنة في معطياتها وحكيمة في نتائجها.. وذلك على خلفية الحديث النبوي الشريف الذي يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ] الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها [ (رواه الترمذي وابن ماجة) وذلك من أجل العمل على ملإ فراغات كثيرة تحدثها القراءة العادية أو البسيطة في عقل ووجدان وتصور المتلقي، وكذا على إفراغ تلك المليئة بما ينافي أو لا يلائم.. كما أنها في حاجة ماسة إلى أقلام جادة تعمل على استخراج مجموعة من المعادن النفيسة المكنونة في موضوعاتها، والأسرار الربانية الموجودة في أحداثها، والمعجزات التاريخية المصاحبة لشخصياتها، ومصائر الشخوص فرادى وجماعات من خلال سلوكياتها، وتعمل أيضا على توضيح مزايا بديعة متخفية في أسلوبها وإعجاز كبير في لغتها بمفرداتها وألفاظها وتراكيبها، وتسمو بها وبكل مكوناتها ومشتملاتها إلى المكانة التي هي عليها في أصلها الوحيي (إن صح هذا التعبير) والتي نزلت من فوق سبع سماوات وهي متبوئة لها، وكذلك تعمل هذه الأقلام الجادة على إبعاد كل ما طرأ عليها من التفسيرات الدخيلة قديمها وحديثها، وعلى دفع كل ما شابها من شوائب التحليلات المعاصرة المحلية والمستوردة..

ونحن لا ننكر أن من علمائنا الكبار وشيوخنا الأفاضل وفوارس هذه الأمة الأشاوس في هذا الباب من تصدى لهذا الأمر وأعطى فيه ما تيسر له من العلم والمعرفة كل حسب موقعه وتخصصه أو الجانب الذي أثاره وحرك فضوله.. لكن الأمر لا يقف عند هذا، فمن طبيعته التي يمتحها من الطبيعة القرآنية ككل أنه يدفع للمزيد من كشف خبايا هذا الموضوع الذي تتجلى فيه أسرار كثيرة من حين لآخر.. وهذا كما أشرنا من قبل وكما هو مؤكد طبع القرآن وطبيعته..




رد مع اقتباس
#2  
قديم 02-01-2007, 03:23 PM
عبدالرزاق المساوي
قلمٌ روائي
عبدالرزاق المساوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1207
 تاريخ التسجيل : Apr 2006
 المشاركات : 27 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي قراءة جديدة للسرد القصصي في الخطاب القرآني.. الجزء الثاني



2* مكانة القصة في الخطاب القرآني:
للقصة القرآنية مكانة متميزة ومنزلة متفردة في الخطاب القرآني ككل من حيث الكم ومن حيث الكيف، من حيث الموضوع ومن حيث العرض، من حيث المضمون ومن حيث الشكل من حيث المعنى ومن حيث المبنى، فهي ذات خصائص ومميزات على المستويين الكمي والكيفي..
* أما من حيث الكم فإنه يظهر جليا شغلها لمكان شاسع على خريطة النص القرآني، واستيلاؤها على مساحة واسعة وأكثر من غيرها من المواضيع التي يزخر بها الكتاب العظيم.. فهي تتربع على أكبر عدد من آياته لا يوجد موضوع آخر بعينه استطاع أن يأخذ الحيز نفسه الذي شغلته هي.. إذ يمكن القول بأن القصة القرآنية استطاعت أن تحصل على ما يقرب من ربع القرآن الكريم.. وهذا لا يخفى على أي متلق لكلام الله جل جلاله فنظرة إحصائية تحليلية مختصرة جدا تكفي للتدليل على أن عدد القصص تجاوز العشرين قصة دون احتساب قصص السيرة النبوية المحمدية وما له علاقة بزمن نزول الوحي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الاهتمام الذي أولاها إياه رب العالمين وعلى المكانة التي حضيت بها والمرتبة التي تبوأتها لتعبر أحسن تعبير بالمشهد والصورة أولا عن مجموعة الوظائف والأغراض التي من أجلها أنزل القرآن الكريم بشكل عام.. ولتؤدي ثانيا الدور الذي من أجله سيقت هي نفسها في كتاب الله عز وجل على أحسن الوجوه، فهي مبثوثة في كل مكان من القرآن الكريم، ومنتشرة تقريبا في أكثر سوره وبشكل يجعل المتلقي على اتصال مباشر ومستمر ومتواصل بما تحمله من رؤى ونظرات إسلامية، وبما تطرحه من مفاهيم ربانية حول مجموعة من المنظومات المتجلية في الكون والحياة والوجود والإنسان والغيب والشهادة، إن لهذا الوجود القصصي الكبير أهدافا توجيهية وغايات تربوية ومرامي تعليمية وإشارات ثقافية ووقفات علمية وقبسات معرفية ولمحات تاريخية وومضات إيمانية.. فهي قصص ليست للتسلية كما أنها ليست للتحلية وليست لملإ الفراغ أو شغل الوقت وتضييعه وليست لمجرد الحكي والقص والرواية.. كما أنها ليست قصصا للتاريخ الجاف من ماء الحقيقة الممتلئ بماء الخيال، الفارغ من محتوى العبرة والعظة والخالي من الأهداف الجليلة، كما أنها ليست تسجيلا للأحداث الماضية وما قدمت الأمم الغابرة في حياتها، وما أسلفت الشعوب المندثرة في دنياها، وما قامت به البشرية في مسيرة وجودها على وجه هذه الأرض المديدة وفي هذا العالم العريض وفي تلك الأزمنة الطويلة المتلاحقة.. إنها قصص تشخص أهداف الرسالة المحمدية في مجملها إن لم نقل بأكملها، لذا جاءت بتلك الحدة وتلك الكثرة وإن كانت كثرتها تعتمد في الأصل على التكرار في مفهومه الإيجابي.. فإن في التكرار حكمة وإقرارا فالشيء إذا تكرر تقرر، وخصوصا إذا كان يتحلى بالفنية العالية ويكتسي الجمالية الرائعة.. فها هي قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل أطول قصة على الإطلاق تداولا من ناحية، وتوزعا على ما يزيد على ثلاثين سورة في القرآن الكريم من جهة ثانية، وتبادلا لعرض مشاهدها الكثيرة في كل مرة وفي كل سورة بما يقتضيه السياق وما تحتاجه الرسالة المحمدية من تركيز، وما يفيد المتلقي ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴾ (سورة ).. ومع هذا فهي لا تمل وتسأم بل تحافظ على الخصائص التواصلية في علاقة المتلقي بها وذلك لما تتمتع به من جمالية أدبية وفكرية.. وسوف تكون لنا وقفات مع البناء الفني والبنية الجمالية في القصة القرآنية لاحقا إن شاء الله تعالى...
* وأما من حيث الموضوع فإن القصة القرآنية تحتوي على الخطوط العريضة والمهمة بل والأساس لجميع مواضيع القرآن وأهدافه ومغازيه، وأكثر من ذلك إنها تعتبر الدليل الحي والتعبير الفعلي والمكون الحركي التشخيصي الرئيس للمجال النظري الذي يزخر به الخطاب القرآني ، أي أن الأوامر والنواهي الإلهية الموجودة في كتاب الله تعالى بشكل مباشر ووعظي يمكن أن نجد مصداقا لها في حياة تلك الشخصيات التي سجل القرآن بعض مآثرها وخاصة ما يخدم الهدف القرآني كما قلنا.. ومن هنا جاءت المكانة المتميزة للقصة، فهي تعبر تعبيرا صادقا وحركيا وواقعيا وتصويريا عن كل ما أتى القرآن لتبليغه للناس.. انطلاقا من تصوير حلقات حياة تلك الكوكبة المباركة من الأنبياء والرسل ومن تبعهم من الناس، وأولئك الأقوام الذين عصوهم ولم يتبعوا أمرهم ولم يمتثلوه، أو ما سار في مسار القصة والحكاية والرواية والتمثيلية..
إن القصة بمثابة التشخيص الإنساني والتجسيد الواقعي والتصوير السينمائي لكل معاني ومضامين ومحتويات النصوص القرآنية..
فمثلا نجد القرآن الكريم جاء جملة وتفصيلا لتحقيق هدف أسمى وغاية أزكى وهي الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإفراده سبحانه بالعبودية على قاعدة ﴿وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ﴾(الذاريات:56 )، فتأتي القصة بشخصياتها إنسانية كانت أو حيوانية وأحداثها ووقائعها ومساراتها، بقصها وحكيها وحوارها وصراعها وحبكتها وعقدتها وتأثيراتها التقنية والفنية واللغوية والأسلوبية ولمساتها الجمالية.. تأتي بكاملها أو مفرقة مرة أو معادة ومكررة قصيرة أو طويلة صغيرة أو كبيرة، تأتي لقطة أو لقطات.. تأتي محملة بالمفاجئات لتخدم هدفا رئيسا هو بناء ذلك المبدإ، مبدإ التوحيد على أسس واقعية، وتعمل على إبرازه وإيضاحه وتبيانه والتأكيد عليه من خلال تصوير حركي وسلوك عملي ومعطى واقعي، فما من نبي أو رسول على سبيل المثال – وهم شخصيات وأبطال أغلب القصص القرآني – إلا وجاء يدعو قومه ومن خلفهم إلى إفراد الله تعالى بالوحدانية وتخليص العبادة له وحده سبحانه من كل الشوائب التي تعلق بها بين الحين والحين على مر التاريخ وتداول الأيام وتعاقب الأقوام.. بل حتى تلك القصة القصيرة التي بطلها شخصية حيوانية "الطائر الهدهد" تصور هذا الهدف وتعمل على تحقيقه في صياغة بديعة وأسلوب جمالي رائع يكون سببا في نجاته من وعيد سليمان عليه السلام كما سيكون التوحيد نجاة لصاحبه من النار.. جاء على لسان الهدهد الطائر الجميل ﴿إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم* وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون* ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون* الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ (النمل: 26)
* ومن المواضيع التي تناولتها القصة في القرآن موضوع الإيمان بالرسل والأنبياء والعمل بمقتضى ما بعثوا به وما أوحي إليهم من عند الله تعالى.. وهذا الأمر موجود بطبيعة الحال في ثنايا الخطاب القرآني ككل من غير القصص.. كما يصور الخطاب القرآني مصير المعاندين للرسل والجاحدين بدين الله تعالى والمتطاولين على خلقه سبحانه والواقفين عقبة كأداء في وجه الدعوة إلى الله عز وجل.. إن مصير هؤلاء كما في القرآن الكريم نراه مجموعة من المشاهد والأحداث في قصصه، نعيش في أجوائها ونتصورها ونتصور فيها ومن خلالها ذلك المصير وهو يتحرك بكل ثقله وأشكاله وبكل ألوانه وأنواعه في حياة نماذج من البشر يقصها علينا الكتاب العظيم قصا لنجمع في وعينا وإحساسنا بين الوعظ المباشر المعتمد على الترغيب والترهيب أو الإرشاد الرباني المبني على أسلوب الأمر في شقيه الإثباتي والنفيي "افعل أو لا تفعل".. وبين أحداث الواقع المعيش والحركة الحية التي مثلتها تلك الكوكبة المباركة من خيرة خلق الله عز وجل، والأقوام المختلفة التي عاصرتها، وذلك في كل ما جاء به الإسلام..
إذن فالقصة أسلوب تصويري وتشخيصي وتمثيلي وتوضيحي يمتلئ حيوية وحركية وواقعية يعرض معاني القرآن الكريم ومواضيعه ومضامينه ومحتوياته في شكل سرد أو حوار أو جدال أو صراع أو عقدة أو حبكة أو حركات وسكنات أو أحداث ووقائع أو حكي أو روي بطريقة تجمع بعض ذلك أو كله أو جله.. تقوم به مجموعة من الشخصيات أفرادا أو جماعات من جميع الأصناف في فضاءات مختلفة وظروف مغايرة وبأشكال متعددة وعقليات متنوعة..
* أما من حيث العرض أو الشكل الذي به يتم العرض أو الطريقة التي تم بها طرح القضايا السابق ذكرها فإن أسلوب القرآن موحد من أوله إلى آخره وفريد في وحدته، ولكن هذه الوحدة تتكون من مجموعة من المختلفات، أي أن وحدة الأسلوب التي نلحظها في كتاب الله عز وجل تنبني على تعددية تزيدها فصاحة وبلاغة ونضارة وحلاوة وطلاوة وماء زلالا ورونقا وجمالا وتنسيقا.. فهذه الوحدة لم تتجل ولم تتأكد لو لم تكن تلك التعددية في مستويات الخطاب القرآني الكريم..
إن الأسلوب القرآني يعتمد التصوير أساسا له في تبليغ رسالته وتربية الناس على مبادئه، وهذا التصوير يقوم على أسس لغوية متينة.. فبالمفردة الصحيحة الفصيحة والجملة القوية المتينة والتركيب العالي البليغ والسرد الشيق المعجز يصور المعاني الرائعة التي يريدها ومن ثمة يرسمها بريشة بديعة راقية ورائقة مستخدما كل ألوان الطيف اللغوية والأسلوبية وكل الألوان الكائنة والممكنة التي تزخر بالحياة وتتميز بالحيوية وتتفنن في التنسيق بين ذلك مع تسليط الأضواء الكاشفة لجمالية الصور تلك، حتى إنك لتجد نفسك أمام إن لم نقل في قلب لوحات فنية رائعة ومدهشة، وتسبح في إطار فني واسع وتتمتع بجمالية مثيرة ومذهلة ولغة أخاذة معجزة.. تأخذ الألباب وتأسر العقول وتملك القلوب وتسيطر على الجوارح وتمسك بالإحساس وتذهب بالوجدان وتشد إليها المتلقي شدا، فلا يسعه إلا أن يعترف بالانبهار أمام تناسقها وبالخضوع أمام نظمها وبالخشوع أمام نظامها وبالعجز أمام سلطان فنيتها وجماليتها.. ويتمثل الإعجاز القرآني فيها ويبرز التحدي الإلهي من خلالها كما يتجلى ضعف الخلق أجمعين أمامها وعدم القدرة على الاستجابة للتحدي القائم في الزمان والمكان.. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا * ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا * ﴾ )الإسراء:89(..﴿.. قل فآتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * ﴾ (يونس: 38)..
هذا هو التحدي القرآني بشكل عام، وتأتي القصة لتأخذ النصيب الأوفر من هذا التحدي، ومن ثمة فإنك واجد فيها التصوير في أعلى مراتبه وأبهى صوره وأحلى مواده وأرقى أدواته وأزكى أهدافه، إنه أسلوب قصصي يعتمد عدسة لغوية متمكنة من أدواتها تنقل أحداثا ووقائع تاريخية حقة وصادقة تصهرها في بوتقة لفظية رائعة وتسبكها بتراكيب بلاغية زاهية وتبعث فيها الحياة بمائها العذب الزلال وتزرع فيها روحا تشع بالأنوار الربانية وتزدهي بالأضواء القدسية وتوحي بالجمالية الطاهرة وتومض بالفنية الخالصة وتعبق بالمعاني السامية، كما تنشر فيها حيوية ولطفا تجعل المتلقي (قارئا أو مستمعا أو مشاهدا) يتصور وقع كل لفظة بعد أن يحس بها الإحساس الكامل، ويتأمل جرس كل كلمة بعد أن يستشعرها كل الاستشعار، ويتمثل فحوى كل جملة بعد أن يتصورها التصور التام، ويستحضر كل التعابير في مخيلته حركات تنبعث فيها ومنها الحياة فينفعل وكأنه هو نفسه جزء من المشاهد التي تعبر عنها القصة وتصورها، وذلك لكي يعيش بروحه ونفسه وعقله ووجدانه وبكل كيانه مع الأحداث المقصوصة، ويتحرك في كنفها ويشارك في تطورها، ويمشي في ظلالها، ويتفاعل معها ومع كل الشخصيات الرئيسة أو الثانوية وهي تتحرك في الزمان والمكان والإطار الذي رسمه القرآن الكريم بريشته المعجزة الرائعة عبر سوره وآياته وجمله وألفاظه.. أي عبر نصوصه فـإن ((( كل بنية إشارية تنقل معنى محددا ومكتملا هي نص ))) (2) (2) النص القرآني من الجملة إلى العالم.. وليد منير.. المعهد العالمي للفكر الإسلامي.. الطبعة الأولى/1997.. الصفحة: 24.. .. بل قد يحمل ذلك الزمان الغابر إلى زمانه الحاضر فكأنه لحظة من لحظات حياته المعيشة حتى لقد يتم بذلك نوع من التماهي..
يظهر إذن مما سلف أن القصة في القرآن الكريم تتمتع بمكانة خاصة، فهي من جهة الكم كثيرة الورود ومتفرقته على مستوى الفضاء القرآني وإن كان مبدأ التذكير بالتكرار هو الغالب.. ومن جهة العرض والتقديم فقد جمعت القصة طرائق الكتاب العظيم في الدعوة و منهجه في التبليغ ومنهاجه في التواصل كما احتوت على فنية معجزة بينة وتحلت بأدبية رائعة زاهية واكتست جمالية إبداعية بديعة وامتازت بطريقة تربوية فريدة.. ومن جهة الموضوع فإنها تكاد تطرق أبواب كل المواضيع التي جاء الإسلام من أجلها وإن كانت لم تفصل فيها ولم تسهب، واكتفت بالإشارة أو التلميح في أغلبها..

=== رسالة ترحيب ===

إدارة رابطة رواء
=== تراحيب المطر ===




رد مع اقتباس
#3  
قديم 02-01-2007, 03:26 PM
عبدالرزاق المساوي
قلمٌ روائي
عبدالرزاق المساوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1207
 تاريخ التسجيل : Apr 2006
 المشاركات : 27 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي قراءة جديدة للسرد القصصي في الخطاب القرآني.. الجزء الثالث



3* تشخيص القصة لموضوعات القرآن العظيم :
إن القرآن كما سبقت الإشارة إلى ذلك تناول كل ما تحتاج إليه البشرية في حياتها الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية والأخروية، وما يربط بينها من روابط.. وطرق مجموعة من المواضيع المختلفة أجمل في بعضها إجمالا وفصل في أخرى تفصيلا حتى إنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأوضحها وبين كل ما يمت إليها بصلة وشرح مكوناتها وخصائصها وكشف عن إيجابياتها وأبرز سلبياتها أو أشار إلى ذلك وأومأ، وسكت عن ثالثة ليس سهوا ولا نسيانا ولكن رحمة بالمتلقي ومراعاة لظروفه المختلفة وأحواله المتقلبة وبيئاته المتعددة وأزمنته المتعاقبة ومحيطه وعلاقاته المتشابكة وارتباطاته المتغيرة ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾(الأنعام: 39)..
وقد جمع العلماء كل موضوعات القرآن العظيم عند دراستها و تقنينها وتيسيرها للتلقي تحت مصطلحات رئيسة جعلوها عناوين يروجونها فيما بينهم ويعتمدونها في أبحاثهم ومؤلفاتهم، وأشهرها ما اصطلح على تسميته بـ" العقيدة " و" العبادات" و"المعاملات ".. ولقد فصلت الآيات وكذا السنة النبوية الشريفة هذه الأمور وأعادت بشتى الأساليب والطرق.. وتأتي القصة لتؤكد ذلك ولتكون نوعا من أساليب القرآن الكريم في التبليغ والدعوة وبسط الموضوعات التي يتناولها.. وتكفينا – هنا تمثيلا لما نقصد إليه - إطلالة رزينة على مجموع القصص التي وردت في سورة "الأعراف" فقط لنستحضر جل الموضوعات - كما سبقت الإشارة - المنطوية تحت العناوين الثلاثة الرئيسة السالفة الذكر" العقيدة والعبادات والمعاملات"..
فلقد انتقلت الآيات الكريمات في السورة المباركة من الحديث عن قدرة الله سبحانه وتعالى على الخلق والتكوين والإنشاء وتكريم بني آدم وتفضيلهم والترهيب من اتخاذ الشيطان وليا من دون الله والتركيز على قيمة الإنسان في علاقته مع ربه من خلال قصة آدم عليه السلام.. إلى الحديث عن الكفر المعلن بالخالق سبحانه والاستهزاء المستمر برسله وعاقبة الفاعلين لذلك في قصتي نوح وهود عليهما السلام.. إلى الحديث عن عدم توقير آيات الله عز وجل وعدم احترام الوصايا الإلهية وعدم شكر النعم مع نشر الفساد وتأييد الترويج له في الأرض في قصة صالح عليه السلام مع ثمود.. إلى الحديث عن الفاحشة الكبرى والمعصية العظمى إتيان الرجال شهوة من دون النساء مع الإصرار والإسراف والإعلان والجهر في قصة لوط عليه السلام.. إلى الحديث عن النقص في المكيال والتلاعب في الميزان وبخس الناس أشياءهم والإفساد في الأرض بعد إصلاحها والصد عن العبادة، والعمل على نشر الرذيلة ومهاجمة الحق في قصة شعيب عليه السلام.. إلى الحديث عن التطاول على حقوق الله والاعتداء على خلق الله والتسلط على المستضعفين، وظلم النساء والأطفال والمعوزين، والوقوف في وجه الناهين والتآمر عليهم في قصة موسى u وأخيه هارون u مع الطاغية فرعون ومن سلك مسلكه كهامان واتبع خطاه كقارون، إلى الحديث عن التلاعب بأحكام الحق سبحانه و انتشار السذاجة والجهل وتفشي المكر والخداع واستفحال التهور والعصيان واتباع الشهوات في قصتهما عليهما السلام مع قومهما الأجلاف من بني إسرائيل..
هكذا جاءت هذه المجموعة من القصص التي اخترناها - على سبيل المثال فقط - لتحكي عن كوكبة من الرسل الكرام مع أقوامها مبينة مجموعة من الأمور والقضايا التي تنتمي إما إلى العقيدة وإما إلى العبادات وإما إلى المعاملات، أي تدخل في إطار العلاقة بين الخالق والمخلوق من حيث الإيمان به وتوحيده وعبادته والاعتقاد في ما يأمر به، وإما في إطار العلاقات بين الخلق والخلق على جميع المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية وفي جميع أبعادها..
وكما تمت الإشارة سابقا فإن القصة في القرآن الكريم كانت بمثابة تشخيص أنموذجي لكل مواضيعه أو بمثابة نقل حي وحركي لكل موضوعاته، وإن كانت لا تفصل في ذلك ولا تفيض، فلأنها ليست للتشريع بقدر ما هي للعبرة والحكمة والعظة والتدبر والتذكر وإزالة الغفلة.. فهي قص لنماذج من المخلوقات - سواء كانت بشرية أو كانت حيوانية أو خلقا آخر.. - تحمل مبادئ وأفكارا ونظرات ومفاهيم ورؤى تختلف باختلاف العقول والطبيعة والانتماءات وتتحرك في حياتها أو تفعل وتنفعل انطلاقا من قناعتها الفكرية والأيديولوجية راسمة بذلك كل ما جاء به النص القرآني العريض من أوامر أو نواه ومن تأييد أو اعتراض.. فالرسل والأنبياء والصالحون يمثلون نماذج الفئة المطبقة لأوامر الحق سبحانه والمنتهية بنواهيه ومن ثمة فهي الفئة المحمودة والمقبولة والمحبوبة عند المولى عز وجل.. أما الأفراد والجماعات المعارضة للرسل هم نماذج البشر الممقوتين والمغضوب عليهم والمعرضين لعذاب الله تعالى وزجره لكونهم يسلكون المسالك المنهي عنها..
وسنزيد الأمر وضوحا بتناول موضوع واحد مثالا يتوزعه أسلوب الوعظ وأسلوب القص ينير لنا فهمنا لهذه القضية القرآنية، فلنتأمل هذا الأمر بكل جلاء في قوله تعالى من سورة التوبة في الآية 39: ﴿ يا أيها الذين أمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا من الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير * ﴾.. إن هذه الآيات الكريمة تعتبر رسالة واضحة وهادفة وخطابا مباشرا وحديثا مقصودا موجها بأسلوب النداء المركز والمؤكد لفئة معينة متلق محدد، معالمه واضحة قارئا أنموذجيا يعلم الله تعالى أنه مستجيب لندائه العلوي لا محالة، ولله المثل الأعلى (((يتوقع المؤلف قارئا أنموذجيا يستطيع أن يتعاون من أجل تحقيق النص بالطريقة التي يفكر بها المؤلف نفسه، ويستطيع أن يتحرك تأويليا بالطريقة التي تحرك بها المؤلف توليديا))) (3) (3) القارئ النموذجي.. أمبرتو إيكو.. ترجمة أحمد بو حسن وهو ضمن كتاب " طرائق تحليل السرد الأدبي" اتحاد كتاب المغرب-الرباط..الطبعة الأولى/1992.. الصفحة:160.. فكان هذا الأسلوب حاملا في طياته المقت والذم الذي تفوح رائحته من أسلوب النداء في بداية الآية إلى أسلوب تأكيد قدرة الله عز وجل في نهايتها.. كما يحمل هذا الخطاب دلالات التنفير من الركون إلى الأرض وترك الجهاد رهبة من الموت وخوفا من القتل، أو طمعا في العيش ورغبة في الحياة الدنيا التي لا تساوي أي شيء أمام ما أعده الله سبحانه في الحياة الأخرى للمؤمنين المجاهدين في سبيله.. والمهم عندنا في هذا هو الصياغة أو الطريقة التي تم بها عرض الآيات لهذه القضية/الموضوع، والمسلك الذي سلكه القرآن فيها من أجل الوصول إلى توضيح هذه الفكرة وتبيين هذا المقصد.. إنه أسلوب وعظي إرشادي مباشر يحث على الخروج في سبيل الله ويرغب في حمل أعباء الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيل ذلك.. كما يرهب من الركون إلى الأرض والطمع في متاع الحياة الدنيا ودعتها والاغترار بخضرتها الزائلة.. ويعبر عن ذلك بلفظة بليغة جمعت معاني التنفير بطبعها هي كلفظة/مونيم.. وطبيعتها كمجموعة من الأصوات/الفونيمات:"اثاقلتم" وهي لفظة دالة على معناها من خلال تكوينها الداخلي نفسه فهي ثقيلة حتى على نفسها في أدائها اللغوي عند النطق بها، لأنها تتكون من حروف تتميز بثقلها اللفظي الذي يؤدي بالضرورة إلى ثقل معنوي لتعبر عن ثقل مادي واقعي ومرئي.. فالحرف اللثوي "الثاء المعجمة" المشددة والممدودة، والقاف من حروف القلقلة وما أدراك ما حروف القلقلة وكذا اللام الساكنة، ثم الحرف المهموس والميم التي تفرض على الشفتين الانطباق ليتسلل صوتها خفية من الأنف.. وكأن هذه اللفظة القرآنية المختارة بعناية بالغة تجمع بين الثقل والسكون وبين البطء والركون وبين التهاوي والتهاون حتى في تكوينها كطبيعة مستقلة عن السياق الذي لم يزدها إلا نفورا.. ومن كانت حاله على هذا الشكل حتى في التعبير عن فعله لغويا فإن الله تعالى يزجره، ويوعده بالعذاب الأليم والاستبدال بقوم آخرين.. وهي قمة الهوان والذل والخزي والصغار والخذلان.. أن لا يبقى للإنسان أي قيمة حتى إنه ليمحى من الوجود ويشطب عليه من لائحة الكائنات وتذهب آثاره بعد أن كان يحب الخلود والالتصاق بالأرض ويرغب في المكوث والبقاء بها دون مقاومة أو معاناة أو إثبات ما يؤمن به والدفاع عما يعتقده في حياته الخاصة والعامة.. هذا عذاب الدنيا أما الآخرة فقد أعد الله فيها العذاب الأليم الذي لا يعلم مداه إلا الله الذي هو على كل شيء قدير..
إن هذا الأسلوب بهذا الشكل خطابي محض وتقريري قح ومباشر ووعظي وإرشادي يقرر فيه القرآن عاقبة من لم يمتثل أوامر الله تعالى في مسألة الجهاد في سبيله سبحانه في حين نجد في جانب آخر من القرآن الكريم ما يشخص الموضوع ذاته ويبرز القضية نفسها ويبينها ولكن بشكل غير مباشر إذ يتوسل في ذلك الأسلوب القصصي المرتكز على الأحداث التاريخية والتعبير التصويري المعتمد على الحركة الإنسانية.. كما في قصة طالوت وجنوده التي تعرض للموضوع نفسه عرضا مخالفا من الناحية الشكلية للآيات السابقة، وذلك بإفراغه في قالب من الأحداث الواقعية والمشاهد التاريخية والشخصيات الحية التي تحث على الجهاد وتنفر من الركون إلى الدنيا ولكن كما أشرنا بطريقة أخرى وبأسلوب مختلف هو الأسلوب القصصي الذي يحلل المسألة ويتناولها دون اللجوء إلى المنطق الشرعي المباشر المعتمد على الترغيب والترهيب بشكل مباشر متوسلا القاعدة المعروفة "اِفعل أو لا تفعل"..
يقول الله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا في سبيل الله قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبييهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم * وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين * فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين* ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء.﴾ (البقرة : 246)
إن الذين اغترفوا من النهر كما شاءوا وشربوا منه كما أرادوا وقاموا بما أملته عليهم أنفسهم، وليس كما أمرهم نبيهم ولا كما حدد لهم قائدهم.. والذين قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ولا قدرة لنا على محاربتهم ونزالهم، هؤلاء وهؤلاء هم أنموذج المتثاقلين إلى الأرض الراغبين في العيش المريح والحياة السهلة، والزاهدين في الجهاد والمتقاعدين عن الخروج في سبيل الله ونصرة أنفسهم قبل نصرة دينهم.. أما الفئة التي قالت ﴿ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾ وخاضوا غمار المعركة، فإن الله لم يتخل عنهم ولم يدعهم لأنفسهم، ولم يتركهم لعدوهم الذي يفوقهم عدة وعتادا بل كان معهم فهزموا جالوت وجنوده وكان نصر الله كبيرا.. هذه الفئة في القصة تمثل الأنموذج الواقعي والحي للخطاب الإلهي المباشر في قوله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ إذن فطريقة العرض في آيات سورة البقرة تشخيصية وتصويرية تقوم على نحث لغوي لشخصيات حية من الواقع المشهود، وتبرز مواقف وأحداث ملموسة في لغة سهلة تعبيرية وتصويرية مفعمة بالحياة والحيوية.. إنها طريقة الأسلوب التوجيهي والتربوي التي تجعل للأحداث التاريخية مسلكا إلى القلوب وطريقا إلى الأفئدة ومعبرا إلى العقول ومن ثمة جسرا إلى الأعضاء المتحركة/المنفذة.. وتجعل من المشاهد الحية سبيلا إلى شرح وبسط الفكرة المتوخاة.. إنها أسلوب يعتمد السرد والحوار ويعدد مستوياته ويخالف بينه ثم يعطي لكل محاور نتيجته النهائية دون أن نلمس منه المباشرة..
إن هذه القصة قد تظهر للمتلقي البسيط أو الذي لا يعير اهتماما وكأنها قصة لا يعني موضوعها أحدا ممن يتلقاها، وإنما هي في ظنه مجرد حكاية أو قصة تروي أحداثا عن قوم أو عن اختلاف قوم عن نبيهم أو تحكي عن حرب بين قوم وقوم.. فهي بالنسبة له مجرد أحداث تاريخية ليس إلا.. نتعرف عليها ولا تعنينا وقد نتسامر حول موضوعها ولا تغنينا.. أما الذين يفهمون الأسلوب القرآني، ويتمعنون في كيفية أدائه اللغوي وطرائق تبليغه ومستويات تناوله لدين الله تعالى فإنهم يعلمون حق العلم أن القصة في القرآن جاءت أساسا لتشخص آيات كثيرة أخرى وردت في شكل وعظي يحمل الترغيب والترهيب المباشرين..
وبعد هاتين الوقفتين بين يدي آيات سورة التوبة وآيات سورة البقرة يمكن أن نلحظ في الخطاب القرآني ما هو أدل على ما نقصده ونريده في شكل جمع بين الوعظ المباشر وغير المباشر، وذلك حين نقف مبهورين أمام آيات سورة الصف التي تجمع بين أسلوب آيات سورة التوبة وبين طريقة آيات سورة البقرة أي بين السرد القصصي والسرد غير القصصي في مثل قوله عز من قائل:﴿يا أيها الذين أمنوا كونوا أنصارا لله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فأمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين أمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ﴾(الصف:13) فالأمر ليس قصة أو حكاية أو رواية لوقائع وأحداث تاريخية، وإنما هي طريقة وأسلوب في عرض الموضوعات يوظفان من أجل الحصول على ما أراد القرآن أن يعرفه المؤمنون به في مسألة معينة من مسائله الكثيرة التي تناولها كهذه المسألة التي وقفنا عندها وهي " الجهاد ونصرة الدين "..
إذن فما أوجبه القرآن الكريم بصريح العبارة وعن طريق الأسلوب الوعظي المباشر الموجه عن قصد نجده مبثوثا أو متضمنا أو موحى به أو مشارا إليه في الحكي بأسلوب قصصي بديع..
لذلك لو أردنا أن نقف عند هذا الأمر بتفصيل لوجدنا أنفسنا أمام القرآن الكريم كله لأن - كما أوضحنا سالفا - الأغراض القرآنية جميعها متجلية في قصصه بشكل من الأشكال وليس من الضروري أن يأتي ذلك بالتفصيل.. ثم إنه ليمكن القول وبكل تأكيد إن القصة في القرآن الكريم تتواشج وتمتزج امتزاجا بينا واضحا بموضوعات السور التي ترد فيها بله إنه امتزاج عضوي لا يستطيع أحد أن يفصل بين القصة وبين ما جاء في السورة التي احتوتها بأكملها من موضوعات حتى إننا لو حذفنا القصة من موقعها من السورة التي وردت فيها لضاع المعنى المطلوب ولاختل المقصود ولألفينا أنفسنا أمام نص مبهمة مقاصده أو لا يكاد يبين...
4* ماهية القصة في القرآن الكريم :
لا شك ولا ريب في أن القصة سلوك بشري ونشاط إنساني ككثير من الأنشطة التي رافقت الإنسان بوعي منه وبغير وعي بقصد وبغير قصد، وقد جاء هذا النشاط الإنساني كي يلبي حاجات ورغبات ومتطلبات نفسية وفكرية وروحية واجتماعية وثقافية ودينية وأخلاقية وتعليمية وجمالية وفنية واقتصادية أيضا لدى المبدعين والمتلقين على السواء.. فحتى وإن اختلفت الأزمنة وتغيرت الأمكنة وتطورت الأنشطة الإنسانية بقيت القصة على اختلاف أنواعها وتعدد تجلياتها وتباين مكوناتها وتضارب أشكالها، وما زالت رفيقة الحركة الإنسانية في جميع مراحلها التاريخية تعبر عن الآمال والطموحات، وتصور الآلام والأشجان، وتكشف عن الرؤى المختلفة للحيوات كما استطاعت أن تعبر الأزمنة والقارات وأن تملك العقول والقلوب..
لقد استطاعت القصة أن تساهم في تحليل النفس الإنسانية بما لها من أبعاد متنوعة ومتشعبة ومعقدة أحيانا كثيرة.. تحليلا عميقا ودقيقا، وأن تبين نزعاتها الثابتة والمتغيرة والطارئة من خلال تصوير العواطف والأحاسيس في إطار تأثرها وتفاعلها مع مجموع الظروف الخارجية التي تحيط به من بعيد أو من قريب.. وأن تبرز تلك الخيوط المتقابلة فيها (4) (4)انظر كتاب الأستاذ محمد قطب "دراسات في النفس الإنسانية" دار الشروق بيروت. الطبعة الرابعة/1980 كالخوف والرجاء والحب والكره والحسية والمعنوية والواقع والخيال وما تدركه الحواس وما لا تدركه والالتزام والتحرر والسلبية والإيجابية والفردية والجماعية.. وأن تصور واقعها الداخلي من خلال تصوير ضلالها وهداها وأفراحها وأحزانها وقوتها وضعفها وتفاؤلها وتشاؤمها.. وأن تصور أيضا الحقيقة التي تقوم عليها الحياة من خير وشر وظلام ونور وسعادة وشقاء.. وأن توضح الدوافع والمثيرات والمؤثرات والضوابط والمقومات..
ولكي نلج موضوع السرد القصصي في الخطاب القرآني الكريم، وندخل من بابه الواسع، ولكي نتعرف على المقصود بالقصة فيه، ولكي نقف على دلالاتها ومفاهيمها وما توحي به من معان، وما ترمز إليه من قضايا، سنحاول التعامل معها في الخطاب القرآني الكريم من خلال طرحها بمفهوميها اللغوي والاصطلاحي انطلاقا من الآيات القرآنية التي وردت فيها بعض أشكال وصيغ اللفظة التي وردت في مجموع الخطاب القرآني ستا وعشرين مرة.. ثم نقف على طبيعتها لنسجل كيفيتها وحقيقتها من خلال الوقوف على بعض خصوصياتها، ونعرج على المهام التي أنيطت بها، و الوظائف التي تقوم بها، والأهداف التي صيغت من أجلها، ثم نشخص من خلال نصوصها الكريمة مقوماتها وركائزها ومكوناتها وخصائصها وبنياتها..




رد مع اقتباس
#4  
قديم 02-01-2007, 03:40 PM
عبدالرزاق المساوي
قلمٌ روائي
عبدالرزاق المساوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1207
 تاريخ التسجيل : Apr 2006
 المشاركات : 27 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي طبيعة السرد القصصي في الخطاب القرآني.. ج4



ب* طبيعتها:
لكل شيء في الوجود طبيعته الخاصة تبرزه إما في شكله الذي هو عليه وإما في شكله الذي تعارف به عليه متلقوه والمتعاملون معه الذين ألفوه، وللقصة بشكل عام طبيعتها التي تميزها عن غيرها من الأجناس التعبيرية والأنواع السردية والأشكال التواصلية الأخرى، وهي طبيعة لها خصوصيات ذاتية تتمتع بها القصة ذاتها فقد صنعتها لنفسها بنفسها كنوع من الرسائل التي تعتمد السرد في بنائها، ذلك أن السرد في وظيفته (() يركب ويعيد تركيب، ويبدع ويعيد تأسيس سلسلة متكاملة ومتداخلة من الوقائع والأحداث والشخصيات والخلفيات الزمانية والمكانية، لتجعل منها المادة الحكائية.. ()) (12) (12)التمثيل السردي في رواية الكوني عبد الله إبراهيم – علامات: ج:32 – م: 8/1999 الصفحة:326 ذات المقومات المكتسبة بفعل التلاقح المستمر مع كل مكونات الفعل المعرفي والمشهد الثقافي والعلمي والأدبي..الخ.
وللقصة أيضا خصوصيات مكتسبة يفرغها عليها أو يكسبها إياها المرسل:القاص أو الراوي أو السارد، على اعتبار أنه كائن حي يملك قدرات ومهارات وكفايات نفسية واجتماعية وفكرية وثقافية وإبداعية تنتج وتؤثر في إنتاجها بل إنه يعتبر أول متلق لما يمارس من قراءة داخلية خاصة به..
كما أن من خصوصيات القصة ما يضفيه عليها متلقوها من خلال قراءاتهم المتعددة والمتتالية والمتجددة.. على اعتبار أن المتلقي مشارك فعال في التأسيس والبناء لكونه حاضرا حتى قبل إنتاج الرسالة كمستهدف عند المرسل.. ثم بعد ذلك لما يملأ الفراغ والبياض وما بقيت تحتاجه الرسالة في مستويات تركيبتها الأخيرة فهما وتفسيرا وتأويلا..
وقد تجتمع كل هذه الخصوصيات – في أعلى مستوياتها – أو يتحقق بعضها - قل أو كثر - لتصاغ في الأخير تلك الطبيعة الخاصة بالقصة ولو في أدنى مكوناتها كطبيعة رسالية..
والقصة القرآنية لها خصوصيات تتشكل منها طبيعتها الداخلية بحكم البناء الذاتي المتنامي دائما.. والخارجية بحكم أنها:
1: ملفوظ سامي صدر عن ذات عالية متعالية علوا كبيرا ..
2: متلقاة عبر الزمان والمكان من طرف ما لا نهاية من المتلقين..
3: معرضة لكثير من القراءات المختلفة عبر التاريخ..
هذه الخصوصيات تقوم عليها القصة القرآنية وتؤطرها، وتنفرد بها عن غيرها وتكسبها مميزات ترقى بها عما سواها، ومن هذه الخصوصيات بالتحليل والتفصيل نجد ما يلي:
*القصة حق وحقيقة:
*إن القصة القرآنية تنبني في هيكلها ولبها، في قلبها وقالبها، على الحق وتتأسس في روايتها وسردها على الحقيقة، وتجعل ركائزها التي تعتمدها في حكيها ما جرى على أرض الواقع فعلا وليس تخيلا، وهذا يعني أنها بعيدة كل البعد عما يسمى الخيال في شكله الذي ألفته عبر التاريخ الأدبي أشكال وأنواع من القص، حتى ذلك الذي ينعت بالواقعية أو ما شاكل ذلك بناء على فلسفات حديثة معينة..
فهي أي القصة القرآنية تصور وأقول بصوت مرتفع وخط عريض تصور أحداثا ووقائع وممارسات تقوم بها شخصيات مختلفة وهويات متعددة ورموز متباينة في أزمنة معينة وأماكن محددة، وفي ظروف نفسية واجتماعية وتراكمات تاريخية.. كل ذلك مأخوذ من واقع الحياة، موجود بالفعل والقوة.. وهذا لا يعني أنها إخبار أو تدل على مفهوم الخبر لأنها تستمد فقط من الحقيقة والواقع.. ومن ثمة يحلو لبعض المغرضين القول: إن ما جاء في القرآن الكريم لا يدل على مفهوم القصة بقدر ما يدل على مفهوم الخبر.. فهذا خطأ في الفهم والتقدير لأن بعضهم يظن " أن الفرق بين الخبر والقصة أن الخبر مستمد من الحقيقة وأن القصة من نسيج الخيال ولكن هذا غير صحيح (() فـ"الفرق بين الخبر الذي يقتصر على تزويدنا بالمعلومات والخبر الذي يصور حدثا هو الفرق بين مجرد الخبر وبين القصة ()) (13) (13) كما يقول الدكتور رشاد رشدي في كتابه فن القصة القصيرة..
لذلك نعتبر القصة القرآنية من خصوصياتها أنها تنبثق عن الواقع الحي، وتحكي لنا الحق المبين، ولا تخرج عن الحقيقة التاريخية قيد أنملة، وتصور ذلك تصويرا رائعا يساير مقومات الخطاب القرآني ذي البعد اللغوي المتين..
ولتفادي كل لبس فقد صرح القرآن نفسه بهذه الخصيصة، وأكد عليها كحقيقة ثابتة لا يمكن أن يطالها الشك أو الريب.. بشتى أنواع التوكيد حين يقول جل وعلا: ﴿ إن هذا لهو القصص الحق﴾ (آل عمران: 61).. حيث نجد في أسلوب الآية الكريمة نوعي التأكيد أو التوكيد اللفظي والمعنوي، من مثل "إنّ" الحرف المضعف المعروف بحرف أو أداة التوكيد، ولام الابتداء الدالة على التأكيد وقد فصل بينهما باسم إشارة ليزيد في تأكيد هذه الحقيقة وتوكيد هذه الخصيصة، إنها طبيعة ذاتية وبنية داخلية يحملها هذا التوكيد اللفظي﴿ إن هذا لهو القصص الحق.. ﴾ (آل عمران: 61).. وفي آية أخرى ينسب سبحانه وهو الحق جل وعلا عملية القص في القرآن الكريم بصريح العبارة لذاته كمرسل وسارد وفاعل أول عز وجل، وبنون العظمة والجلال، ليزيدها وضوحا أكثر على مستوى التوكيد المعنوي، ويعطيها مصداقية تامة لواقعيتها بشكل أمتن.. لقد أفرغ سبحانه على عملية القص من جلال اسمه هبته، ومن عظيم سلطانه قدرته.. وقال عز من قائل سبحانه وهو الحق وقوله حق في معرض الحديث عن أصحاب الكهف القصة ذات الطابع الأسطوري.. فكيف إذا كانت هذه حقا وحقيقة وهي تسرد حدثا خارقا، ألا يكون ما سواها من القصص واقعا: ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق .. ﴾ (الكهف:13)..
وتأتي آيات أخر لتؤكد القضية نفسها، وتثبت الأمر ذاته، وذلك أن الحق هو السمة البارزة لهذا القصص القرآني العظيم فيقول سبحانه: ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ﴾ (هود:119) " حق وموعظة وذكرى " مكونات تتطلب متلق من نوع خاص، متمكن من أدواته التي تسعفه على رؤية وقراءة الحق والموعظة والذكرى من خلال الطبيعة التي تتمتع بها القصة في السرد القرآني.. هذا المتلقي هو " المؤمنون" الذين يفْعلون وينفعلون ويفعّلون تلك القراءة التي لا تحيد عن الطبيعة القصصية في القرآن الكريم على خلاف أولئك الذين يحاولون إفراغها من الحق والحقيقة والواقعية..
إنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا من فوقه ولا من تحته ولا من أي جهة قد تخطر بالبال، لأنه بكل بساطة هو قص في ذاته حق ويحمل الحق وإن كان أغلب الناس لا يعلمون، ومن طبيعته توخي الحقيقة واتباعها ولأنه يحمل مكونات منطقية داخلية تدفع متلقيه إلى الإيمان بصدقيته، وهو أولا وقبل كل شيء صدر عن الحق سبحانه: ﴿ والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ (الرعد: 1).. وهو جزء من الكتاب الذي أوحى به الله: ﴿ والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه.. ﴾ (فاطر: 31).. وليس كذبا أو افتراء ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى.. ﴾ (يونس: 111).. وأخيرا نقول إنه الحق الذي صدر عن الحق سبحانه، ونزله روح القدس الأمين جبريل عليه السلام بالحق: ﴿ قل نزله روح القدس من ربك بالحق.. ﴾ (النحل:102).. وأوحى به إلى رسول الحق صلى الله عليه وسلم والذي بلغه لكل الذين يحبون أن يتبعوا الحق ﴿ قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ﴾ (يونس: 108)..
وهكذا يمكن أن تتسع شبكة العلاقات التي تربط بين حلقات الحق والحقيقة من المرسل الأول الذي هو الله عز وجل إلى المتلقي من الدرجة الثالثة في سلم العلاقات التواصلية والذي يعبر عن جملة المؤمنين كما سنبين في الترسيمة الإرسالية التالية التي تسيطر فيها معالم الحق المبين والحقائق التاريخية..

المرسل (1) الرسالة المتلقي (1)/المرسل (2) المتلقي (2) /المرسل (3) الرسالة المتلقي (3)


الله جل جلاله الوحي جبريل عليه السلام الرسول عليه السلام القصص الحق/الوحي المؤمنون


*القصة والشهود الإلهي:
** ثم إن هذه الحقيقة الطبعية والمكتسبة التي أرسيت عليها دعائم القصة القرآنية وهذا الصدق الذي قامت عليه خصائصها وهذا الحق الذي بنيت عليه أركانها هو نفسه الذي بنيت عليه آيات الله كلها، فتلك مستمدة من هذه.. يقول تعالى: ﴿ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ﴾ (البقرة:252).. فهو ليس الحق المرفوع بالسماع.. أو الحقيقة المعتمدة على روايات من الثقاة في إطار الثقافة الشفهية.. أو على حكايات عارفين من بطون الأسفار والكتب العريقة.. أو أن هذا الحق والحقيقة مما خلده الأثريون أو دونه المؤرخون، أو اكتشفه المستكشفون أو درسه وحلله الأنثروبولوجيون أو نشر حقائقه العلماء المتخصصون.. أو تسامر عليه الرواة والحكاؤون الخرافيون..
بل هو الحق والصدق صدر عن الحق سبحانه ﴿ذلك بأن الله هو الحق ﴾ (الحج: 6).. وهو سبحانه الذي كان بمعية الأحداث كلها يقصها ويحكيها ويرويها انطلاقا من الحضور الجليل والشهود العظيم والوجود الكريم، وانطلاقا من العلم الواسع والإحاطة الشاملة، أي انطلاقا من وجوده سبحانه وإشرافه تعالى وعلمه المطلق بكل ما يقع وما من شأنه أن يحصل..
ونقل ذلك صلى الله عليه وسلم بكل علم وصدق وأمانة لأن هذه صفاته صلى الله عليه وسلم يقول تعالى: ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾ (الأعراف:6).. فالغياب كعدم العلم تماما، ليسا جائزين في حقه سبحانه، وكيف يكون غائبا وهو الذي أوحى وأرسل وبعث وهيأ ظروف التلقي من الأول إلى الأخير..؟ كيف يكون غائبا وهو الذي قدر الأمور كلها..؟ ثم أبعد هذا يقال: (() تؤخذ القصة كلها مأخذ المثل ()) (14) (14) الصورة الأدبية.. د.مصطفى ناصف – دار الأندلس الطبعة 2/1981 الصفحة:89..
والقصص لم ولن يكتسب تمام وجوده الحقيقي، ولم ولن يحقق كمال ذاته الحقة، كوقائع وأحداث فعلية إلا من خلال وجوده هو سبحانه وتعالى.. ولكي تتوفر هذه المصداقية عند المتلقي وتتأكد لديه كان لابد أن يعتمد هذا القص وأن يرتكز هذا الحكي لتزكيته داخليا وخارجيا أفقيا وعموديا، على هذا الشهود الإلهي والحضور الرباني، أي على عدم الغياب كما ذكر النص.. لأن هذا القصص القرآني بالنسبة للمتلقي يعتبر أحداثا لم يعشها ولم يشهدها، فقد يكون سمع بعضها كما وقعت، وقد لا يسمع منها إلا ما تناهى إلى سمعه عبر قصص السمر والسهر والتسلية وقد تكون محاطة للإثارة والفرجة والتسلية بالزيادة أو النقصان، وقد تكون الصورة مشوهة بشكل يفقد القصص كل شيء طبعي فيها أو مكتسب، حتى المتعة نفسها.. وقد تبقى منها مجموعة أحداث يضرب بها المثل ولا تشتهر قصصا واقعيا..
إذن فالقصص في القرآن الكريم يعتبر من الغيب بالنسبة للواقع الذي نزل يعالجه، والزمن الذي أتى يغيره.. إنه مما لم تدركه الأبصار ولم تحط به العقول سواء بالنسبة للمتلقي (1) أو المتلقي (2) أو المتلقي (3).. لذلك فكأن هذا الغيب حين يقصه شاهد عيان، وحاضر معاين، وعليم خبير وحق مبين ورب حكيم ذو رؤية فوقية، لا تخفى عليه خافية، يصبح حينها ذلك القص منتميا إلى عالم الشهادة يتنامى في عالم الحق وسلم الحقيقة، ويتمدد على شبكة الواقع والواقعية.. مما ييسر لمتلقيه(2) و(3) ويسهل عملية الانفعال والتفاعل مع المقصوص تاريخا.. والإحساس بما جاء به وتصوره واقعا.. والحياة في ظلاله والركون إلى حقائقه..
وبيت القصيد هو أن يصدق المتلقي (3) القصة لأنها صادرة عن صادق سبحانه وموحى بها إلى صادق أمين صلى الله عليه وسلم وهي كلها صدق في صدق شكلا ومضمونا بنية وغاية، كل مكوناتها تنطق بالصدق.. ومن ثمة ينفعل معها ويستشعرها بكل فكره ووجدانه، ويعيشها بكل جوارحه وجميع حواسه، ويتمثلها في كل سلوكياته.. وإن لم يحضر أحداثها، ولم يعاشر شخصياتها، ولم يلمس وقائعها، ولم يعاين واقع وجودها، ولم يعش زمانها، ولم يتحرك في أماكنها، ولم يتعرف ملابساتها..
إنه يتصورها أحداثا حية، ويتخيلها وقائع تمر أمامه، ويتمثلها مسلسلا مباشرا، وقد يتقمصها حينما يتأثر بها تأثرا شديدا..
ويكفيه أن يتصورها حقا وأن يؤمن بها وحيا من الحق انطلاقا من أن السارد نفسه يريدها كذلك.. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون﴾ (القصص:43).. ويقول عز من قائل سبحانه: ﴿ ..ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ (آل عمران:44) ويقول سبحانه : ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون﴾ (يوسف: 109)
وبعد كل هذه التأكيدات على واقعية القصة القرآنية ووجود أحداثها حقيقة، ونقلها الصادق للحق والحقيقة التي عيشت، وحيي فيها خلق كثير دون ريب أو شك على خلفية أن الله سبحانه وتعالى الذي قصها هو نفسه بمثابة شاهد عيان، لم يغب عن الأحداث لحظة، ولم تخف عنه ولم تتوار ولا أقل من ذلك.. بل هو سبحانه الذي قدرها تقديرا، ويعلمها قبل وقوعها.. وكل ملابساتها في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلق وتقدير الأمر، وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه كان لا يعرف شيئا مما قص عليه من أنباء إخوانه من الرسل والأنبياء الذين قضوا قبله.. ولا كان يعلم أنباء القرى السابقة، وأخبار الأمم الغابرة، ولا الأحداث السالفة.. ولم يكن يدرك من الأمر شيئا لا من عنديته قارئا متعلما أو عارفا فطنا أو مطلعا فاهما أو ذكيا متمرسا، ولا من اتصالات داخلية أسرية أو جوارية أو قومية، أو أسفار خارجية أو لقاءات غريبة بعيدة أو قريبة.. ولا من علماء وقته من أهل الكتاب و لا من شيوخ المعرفة في القبائل العربية ولا من كهانها ولا من شعرائها ولا من خطبائها ولا من حفاظ آثارها ولا من أي مصدر من المصادر الشائعة حينها.. ولنستمع إلى الحق سبحانه وهو يصف لنا حال نبيه صلى الله عليه وسلم كيف كانت قبل نزول الوحي عليه: ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ﴾ (العنكبوت:48).. بل علم صلى الله عليه وسلم ذلك بوحي من ربه ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل.. ﴾ (هود: 49)..
هل يمكن أن يكون فحوى النص الأخير ﴿ ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل.. i هو مربط الفرس كما يقال..؟ هل يمكن أن يكون هذا هو السبب في عداء العرب لما أوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم بشكل عام ومن قصص عجيب بشكل خاص؟.. ألأن العرب كانوا لا تعلمون شيئا من المحكي، أم أنهم كانوا لا يفقهونه..؟ أم أنهم كانوا لا يلمون بحقيقة ذلك بما فيه الكفاية، ولا يفهمونها إلا على أنها للسمر والسهر والتسلية وضرب المثل ليس إلا..؟ أم لأنهم كانوا يتجاهلون الحقيقة أم أنهم يجهلونها..؟ ومن جهل شيئا عاداه؟.. أم لأنهم كانوا يعرفون هذه القصص لكن معرفتهم تؤطرها الحكايات والحدوثات وبقايا روايات الأسلاف فاختلط عليهم الأمر..؟ أهذه عقيدتهم التي كانت تحول بينهم وبين الاستفادة من الخطاب القرآني كما هو حال كثير من مفكرينا المعاصرين..؟
ألهذا كان ضلاّل العرب والمتفوهون من كبرائهم وطغاتهم يقولون: ﴿. قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ (الأنفال: 31).. ﴿ وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ﴾ (الفرقان: 5)..؟
أيقولون هذا وهم أول من يعرف طبيعة محمد صلى الله عليه وسلم ما ظهر منها وما بطن، ويدركون سجيته وتربيته ﴿وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم ﴾ (التكوير: 25).. ويعلمون كيف نشأ أميا لا يحسن القراءة ولا الكتابة، ويتيما لا يقوى على سفر ولا ضرب في الأرض يبتغي فضلا من علم ومعرفة.. وهم يدركون ويعرفون أنه كان يحب الخلوة ويفضل الوحدة ورضي لنفسه التفكر إرثا من جده إبراهيم عليه السلام والتذكر فطرة من ربه سبحانه، في ملكوت السماوات والأرض في غراء حراء.. وأنه كان المجتبى بين أقرانه والمرتضى حكما من بين شيوخهم فيما اختلفوا فيه، وأن ليس لديه مع من يديم معه الاتصال أو يكثر معه الجلوس أو يطيل معه العشرة والرفقة..
وكانوا يعرفون إلى أين ذهب في حياته وما هي الأماكن التي سافر إليها أو زارها ومتى وعدد ذلك.. ويعلمون كيف كانت حاله صلى الله عليه وسلم بشكل عام.. وقد لبث فيهم من عمره سنينا.. – فهو ابن بيئتهم أفلا يعقلون - قبل أن يفجع طغاتهم بكونه رسولا إليهم.. وقبل أن يص**** بنزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم من رب العالمين ﴿ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ﴾ (يونس: 16)..
ولكن الذي يريد ستر الحقيقة أو تشويهها أو تغليف الحق ونكرانه، أو على الأصح تبطيله بدعاوى باطلة، وحجج واهية، ورؤى بالية وأفكار من الحق والحقيقة خالية.. ويتذرع بكل ذريعة تحقق مأربه هذا، ويتوسل كل وسيلة تشفي غليله أو تسل سخيمته، فهو في الحقيقة هو كمن يريد ستر الشمس بالغربال، أو يقي نفسه حرها بالشباك، أو يتستر منها بالرمال.. ومن ثمة فهو ممن قال فيهم الحق سبحانه : ﴿ ..وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب ﴾ (غافر: 5).. وهذا مآل من لم يستطع كسب الرهان لصالحه وبيس المآب..
ولا ننسى أن نذكر - بعد هذا التأكيد كله - أنه لا ينبغي للمتلقي أن يرتاب في الطبيعة الحقة للقص، أو أن يشك في واقعية شهود السارد، أو أن يماري ويجادل – لا ينبغي له ذلك - في صدق من أوحي إليه بالقصص أو في صدق ما يحمله من مضامين وأحداث وشخوص ووقائع وعلاقات واستفزازات وحوارات وتهديدات ومصائر ومآلات ووعد ووعيد وجزاء وعقوبات.. يقول الله جل جلاله في معرض الحديث عن قصة خلق عيسى عليه السلام وهي معجزة كبرى فما بالنا فيما دونها:﴿الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ (آل عمران:59).. وهذا الخطاب موجه بشكل مباشر للرسول صلى الله عليه وسلم متلقيا(2) ومن خلاله للمؤمنين متلقيا(3) بحكم الإيمان والتبعية والاقتداء يقول تعالى: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ﴾ (آل عمران:31) .. بل إن الأمر موجه لكل الناس في مثل قوله تعالى: ﴿ قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم.. ﴾ (يونس:108) ..




رد مع اقتباس
#5  
قديم 02-01-2007, 03:42 PM
عبدالرزاق المساوي
قلمٌ روائي
عبدالرزاق المساوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1207
 تاريخ التسجيل : Apr 2006
 المشاركات : 27 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي طبيعة السرد القصصي في الخطاب القرآني.. ج5



*القصة بيان وبرهان:
***جاءت طبيعة القصص القرآني تتميز بهاتين الخاصيتين السابقتين: القول حق و القص صدق والسرد حقيقة ممتعة، والشاهد على هذا كله هو الحق نفسه سبحانه.. فانبثقت عنهما خصوصية ثالثة مرتبطة بهما لكونها تنتمي إلى المنظومة نفسها منظومة الحق والحقيقة، وهذه الخاصية الثالثة هي البيان والتبيين والإيضاح والتوضيح، وإبراز وإظهار الأشياء على حقيقتها والقضايا على طبيعتها والأمور على سجيتها والمشكلات التي لها ارتباط بالقصة وأحداثها أو شخصياتها أو بعض مكوناتها..
فهناك أحداث وأمور كثيرة في حياة الأقوام السابقة تعرضت مع مرور الأزمان وتداول الأيام للتشويه والتزوير والكذب والتغليف بالباطل، واختير لها عند تداولها بين الناس المنحى الأسطوري أو الخرافي الذي أفرغها من محتواها الحقيقي وسلخ عنها صفات الجد والصدق والحق المبين، وانزاح بها عن واقعيتها وعراها من مصداقيتها، ومن ثمة أبعدها عن واقع المتلقي بشكل عام، وغيبها عن حياته بكل أبعادها في هندسة العلاقات مع الوجود والكون والإنسان..
لقد تعرضت بعض الحقائق للتستر المقصود أو النسيان المقنن في أحسن الأحوال، ونظرا لارتباط هذه القصص بالحق من جميع الجهات كما رأينا وذلك لطبعها في حد ذاتها، ولطبيعة القصد منها وغائيتها ووظيفتها.. أصبح لزاما أن تظهر بالمظهر الذي هي عليه في حقيقتها، وليس بالمظهر الذي روج له الذين غيروا من حقيقتها وطبعها وطبيعتها، وأبطلوا مفعولها وألغوا غاياتها وحدوا من تأثيرها في تربية وتوجيه الأنفس والمجتمعات.. وأصبح لزاما أن لا يُسكت عن الأباطيل والأساطير التي ألصقت بها على مر الأزمان..
وتأتي قصص بني إسرائيل على رأس الروايات التي أشبعت أباطيل وأكاذيب حتى على الحق سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا – ولقد كانت البداية كالعادة في كل الأحوال عبارة عن زيادة في القص أو نقصان أو تخيل لأحداث مثيرة يرجى منها مصلحة معينة، واستمتاع بأخرى حتى تكونت لديهم سلسلة من القصص لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وأصبح الخلف يرويها عن السلف، فأضحت هي الأصل وصدقوا ما اخترعوه من قصص وأحداث وروايات وأساطير وخرافات وسطروها في كتبهم المقدسة لديهم، ثم أمسوا يحاجون بها ويجادلون وينافحون عنها، إنهم يكذبون الكذبة ثم يصدقونها..
فجاءت القصة في القرآن كي تصحح هذه الأوضاع المقلوبة وتضبط تلك المفاهيم المعوجة وتبين حقيقة تاريخ البشرية على العموم وتاريخ بني إسرائيل على الخصوص وتوضح كيف كانت علاقاتهم بربهم جل جلاله وبأنبيائهم عليهم السلام وفيما بينهم هم أنفسهم، ومع غيرهم ممن عاشوا معهم أو قبلهم من الأقوام الأخرى..
وهكذا وقع لكثير من الأمم والأقوام وقعوا في المطبة نفسها التي وقعت فيها بنو إسرائيل الذين غيروا وبدلوا فنسوا الأصل الحق، وتشبثوا بأهوائهم وضلالاتهم وأكاذيبهم.. فأصبحوا كما قال تعالى﴿ قل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ﴾ (الحديد:16) .. وعميت أبصارهم وغلفت بصائرهم فضلوا وأضلوا وضلوا عن سواء السبيل..
وكمثال فقط نضربه لتأكيد ما سبق نأخذ بعض آي القرآن الكريم – مثل ما جاء في سورة النحل - التي تتحدث بشكل عام عن قرى سبقت وأقوام اندثرت، تدخلت في أمور ليس من اختصاصها، فبدأت تحل وتحرم وتغير في شرع الله تعالى حسب هواها، ومع تداول الأيام أصبحت تؤمن بما وضعته لنفسها بديلا للشرع الإلهي، وتعتقد أنه الحق من ربها وتجادل من أجله وتنافح وهم على باطل ولكن أغلبهم لا يفقهون، فأخذهم العذاب وهم ظالمون.. وجاءت القصة تبين الخلل وتكشف عنه النقاب وتنبه إليه وتوضحه على الرغم من مضي زمان عليه، ومن وراء ذلك تصححه وتصوبه وتضربه مثلا للمتلقي كي يكون على بينة من أمره فلا يقع في مثل ما وقع فيه أصحاب هذه القصة وهذا هو بيت القصيد من ذكرها.. وأيضا ليملك المنهج الرباني في تصحيح الأخطاء التاريخية، ويكسب نفسه طريقة التعامل مع الأحداث والوقائع قديمها وحديثها.. يقول تعالى: ﴿ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ (النحل:118) قصصنا عليك أي بينا وأوضحنا لك ما كان عليهم محرما، ولكنهم تركوا الحق واتبعوا الباطل فظلموا أنفسهم...
وهكذا نعتبر التبيين والتوضيح من الخصوصيات التي تميز طبيعة القصة القرآنية التي هي حق وصادرة عن الحق ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تسكت على باطل وهي تعلم، أو أن لا تبين الحق وهي تعرف..
وتبيان الحق يأتي كي ينتقد مجموعة من السلوكيات والأحوال النفسية والفكرية.. ويصحح مجموعة من الأوضاع الاجتماعية والثقافية، ويغير مجموعة من القضايا البشرية التي أصبحت بمثابة عقيدة راسخة وأخلاق متمكنة من أصحابها ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم..
إنه تبيان يصحح الوقائع والأحداث والمفاهيم القديمة فيصوغها على الشكل الحقيقي لها بدل ما هو رائج عنها، ويغير القضايا التي بنيت على الأساطير إلى ما كانت عليه من الحق المبين فتتضح الرؤية وتستبين الفكرة، وهكذا تكون القصة قد صححت خبرها القديم وعالجت الشطط الذي وقع عليها وصححت الوضع الحالي لتصوغ في الأخير بتبيان واضح رؤية جديدة مبنية على الحق المبين والحقيقة الجلية..

*القصة حسن وجمال:
****إن هذه الخصوصيات السالفة الذكر التي تميز طبيعة القصة القرآنية تستدعي بطبعها خصوصية أخرى تحتاجها لكي تظهر بالمظهر الذي يليق بها كخصوصيات متميزة وعالية على المستوى المضموني والمعرفي والفكري، وهذه الخصوصية التي ستقوم بهذه الوظيفة الجليلة التي هي إبراز الجانب المضموني والفكري والمعرفي... هي الحسن بكل مفاهيمه ودلالاته وخصائصه ومرتكزاته ومقوماته وتجلياته وبكل حمولاته... إنه هو ما تميزت به القصة القرآنية كمكون دعوي وتربوي أساس من مكونات القرآن الكريم، وذلك على كل مستوياتها من حيث المبنى والمعنى والشكل والمضمون والأسلوب والموضوع وعلى مستوى الكليات والجزئيات.. وبمعنى آخر إن الحسن طال البنية السردية للقصة القرآنية ككل ولم يقتصر فيها على مكون دون مكون ولم يقف عند جانب دون آخر، بل تمكن الحسن والجمال منها كلها وغمرها بشكل عام، وبرز فيها بكل جلاء ووضوح..
إذن فمن الخصوصيات المميزة لطبيعة القصة القرآنية أنها من أحسن القصص وأفضلها وأجودها وأجملها وأبهاها وأرفعها وأرقاها.. لكونها اشتملت على مجموعة من الخصائص التي قد لا تتوفر في غيرها.. يقول تعالى: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ﴾ (يوسف: 3).. فإذا كان القصص من القرآن، والقرآن كلام الله تعالى، والله جميل بل هو الجمال عينه ويحب الجمال، فلا يصدر عن الجمال إلا الجمال والحسن..
فكان ما جاء من القصص في القرآن الكريم من أفضل وأحسن وأجمل وأجود القصص في موضوعها وأسلوبها ولغتها وبنائها واختيارها وانتقائها ومواقعها من النص القرآني وطريقة قصها ووظيفتها وأهدافها ومراميها ومقاصدها.. وقد أتينا على ذكر بعض هذه القضايا سابقا، ولا بأس أن نبدأ الحديث عن هذه الخصوصية انطلاقا من الإشارة التي جاءت قبل الآية السابقة من سورة يوسف عليه السلام حيث يقول المولى جل وعلا:﴿بسم الله الرحمن الرحيم ألر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ﴾ (يوسف:2)
﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا ﴾.. اللغة كما هو معروف تعتبر عصب القصة ونخاعها وكذلك بالنسبة لغير القصة من أساليب التعبير والتواصل اللغويين، وبجماليتها وفصاحتها وبلاغتها وأدواتها التصويرية وريشتها المبدعة وحسنها يبرز ويثبت حسن وجمال القص، فما بالنا إذا كانت لغة القصص القرآني هي نفسها اللغة القرآنية التي نزل بها الوحي من عند الله تعالى: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ﴾ (الشعراء:195)..
إن القصة في القرآن الكريم كائن لغوي حيوي وجمالي.. وهذه مكون ميزة قد لا يلقي له بعضنا بالا وقد يشتغل بمكونات أخرى كمكون مضمون أو موضوع القصة أو تاريخيتها.. ومع ذلك فمكون اللغة يفرض نفسه على المتلقي وبإلحاح.. أولا لأنه كائن عربي فصيح يتميز بكل المقومات اللغوية التي تأهله لأن يحتل مرتبة عالية من الناحية الأسلوبية والبلاغية والتعبيرية والتواصلية ثم هو يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ وهذا لسان عربي مبين ﴾ (النحل: 103) فهو موصوف بالبيان وبالفصاحة وبالوضوح في الأداء التواصلي حتى يتمكن من أن يكون ذلك القول البليغ النافذ إلى النفس والفكر والعقل مصداقا لقوله تعالى: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ (النساء: 63) .. وثانيا إن هذا المكون هو الذي يأتي وراء جمال ما اصطلح على تسميته بالتكرار في كثير من قصص القرآن يقول الباقلاني:(() قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحد ة تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كبيرا. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة.. ()) (15)..
ثم بعد اللغة في شكل الأداة الجميلة الحاملة للموضوع الجميل فإن هذه الأحسنية أو الأفضلية أو الجمالية بنيت في شكل آخر وارتكزت على ما يمكن ؟أن نسميه مبدأ الاختيار والانتقاء بناء على الإرادة الإلهية التي من خلالها تتحقق المنفعة البشرية، ففي التاريخ الإنساني قصص لا تعد ولا تحصى، وقصص الأنبياء مع أقوامها والرسل مع المؤمنين بهم والكافرين، والأمم السابقة نفسها كثيرة جدا ولم يقص منها القرآن الكريم - على الرغم من اعتمادها بشكل واسع في دعوته - إلا القليل بناء على مبدإ الجودة والحسن فيما يفيد المتلقي، بمعنى آخر إن القصص التي ورد ذكرها في القرآن الكريم منتقاة من مجموع قصص كثيرة منتشرة على المساحة الزمانية والمكانية للتاريخ البشري.. ولا بد أنها كلها خضعت لمجموعة من الشروط الربانية التي يجب أن تتوافر فيها كي ينزلها الله وحيا تقص وتلقى على المتلقي الذي يجب أن يستفيد منها لما تحمله في ذاتها من أمور جليلة – كانت هي الشروط نفسها - سوف نطرح بعضها لاحقا في " وظائف القصة ".. وبهذا أيضا يمكن أن نفهم سبب التكرار في قصص القرآن.. يقول الله تعالى ساردا علينا مجموعة أسماء من كوكبة الأنبياء والرسل عليهم السلام لتتضح لنا الرؤية فيما يتعلق بقضية الانتقاء والاختيار وفي فهم الآية التالية: ﴿ ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾ يقول تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ﴾ (النساء:163).. ويقول تعالى في المعنى نفسه: ﴿ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك.. ﴾ (غافر: 77)..
يمكن أيضا أن نفهم من عملية الانتقاء الإلهي والاختيار الرباني أنها لم تتم بين شخصيات الرسل الكرام والأنبياء الأفاضل فحسب، بل تمت أيضا حتى على مستوى الشخصية الواحدة، بحيث نجد القرآن العظيم يقص علينا من حياة رسول أو نبي واحد مثلا حلقة واحدة أو حلقات مختلفة – قد تكون قليلة وقد تكون كثيرة وقد تأتي قصيرة كما يمكن أن تأتي طويلة - من ولادته إلى موته، كما اختار من أخرى أحداثا معينة ومظاهر محددة يحقق بها أهداف الرسالة القرآنية فقط، لذلك جاءت لقطة من هذا وشذرات من ذاك، وتوسع القص هنا وتركز هناك وتفرق هنالك وتكرر في أماكن أخرى من خريطة النص القرآني وهندسته.. فالمهم هو أن يتحقق مبدأ " أحسن القصص " من جميع جوانبه وأن تكتمل الجمالية فيه وأن يرقى بالمتلقي إلى ما يصبو إليه من إيمان بالحق واتباعه..
*القصة القرآنية هادفة:
*****وإنه لمن طبيعة القصة القرآنية أيضا أنها هادفة، وأهدافها أو مراميها وغاياتها عديدة ومتنوعة ومختلفة ومتشعبة.. وتأتي في مجمل بل في مقدمة أهداف الرسالة القرآنية، منها ما أبرزه الخطاب القرآني قبل أو بعد القص بشكل صريح، ومنها ما ورد عبارة عن إشارات فقط في ثنايا القصص، ومنها ما يستشف من سياقها، وكلها وردت من أجل المتلقي في إطار الأهداف الكلية أو الجزئية للقرآن الكريم جملة وتفصيلا، وسنحاول تجليتها من خلال الوقوف على وظائف القصة القرآنية..




رد مع اقتباس
#6  
قديم 02-01-2007, 03:43 PM
عبدالرزاق المساوي
قلمٌ روائي
عبدالرزاق المساوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1207
 تاريخ التسجيل : Apr 2006
 المشاركات : 27 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي وظيفة القصة القرآنية.. ج6



ج* وظيفتها:
القصة في القرآن مرسلة قرائية إبلاغية تصويرية تزخر بمشاهد وأحداث ووقائع تقوم بها شخصيات مختارة بعناية إلاهية من الواقع التاريخي الحقيقي أو من الواقع المعيش لتعبر عن وجهة نظرها في الكون والحياة والوجود وجميع المخلوقات أو لنقل لتنبئ عن رؤيتها للأشياء المحيطة بها الظاهر منها والباطن..
ولتحديد علاقاتها فيما بينها وبين العالم الخارجي وذلك بأسلوب لغوي معجز يتميز بفنية عالية تصور حقائق الأشياء بأمانة وتنقل المشاهد بحنكة وحبكة وتفرغها في ألفاظ لغوية محكمة وفصيحة وتصوغها في تراكيب بليغة ومتينة تشع بكل حيوية وحركية وتترفع عن كل كذب أو تخييل أو تخيل في المبنى والمعنى ..
وما كان أن يختار الحق سبحانه وتعالى القصص الحق المبين من مجموع أحداث الحياة بكونها ووجودها وبشرها وجنها وملائكتها وحيواناتها وأشيائها.. منذ بداية الخليقة إلى أن يرث سبحانه الكون ومن فيه ليوحيها لرسوله الأمي الأمين وعباده المؤمنين الصالحين بلسان عربي مميز مبين وأسلوب متماسك بليغ متين.. ويبثه قصة قصة بحكمة متناهية في ثنايا أرجاء النص القرآني الكريم، ولم يجمعها كلها في مكان واحد بعينه، كما لم يجعلها مرتبة قصة قصة بجميع مشاهدها المختارة، دون أن يجعل لذلك مقاصد وأهدافا، ودون أن يبين لها مرامي وغايات، ودون أن يحدد لها وظائف معينة أو مهام مقصودة، فهو لا يعرض القصة لمجرد الاستمتاع بها وبأحداثها وشخصياتها وموضوعاتها، ولكن ليواجه بها حالة معينة ويعالج من خلالها واقعا معيشا ويحاور أنواعا بشريا محددة.. ويحقق بها غرضا أو أغراضا مقصودة، فقد امتاز قصص القرآن الكريم بسمو غاياته وشريف مقاصده وعلو مراميه.. لذا وجبت الإشارة إلى أهم الوظائف التي يمكن للقصة القرآنية - أو من المفترض - أن تؤديها في حياة متلقيها، ولنجملها فيما يأتي :
* القصة ترسيخ لعقيدة التوحيد:
إن أول أهداف الإسلام وأعلى مقاصده وأسمى غاياته وأولى أولوياته منذ أن خلق الله الخلق.. والذي من أجله بعث الله الأنبياء والرسل والأولياء المصلحين والدعاة المجددين هو تخليص توحيد الله تعالى مما ألحقه به الناس من ضلالات، وإقرار الوحدانية والصمدية بينهم ودفع الجهالات، وإفراده سبحانه بالعبودية وتوحيد الأسماء والصفات.. فهذه الحقيقة العقيدية والتركيبة الإيمانية التي تنبني على المعرفة العقلية والتربية القلبية والأعمال السلوكية هي أصل كل ما جاء به الوحي من أمر ونهي وترغيب وترهيب، وأصل كل ما بعث به الأنبياء وأرسل به الرسل على مر التاريخ من آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله ﴾ (فصلت:13).. بل إنها الأصل الذي من أجله خلق الله الخلق جميعا ومنهم الإنس والجن الذين خصهم المولى تعالى بقوله: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون*﴾ (الذاريات: 56)..
فكل أعضاء تلك الكوكبة من الأنبياء والرسل الذين تعاقبوا على مر العصور وبدون استثناء بعثوا بهذه العقيدة المرتكزة على توحيد الله تعالى وعبادته سبحانه، كل رسول يأتي ليقول الكلمة نفسها ويتركها في عقبه.. كل الرسل دعوا إليها وأوذوا فيها وجاهدوا من أجل نشرها وإقرارها رغم أنف المعاندين، وصبروا عليها مع من اتبعهم على قلتهم حتى أتاهم اليقين، فما من رسول رسول إلا ورغب قومه في الكلمة السواء سرا أو جهرا، إنها الكلمة الواحدة التي لم تتغير ولم تتبدل ولم تختلف على الرغم من تداول الأيام وتبدل الأزمان وتعاقب الليل والنهار وتباين المناطق والأماكن وتغير الرسل والأنبياء واختلاف الأسماء والأقوام والأمم وعلى الرغم من تعدد اللغات واللهجات.. فقد بقيت الكلمة ثابتة مدوية: ﴿ لا إله إلا الله فاعبدون ﴾ وكانت جوهر كل شيء ومبتدأه ومنتهاه، هي الأصل وكل ما يأتي بعدها فرع عنها وامتداد لإشعاعها وتكريس لحقيقتها وتوضيح لشعبها وفك لرموزها ونسج لخيوطها..
لقد قص الله عز وجل في آيات كثيرة قصص تلك السلسلة الياقوتية والكوكبة الجواهرية من الأنبياء والرسل، كلهم اتفقوا بوحي من الله على القول لأقوامهم: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ ففي سورة "الأعراف" مثلا – وكذلك نلحظ في سورتي هود والشعراء- نجد سردا لمجموعة من الرسل بأسمائها وصفاتها - وكأنها جمعت كلها في رسول واحد - تتكلم بلسان واحد موحد - وإن اختلفت لغاتها وأوضاعها وظروفها – لتقول الكلمة أو الجملة ذاتها وتطرح القضية نفسها وتأمر بالشيء عينه.. يقول تعالى في "الأعراف" : ﴿ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ (58) p وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾(64) ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم... ﴾ (72) ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم... ﴾ (84)
وهكذا نلمس أولى وأهم وظائف القصة القرآنية.. فعلى الرغم من اختلاف وتباعد الأزمنة والأمكنة والعادات والتقاليد والعقليات والحضارات والثقافات واللغات والأجناس والبنى النفسية والاجتماعية والعلائقية وتباين الأساليب التواصلية بقيت الكلمة نفسها تتردد والأمر ذاته يتكرر والقضية عينها تطرح وإن ظهرت بمظاهر مختلفة وبلغات أو لهجات متعددة إلا أنها ليست متباينة من حيث المحتوى والمضمون والأهداف والتصور: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ و﴿ فاتقوا الله وأطيعون﴾... على لسان كل رسول حتى إنك لتلحظ أن تلك الكوكبة من الرسل تحسب رسولا واحدا لأقوام متعددة ويتجلى هذا الأمر في مثل قوله تعالى بعد الحديث عن ثمود وعاد الذين كذبوا بالقارعة: ﴿ وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ﴾ فكل أولئك من ثمود وعاد إلى فرعون وعود إلى من كان قبله ثم المؤتفكات.. كلهم أقوام متفرقون في أزمنة متفرقة عصوا رسول ربهم على الإفراد، وليس عصوا رسل ربهم على الجمع على اعتبار أن لكل قوم رسولهم المبعوث إليهم.. وجاء في قصة موسى عليه السلام وهارون عليه السلام مع فرعون الخطاب القرآني التالي: ﴿..فاتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن ارسل معنا بني إسرائيل ﴾ (الشعراء: 16).. فالخطاب – كما يبدو واضحا - موجه إلى موسى وهارون عليهما السلام بصيغة المثنى - قبل هذه الآيات وبعدها - في شكل أفعال أمرهما الله تعالى أن يقوما بها فناداهما: ﴿فاذهبا، فاتيا، فقولا ﴾ ثم الضمير "نا" الدالة على المثنى المتصل بحرف المعية في قوله تعالى: ﴿ ارسل معنا﴾ كل هذا يدل على أن الأمر يتعلق باثنين، بشخصين، برسولين، ولكن عندما أبان الخطاب الرباني عن هويتهما المهنية ووظيفتهما الأساس التي أتيا من أجلها إلى فرعون حينها قال سبحانه: "رسول" بصيغة المفرد، ولم يقل:"رسولا رب العالمين" بالتثنية مع أنهما بلا شك اثنان.. وأكثر من هذا فلقد اعتبر الخطاب القرآني أن كل الرسل بمثابة رسول واحد لكون المهمة واحدة والوظيفة واحدة والرسالة واحدة ودعوتهم واحدة وكلمتهم واحدة وقضيتهم مشتركة وموحدة.. كما اعتبر الخطاب القرآني أيضا أن كل قوم كذبوا رسولا واحدا بعث إليهم فكأنما كذبوا الرسل جميعا– من كان قبلهم ومن سيأتي بعدهم – للأسباب نفسها التي ذكرت من قبل.. يقول تعالى من سورة "الشعراء": ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون ﴾ (108).. ﴿ كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون ﴾ (126).. ﴿ كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون ﴾ (144).. ﴿ كذبت قوم لوط المرسلين* إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون﴾ (163).. ﴿ كذبت أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم أخوهم شعيب ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون ﴾ (179)
فقوم نوح في الحقيقة كذبوا رسولهم الذي أرسل إليهم فقط وهو نوح عليه السلام ولكن جاء التعبير القرآني بـ: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾.. وعاد كذبت رسولها الذي لم يبعث لهم غيره وهو هود عليه السلام ، وكذلك بالنسبة لثمود مع رسولها صالح عليه السلام ، وقوم لوط مع رسولها لوط عليه السلام ، وأصحاب الأيكة مع رسولها شعيب عليه السلام.. فكل قوم على حده إلا وقال عنهم النص القرآني: " كذبت.......المرسلين " ولم يبعث فيهم سوى رسول واحد، وذلك لتبيان وتأكيد الوحدة التي تجمع الأنبياء والرسل تلك الوحدة التي تتجلى انطلاقا من وحدة المصدر ووحدة المنطلق ووحدة المشكاة، إلى وحدة العقيدة ووحدة الطريق ووحدة النهج، ومن وحدة الأهداف والغايات ووحدة المنهج، إلى وحدة المصير ووحدة المآل مرورا بوحدة الإيمان بهم جميعهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ (البقرة:284). p *والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ﴾ (النساء:151).. ﴿ لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ (البقرة:135).. إلى درجة أن هذه الكوكبة المباركة من الرسل على الرغم من انتماءاتهم المختلفة على جميع المستويات والأصعدة ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر:24).. إلا أنهم جميعهم يعتبرون أمة واحدة في منطق الخطاب القرآني ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم* وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ﴾ (المؤمنون:52).. وكما ورد في سورة الأنبياء - وهو اسم على مسمى – بعد ذكر مجموعة من الكوكبة المباركة: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ﴾ (الأنبياء:91)..
إذن ليس بين ما جاءت به الرسل والأنبياء أي تنافر أو اختلاف في الأصول والمرتكزات والأهداف والغايات، فكلهم يستقون من مشكاة واحدة ويأخذون عن منبع واحد ويسلكون طريقا واحدة، وكلهم يتمم بعضهم بعضا كالدار التي بنيت لبنة لبنة كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (16)، ولا خلاف بينهم في الدين والعقيدة والسلوك يقول تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب* وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب﴾ (الشورى: 12).. فالمرسل واحد والرسالة واحدة والمرسل إليه ليس واحدا ولكنه موحد..
* القصة إثبات للوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لتحقيق توحيد الله جل جلاله على أرض الواقع والتبشير بمقوماته، وتذكير الناس بحقيقته وخصائصه ومشتملاته وما يترتب عن ذلك من عبادات وسلوكيات، خصوصا وأن الإنسان كلما طال عليه الأمد ومر عليه الزمان بين رسول ورسول إلا ويقسو قلبه ويتغلف عقله ويتبدل سلوكه ويمرق من دينه ويكون من الفاسقين p ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ﴾ (الحديد: 15).. كما يمكن أن ينسى الإنسان الميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى منه منذ الأزل وهو لا زال مكنونا في علم الغيب يتقلب بين أظهر بني آدم منذ أن خلق الله آدم عليه السلام ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ (الأعراف:172) لذلك كان لابد من قنوات للتبليغ ووسائل للتواصل بين العباد ورب العباد عز وجل على امتداد فترات التاريخ البشري، فكانت تلك الكوكبة من الرسل والأنبياء وكان الوحي إليهم من الله سبحانه وبعثهم إلى أقوامهم – كل بلسان قومه - ليبينوا لهم ويوضحوا ما بعثوا به، ولا يتركوا في أمر الدين لبسا فيضل من ضل عن بينة ويهتدي من اهتدى عن بينة ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي إليه من يشاء وهو العزيز الحكيم ﴾ (إبراهيم: 5).. فالتبيين يختلف باختلاف وتباين الألسنة واللغات والعادات والتقاليد لكن الدين واحد منذ القدم وإن تعددت الأسماء فكلها تندرج في حقل دلالي واحد يرفع عنوانا موحدا هو الإسلام ﴿ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب﴾ (آل عمران : 19).. ابتداء من آدم عليه السلام - كما ورد في آيات الأعراف - إلى آخر ذريته.. ولا مجال لقول القائلين بأن الإنسان كان بدائيا في عقيدته بحيث نشأ وثنيا يعبد ما يراه ويلمسه ويحسه أو يجسده ثم انتقل إلى مرحلة التفكير المجرد وبدأ يفكر في الدين بمفهوم متطور عما كان عليه، وهذا تقدير لا أساس له من الصحة ولا من العلم..
وبُعِثَ خاتمُ تلك الكوكبة المباركة محمد بن عبد الله عليه أفضل صلوات الله (16) رسولا ومبلغا عن الله سبحانه وتعالى بعد فترة من الرسل ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير ﴾ (المائدة: 21).. فلقي من قومه مثل ما لقيه إخوانه من قبله من تكذيب بما جاء به ونفي لتلقيه الوحي عن ربه ونعتوه بنعوت كثيرة كأضغاث أحلام وشاعر وساحر وكاهن وكذاب، وانتظروا موته لينتهي أمره..p بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ (الأنبياء: 5) ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون * بل جاء بالحق وصدق المرسلين ﴾ (الصافات: 37).. ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾ (الطور:28).. فكان لابد من التصدي لمثل هذه الادعاءات وتفنيد هذه الشبهات بالعقل الرزين والعلم المبين والقول الحكيم.. وكان لابد من تحدي أصحابها بالمنطق المقبول واستعمال كل وسيلة مقنعة لإثبات حقيقة الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أنه أمي ولم يتلق أي علم أو معرفة أو قص للتاريخ القديم عمن سبق من أصحاب الديانات الأخرى أو أولي العلم بها حينئذ، فكان من أنجع الوسائل لتحقيق هذا الهدف أن يوحى إليه بأحداث حقيقية أثبتها التاريخ وأكدتها الرواية، متفق على صحتها ولا غبار على واقعيتها، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم على علم بها ولم يحضرها ولم يشهدها ولم ترو له من والديه فهو يتيم أو من قريب فقد كان أغلبهم من الأميين كباقي أبناء جلدته.. كما أنه لم يتلق علما بها من لدن من كان له علم بها من قبله أحبارا ورهبانا.. ﴿ *وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين * وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون*﴾ (القصص: 46) ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا الكتاب وإن كنت من قبله لمن الغافلينi(يوسف: 2)p ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ﴾ (يوسف: 102).. ﴿ * تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلم أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ﴾ (هود: 49)..
هذه الآيات نزلت في ظروف متفرقة ومختلفة في المرحلة المكية التي تميزت كلها بصور الشدة والغلظة والتسلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث كانت العرب تنكر عليه صلى الله عليه وسلم وبشدة الحق في أن يتلقى الوحي عن ربه جل وعلا مع أنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنه الصادق الأمين لما عرفوه عنه منذ نشأته، ولما لمسوه منه في ريعان شبابه، وتأكدوا منه عند بلوغ أشده واكتمال رجولته ، وقد كانوا ينعتونه بتلك الصفتين قبل بعثته هذا أولا.. وأما ثانيا فقد تأكدوا من صدق ما يقول من خلال ما كانوا يسمعونه من تلاوة للقرآن في بداياته سرا وخفية، وبعد الصدع به جهرا، كانوا يعلمون حق العلم أن ما يتلوه عليهم محمد بن عبد الله ليس من عنديته ولا من اختراعه (17) ﴿ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون * ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ﴾ (المؤمنون: 73).. فلماذا لم يقبلوا أن يكون صادقا وأمينا في قوله بنزول الوحي عليه ولماذا يطلبون منه أن يبدله؟: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا اِيت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ (يونس: 15).. لماذا اعتبروه في هذا الأمر كاذبا؟.. لماذا لم يستسيغوا القول بأن الذي يتلى عليهم من وحي الله تعالى؟.. ولماذا استكثروا عليه أنه أوحي إليه كما أوحي للرسل والنبيين من قبله؟.. لماذا أعطوه أسماء غير تلك التي اختارها الله لوحيه وكتابه؟: ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما * لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ﴾ (النساء:165)؟
لماذا؟ ولماذا؟... إنها الجاهلية في كل زمان وفي كل مكان، في كل عصر وفي كل مصر، ومع كل نبي ورسول أو مصلح وداعية إلى الله سبحانه.. إنها الجاهلية تتكرر قصة أبطالها وتتجدد مواقف شخصياتها وتعاد أحداثها الرافضة لكل تغيير جديد.. إنها الجاهلية عندما تأبى أن تتواصل السماء والأرض وعندما يرفض القائمون عليها أن يتم اللقاء بينهما ويأبى أصحابها إلا أن تبقى العلاقة أرضية (أي أرض أرض) لا ترقى إلى السماء ولا ترتبط بها بصلة إلا من طرق ملتوية أو منقطعة، فتريد أن تقطع وسائل الاتصال التي هي الرسول والرسالة، وذلك بنكران إمكانية وجودهما أو عدم الاعتراف بمضامينهما.. وعندما تعذر التغلب على هذا الوضع – التواصل بين السماء والأرض – بالتكذيب والنكران والبهتان وسلاطة اللسان، تبدأ أساليب أخرى لا تعتمد على النكران بالقول فحسب، أو قرع الحجة بالحجة، بل تتعداه إلى أساليب القمع وتسليط جميع أنواع الأذى لكي تتلكأ حركية الرسالة ويتوقف الرسول عن تبليغها لأي متلق.. ولكن هيهات هيهات..




رد مع اقتباس
#7  
قديم 02-01-2007, 03:45 PM
عبدالرزاق المساوي
قلمٌ روائي
عبدالرزاق المساوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1207
 تاريخ التسجيل : Apr 2006
 المشاركات : 27 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي وظيفة القصة القرآنية.. ج7



* القصة تثبيت لفؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم:
سلكت العرب مسالك العنف واستعمال القوة والاضطهاد والإقصاء والتجويع والطرد والتشريد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن به واتبع هداه، كما روجت لاتهامات وادعاءات كثيرة كالجنون والكهانة والشاعرية والسحر وغير ذلك من أنواع الأذى المادي والمعنوي والاستهزاء والسخرية، وحاول بعضهم تشويه صورته عند القبائل والعشائر، لأنهم كانوا لا يريدون أن يعمل أحد على الدعوة إلى التغيير - أي نوع من أنواع التغيير- تحت أي شعار كان، وخصوصا منه ما ينتمي لما هو ديني، فما بالنا إذا كان التغيير شموليا بمعنى التغيير لذلك الواقع المعيش - الديني والنفسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي.. - الذي ألفته العرب منذ زمان.. فأخذ الكبراء والساسة يضايقونه صلى الله عليه وسلم ويكذبونه ويطاردونه في كل مكان، ويتحرش به صلى الله عليه وسلم سفهاؤهم وصبيتهم ونساؤهم وكل من لا وزن له ولا عقل، ويعذبون أتباعه والذين آمنوا به وينكلون بهم ويسلطون عليهم من ينال منهم.. وهذا أمر طبعي في تاريخ الرسالات السماوية بل وحتى بالنسبة لبعض الإصلاحات الوضعية.. ولقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذه هي طبيعة الطريق منذ البداية، وذلك من يوم أتت به السيدة خديجة رضوان الله عليها ورقة بن نوفل وهو الذي تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب – كما جاء في حديث بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ... فبعد أن أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ورقة بن نوفل بخبر ما رأى في غار حراء وقص عليه القصص قال له ورقة: "... يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. قال: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا." (18)
في مثل هذا الوضع وفي مثل تلك الظروف الصعبة والحال المزرية كان لابد أن يجد الرسول صلى الله عليه وسلم مواساة وتسرية من ربه جل جلاله عما يلقاه من قومه، وتثبيتا لقلبه ولأصحابه، فكما قيض الله له زوجه خديجة رضي الله عنها وعمه عبد المطلب لدفع الأذى عنه ومواساته في محنته على المستوى الشخصي والاجتماعي والواقعي، فقد جاءت القصة في القرآن الكريم أيضا أفضل وسيلة وأنجع طريقة للقيام بهذه المهمة على المستويات النفسية والقلبية والفكرية: ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ﴾ (هود: 119).. لما تصوره القصة القرآنية من أحداث ووقائع وقضايا ومشكلات عاشها إخوان له سبقوه من قبل كانت مشابهة للحال التي عليها هو صلى الله عليه وسلم وقومه: ﴿ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم﴾ (فصلت: 42).. فكأنها قصص تواسيه وتوضح له أنه صلى الله عليه وسلم ليس الوحيد فيما تعرض له من فتن ومضايقات بل هو حلقة مضيئة ضمن سلسلة من الرجالات الذين عانوا مع أقوامهم وكابدوا وصبروا وظلوا مصابيح الهدى ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ﴾ (يوسف:109).. فلا تبتئس يا محمدا ولا تحزن وكن لمن معك عضدا وعلى ما جاءك من البينات عاضا ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير ﴾ (آل عمران:184)..
لقد كان الوحي ينزل بين الحين والآخر بمشاهد وكأنها حية من قصص الأنبياء وأهاليهم، ولقطات من حياة الرسل مع أقوامهم، وبشذرات من مواقف بعض الحكماء أو الصالحين لتحقيق هذا الغرض الذي هو التسرية عنه صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده وتهدئة قلبه وطمأنة فكره والترويح عن نفسه.. فقد كذبت رسل من قبله وأوذوا في سبيل الله بشتى أنواع الأذى ما ظهر منه وما بطن، فصبروا حتى أتاهم اليقين وجاءهم نصر الله المبين، وكانت العاقبة للمتقين، والهلاك للمكذبين والدمار على الظالمين، هذا أمر الله تعالى وكلماته، ولا مبدل لما يقضيه سبحانه ﴿ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين﴾ (الأنعام:35).. ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون *﴾ (الذاريات: 53).. ولذلك جاء الخطاب الرباني في آية أخرى بأمر جليل ووصية عظيمة تليق بمقام متلقيها: ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.. ﴾ (الأحقاف:35)..
هكذا يأتي الخطاب القرآني في شكله القصصي نوعا من التسرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم والتثبيت لفؤاده والترويح عن نفسه، وللذين آمنوا معه واتبعوا النور الذي أنزل إليه ولكل من يأتي بعدهم من المسلمين ﴿ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين أمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾ (النحل:102).. كما يوحي الخطاب القرآني أيضا - لإخراج مفهوم التسرية من الإطار السلبي – بتحريض تلك الفئة المؤمنة التي اتبعت الرسول وأمنت به، على مواجهة عدوهم.. كما يوحي بحثهم على الجهاد ودفعهم إلى عدم الاستسلام، ويرغبهم في التصدي لكل من سولت له نفسه أن يقف في طريق الحق، اقتداء بمن سبق من المؤمنين الذين أوذوا وقاتلوا وقتلوا مع رسلهم حتى أتاهم اليقين: ﴿ وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ﴾ (آل عمران:148).. وهذه الآيات قمة الترغيب في الجهاد.. وإن كانت في الظاهر تحكي عن ثلة ممن سبق..
كما يعقد الخطاب القرآني في بعض آياته الكريمة مقارنة بين واقع وحال المصطفى صلى الله عليه وسلم مع قومه، وما عاشته الرسل في بعض نماذجها مع أقوامها مشيرا إلى حال ومآل ومصير كل من يكفر بالله أو يكذب الرسل: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب*أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب*وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد*ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق * أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب * أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب*أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب*جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب * كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة أولئك الأحزاب*إن كل كذب الرسل فحق عقاب * وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق﴾ (ص: 3- 13)..
إن هذه الإشارات التي يومئ بها الخطاب القرآني إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للتسرية والتخفيف عنه ومواساته صلى الله عليه وسلم ، بل – وكما يفهم منها - تعزيته بشكل أو بآخر في قومه الذين كفروا بما أنزل من الوحي واتبعوا ما كان عليه آباءهم إذا أصابهم ما أصاب الأقوام التي كانت قبلهم ومثلهم.. هذه الإشارات كان الرسول صلى الله عليه وسلم غير واع بها أو غير مهتم بها أو غير منتبه لها من قبل أو لم يكن له علم بها أو لنقل كما قال القرآن عنه بصريح العبارة إنه كان عنها من الغافلين حتى جاءه الوحي من رب العالمين باختيارات عظيمة لأجود القصص من أجل تحقيق أحسن الأهداف وأفضل الغايات ومن تلك الأهداف رفع هذه الغفلة نفسها: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾ (يوسف:3)..

* القصة تبشير بنصر الله:
إن الطريقة التي انتهجها القرآن الكريم للتسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده، ومواساة الذين آمنوا معه واتبعوا الهدى الذي أنزل إليه ليست مؤدية إلى المفهوم السلبي الذي يعني اليأس والقنوط أو التواكل والتهاون أو الرضا بما هو عليه الحال وإقرار ما كان.. بل هي أسلوب إيجابي إيحائي يعتبر دافعا بالمفهوم القرآني المستفاد من قوله تعالى: ﴿ ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز *i (الحج:38).. ﴿ ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين * تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ﴾ (البقرة:250)..
فهي إذن طريقة دافعة إلى تحقيق وتفعيل ما جاء من طبيعة ووظيفة الخطاب القصصي في القرآن الكريم.. فتثبيت الفؤاد للرفع من معنوياته وطمأنته وتقويته على الحق، والتسرية والمواساة للصبر عليه والدفاع عنه والذود عن حماه حتى النصر.. وهذا بالضبط ما كان محققا في حياة الأنبياء والرسل من قبل.. فما من رسول إلا وعانى مع قومه من أنواع التكذيب وأصناف الاستهزاء وألوان التعذيب وأشكال السوء ما تخر له الجبال هدا.. ولكن العاقبة للمتقين وهذه هي سنة الله في خلقه منذ الأزل، ولا بأس من تذكير الرسول صلى الله عليه وسلم بين الحين والآخر بذلك لأن الذكرى تنفع المؤمنين وتثبت أفئدتهم.. لهذا نزل القرآن الكريم منجما لأن الفتن تتهاوى هي الأخرى منجمة، وتفرقت قصصه حسب الزمان الذي استغرقته الرسالة المحمدية والمكان الذي تواجدت فيه، وخاصة في الفترة المكية الفترة العصيبة، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم في حاجة شديدة وماسة إلى تثبيت للفؤاد دائم ومستمر ومتجدد لأن الإنسان قد يضعف أو يمسك به الوهن ويتصدى له اليأس مما قد يدفعه إلى التفكير في الركون إلى من يدفعه أو يدافعه﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ﴾ (الإسراء:74)..
وهذه الطريقة في الوحي الحاملة لمثل هذا الدرس في التثبيت لم تستوعبه العرب، ولم تفهم أن نزول القرآن خاضع لخطة ربانية معينة تسترعي التقلب الزمني وما يجد من أمور وقضايا في حياة المتلقين (2) و(3)، لهذا لما رغب كبراء العرب في نزول كتاب الله تعالى جملة واحدة رد عليهم الله سبحانه وتعالى تمنيهم، وبيّن الغاية من هذه الطريقة الربانية ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ﴾ (الفرقان: 32). فالتثبيت بهذا الشكل يحفز على الصبر ويذكر به في كل حين ويزكيه الوعد بالنصر للمؤمنين والوعيد بالخزي والوبال والأخذ بالويل والدمار للكافرين والمستهزئين ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ (الأنبياء:41) ﴿لقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب i (الرعد:33) ﴿ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ﴾ (الحج:42)..
فالقصة القرآنية تنذر بمصير المعاندين والكافرين وتصور مآلهم وعاقبتهم وما يحصل لهم في الحياة الدنيا وما ينتظرهم في الحياة الأخرى، وفي الوقت نفسه تبشر المتقين والمؤمنين بالمصير الزاهر والنصر المبين والاستخلاف الحق في الأرض والتمكين.. وبهذا تكون القصة عاملا أساسا من عوامل الدفع إلى إقرار الحق وإرساء دعائم النصر والتشبث بالصبر، ذلك الصبر المتقدم نحو تحقيق الهدف، فهي تساهم في إعطاء الصبر معنى الفعل والحركة والقومة والقوة والإباء إنه الصبر المرتبط أشد الارتباط بالنصر لا يتحقق أحدهما إلا بالآخر.. وليس الصبر بمعنى الركون والجمود والتراخي والرضا بما هو ساري وانتظار الفرج من الباري.. ﴿ فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون * ولقد أرسلنا رسلا من قبل منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بينهم بالحق وخسر هنالك المبطلون ﴾ (غافر: 77).. ونحن نعلم أن كل الرسل كانوا فاعلين في مجتمعاتهم وفي دعوتهم إلى الله عز وجل ولم يكونوا متهاونين ولا متخاذلين ولا قانطين من أقوامهم فهذه هي سنة الله ومن شذ عنها فإن الله هو مولاه ونعم المولى ونعم النصير.. ولذلك ما فتئ الحق سبحانه وتعالى يوصي نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ﴾ (القلم: 48).. ومن ثمة ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.. ﴾ (الأحقاف: 34).. وهذا الصبر الفاعل الحي الحركي هو المؤدي إلى النصر لا محالة ولو طال الأمد وأدى الأمر إلى نوع من الاستيآس ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين * لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ (يوسف: 111).. فهذا الاستيآس ليس حالة نفسية محبطة، وليس حالة مرضية داعية إلى التخلف، وليس مثبطا بقدر ما هو محفز ولو على السؤال فقط لأن السؤال في حد ذاته انطلاقا من بنية التفكير الإسلامي "* هو شفاء العي" كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (19).. يدل على اليقظة والاهتمام ومناقشة الواقع من أجل تغييره، والمضي في الطريق إلى النهاية التي تتمخض عن رحمة الله ونصره وتأييده وتمكينه: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتيهم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين أمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ﴾ (البقر: 212).. إن نصر الله قريب حتى ولو وقع ما وقع من المآسي والمكابدات، فهذا لا يعني أبدا التخلي عن أصحاب الحق بقدر ما يعني التمرس والاحتكاك بالواقع والتربية على الصبر والعمل لجني الثمرات التي هي النصر الإلهي المبين.. وإن في قصص الذين خلوا من القرى التي طغى أهلها وتجبروا وعتوا عتوا كبيرا.. إن في قصصهم ما يثبت الفؤاد ويبعث على التفاؤل ويطمئن إلى أن نصر الله آت وأن أولائك لا ناصر لهم ﴿ وكأي من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم.. ﴾ (محمد: 13).. إنه نصر الله القريب الذي رافق الذين خلوا من قبل وجاء ذكر قصصهم في القرآن الكريم، وهو النصر نفسه الذي يرافق الذين أتوا من بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويوم يقوم الأشهاد ﴿إنا لننصر رسلنا والذين أمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾ (غافر: 51)..
هذا وعد الله ولا يخلف الله الميعاد وإن بدا أحيانا في تقديرنا أنه تأخر أو أن البلاء اشتد وتمكن وتمتن وأحاط بكل شيء في الحياة حتى بالأخبار والمعالم ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ﴾ (محمد: 31).. هذه سنة الله في خلقه لا تقتصر على أحد دون آخر.. ولا تبديل لسنة الله ولا تحويل لقضائه ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ (العنكبوت: 2)..
إن الواقع هو أكبر شاهد، وإن التاريخ لهو أكبر مؤيد لما ورد قوله هنا، ولا داعي لذكر الأمثلة التي صاغها الخطاب القصصي في الكتاب المبين، فتكفينا نظرة سريعة في ثنايا قصة واحدة فيه وهي قصة أعتى عتاة الأرض في تاريخ البشرية: من جهة امتلاك القوة ممثلة في شخص فرعون، ومن الناحية السياسية ممثلة في شخص هامان، ومن الناحية الاقتصادية ممثلة في شخص قارون.. هذه القصة وحدها تعطينا تصويرا واضحا لما نريد قوله، وهي القصة الوحيدة في القرآن التي حازت نصيب الأسد في خريطة الخطاب القصصي، وتكررت بشكل مثير مبنى ومعنى وموضعا، شكلا ومضمونا وتموقعا، وهذا التكرار نفسه والترديد الذي خضعت له حلقات تلك القصة له دلالاته وإيحاءاته وليس عبثا.. فالشخصية الشريرة في القصة المشار إليها موجودة في كل عصر وفي كل مصر وما تقوم به من أفعال وأعمال تتحقق في كل زمان وفي كل مكان، فليس هناك فرعون واحد ولا هامان واحد ولا قارون واحد في التاريخ البشري فما هؤلاء إلا نماذج كانت لها أصول في الماضي الغابر ولها فروع في الحاضر وإمدادات في المستقبل، ولذلك وجب التركيز على هذه القصة أكثر من غيرها وترديد بعض حلقاتها والزيادة في توضيحها وتوزيعها بشكل مناسب بين دفتي القرآن الكريم لتكون نبراسا لكل من يقع في ما يشبه أحداثها.. فيأخذ العبرة والعظة ويتعلم الدرس من كان يسير على خطاهم، أو يأخذ التبشير والتثبيت والشحنة الإيمانية لمقاومة أمثال هؤلاء العتاة وهو متأكد من نصر الله والتمكين في الأرض ولو بعد حين كل من سلك طريقا مخالفة لهم ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ﴾ (القصص: 5)..
هذا هو وعد الله لكل المستضعفين في الأرض وليس مقتصرا على من كان في زمان فرعون أو في عصر موسى عليه السلام، بل هو شامل لكل الأزمنة والأمكنة قبلهما وبعدهما.. وهذه وظيفة من بين وظائف القصة في القرآن الكريم بشكل عام، فهي تلعب دورا كبيرا في التبشير بفرج الله ونصره..




رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
** الشعر القصصي ** شاطئ التأصيل الأدبي 11 02-10-2011 04:13 PM
مشروع( الشعر القصصي)...موضوع متجدد معن علبي ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) 32 07-22-2008 11:15 PM
الخطاب المفتوح فريد البيدق وحي القلم 9 07-20-2008 01:29 PM
زارنا الخطاب أشرف نافذ أبو سالم واحةُ القصة 2 02-07-2008 10:17 AM

أقسام المنتدى

ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) @ وحي القلم @ لمحات نقدية @ فضـاءُ الّلغـة @ ثمراتُ الأوراق @ واحةُ القصة @ أهيلُ الكوكب (مجتمع رواء) @ قافلة الأعلام @ رِحــــابُ الأدب @ قافلةُ الضّيـاء @ المحذوفات @ مدرسةُ العَروض @ شؤونٌ إداريـة @ أدبُ الفلذات @ لمحاتٌ تطويريّة @ ديوانيـّـة رُِواء @ حديثُ الرّيشة @ أ . محمد بن علي البدوي @ علم النَّحْو @ فنون البلاغة @ الإملاء @ العَروض @ القافيــة @ ملتقى صفحات مجلة أسرتنا @ الرّقْمي @ مرافئ الوصول @ علم الصرف @ أيام عشر ذي الحجة / روحانية الأدباء @ جسور أدبية ( لقاءات وحوارات) @ ملتقى المؤسسين @ المعاني @ البيان @ البديع @ أكاديمية رواء @ المعجم @ الأصوات @ الإنشاء @ الأدباء الصغـار @ دفاعاً عن مقام النبوة @ الإشراقات الشعرية @ الدعاية والإعلان @ الدوائر الحمراء @ منقولات التصاميم والصور والرسوم اليدوية @ رسائل الكاشف @ المجلس الرمضاني / روحانية الأدباء @ قسم المنقولات ... @ منتقى القصص @ المنتقى النقدي @ أزهار الرّوض @ الملتقى الفني @ المنتقى الشعري @ المنتقى النثري @ التأصيل الأدبي @ إعراب الكتاب @ قواعد الإعراب @ إيــــــلاف ! @ البلاغة في القرآن الكريم @ البلاغة في الحديث النّبوي @ منبر الخطباء @ علم أصول النحو @ مخيم رواء الصيفي @ سحر القوافي (الباقة الشعرية) @ من الدفتر الأزرق (الباقة النثرية) @ حكايا (باقة القصة والرواية) @ تحف أدبية (باقة الشوارد الأدبية) @ رنين الضاد (الباقة اللغوية والبلاغية) @ نادي الرواية العربية @ صَرْف الأسماء @ صَرْف الأفعال @ النقد اللغوي @ علامات الترقيم @ المرفوعات @ المنصوبات @ المجرورات والمجزومات @ مملكة الرواية .. @ بلاغة الوحيين @ رواء الروح (الباقة الإيمانية) @ ألوان الطيف (باقة منوعة) @ الإشراقات النثرية @ الإشراقات القصصية @ فريق التصميم @ مشاركات الأدباء الخاصة بالموقع .. @ د. حسين بن علي محمد @ الرّاحلـــــون @ إدارة موقع رواء وقسم الأخبار .. @ نوافذ أدبية @ - الوجوه والنظائر (معجم ألفاظ القرآن الكريم) @ علم الدّلالة @ المنتقى من عيون الأدب وفنونه @ الأقسام الموسمية @ الأديب إسلام إبراهيم @ عن الأدب الإسلامي @ الإدارة المالية @ تغريدات رواء @ معلم اللغة العربية @



Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi