دورة تدريبية في العروض
عدد الضغطات : 1,039
آخر 10 مشاركات
لمرصد مراقبة الأهلّة الإسلاميّ في فرنسة: حلّ أخر (الكاتـب : فيصل الملوحي - )           »          لك يا مصبّ النهر في قلبي حنينْ (الكاتـب : أشرف حشيش - )           »          صفحة إعراب القصائد (الكاتـب : أمة الله الواحد - )           »          دروس في علم العروض -18- الدرس الثامن عشر (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - )           »          ندى الحرف (الكاتـب : إكليل الغار - )           »          دروس في علم العروض -17- الدرس السابع عشر (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - )           »          ناديت يا مسرى الرسول !! (الكاتـب : إكليل الغار - )           »          دروس في علم العروض -20 - الدرس الأخير (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - آخر مشاركة : أمة الله الواحد - )           »          مفردات قرآنية (الكاتـب : أسماء الزين - )           »          إلى طولكرمٍ جنّح الشوق طائرا (الكاتـب : أشرف حشيش - آخر مشاركة : محمد عبد الله عبد الحليم - )

الإهداءات
أمة الله الواحد من أرض الكنانة 04-15-2014 08:22 PM
آه ٍ على سرّك الرهيب ، وموجك التائه الغريب يا نيل ُ يا ساحر الغيوب



من روائع البلاغة النبوية

أوتيتُ جوامعَ الكَلِم ..


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
#21  
قديم 11-23-2006, 10:49 AM
شجرةالطيب
لجنة الموقع العلمية
شجرةالطيب غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1611
 تاريخ التسجيل : Oct 2006
 المشاركات : 2,186 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



وفضلاً عن كل هذا البيان الجليّ، بلغ النبي شأوًا بعيدًا في البلاغة، وانتقاء الألفاظ، حتى اقتضب ألفاظًا كثيرة تسنّمت ذروة البيان، ولم تسمع من العرب قبله، ولم يتّفق لأحد مثلها في حسن بلاغتها وقوة دلالتها، وغرابة القريحة اللغوية في تأليفها وتنضيدها، حتى صارت ميراثـًا خالدًا في البيان العربيّ، كقوله r: "مات حتف أنفه"، وقد روي عن أبي سلمة t أنه قال: ما سمعت كلمة غريبة من العرب يريد التركيب البياني، إلا وسمعتها من رسول الله، وسمعته يقول: "مات حتف أنفه"، وما سمعتها من عربي قبله ([1]).
مات حتف أنفه إذا مات بغير قتل ولا ضرب ولا حرق، وهو من يموت على فراشه، والحتف الهلاك، وخص الأنف؛ لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه، وهو لا يشعر، ولا يتوقّع ([2])، فأصبحت هذه العبارة مثلا سائرًا يضرب لحال من مات بهذه الصورة([3]).
وقوله يوم حنين: "حَمِيَ الْوَطِيسُ" ([4]).(الوطيس) التنور أو شبهه مما تجمع فيه النار والوقود، ، أو الضراب في الحرب أو الحرب التي تطيس الناس، أي: تدقهم، أو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأها، عبِّر بهذه الجملة عن اشتباك الحرب، وقيامها على ساق من قبيل الاستعارة لشدة المعركة والتحامها، وقرنها بالحمو ترشيحًا للمجاز، وقيل: هذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه، الذي لم يسمع من أحد قبل النبي r ([5]).
((فهذه الكلمة بكل ما يقال في صفتها، كأنما هي نار مشبوبة من البلاغة تأكل الكلام أكلا، وكأنما هي تمثل لك دماء نارية أو نارا دموية))([6]).
عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى" ([7])قال ابن عمر: ((لا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية))([8]). وهذه الجملة بوركت وسارت في أمته r، وحفظها أهل ملته، وهي تُزهِّد في المسألة، ومد اليد للأخذ. وهذه الأمثلة من الاستعارات التمثيلية، ويمكن حمله من المجاز المرسل, فعبر باليد التي تأخذ وتعطي, عن الإنسان فالعلاقة جزئية، أو سببية؛ إذ اليد سبب العطاء، أو آلية فاليد آلة العطاء... المهم إبراز الجانب الجمالي، الذي يخدم المعنى ويبرزه، فالظواهر البلاغية لاتتزاحم.






([1]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عتيك عن أبي سلمة، رقم الحديث : 15818 ، وأورده الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه » : وقم الحديث : 2401



([2]) ينظر : فيض القدير شرح الجامع الصغير : 1/154
([3]) ينظر : مجمع الأمثال للميداني : 1/314
([4]) ينظر : شرح النووي على مسلم : 6/229، وفيض القدير : 3/215
([5]) أخرجه مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب، رقم الحديث : 3324
([6]) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية : 328
([7]) أخرجه البخاري، من حديث عبد الله بن عمر، رقم الحديث : 1339 ، ومسلم، رقم الحديث : 1715
([8]) فتح الباري شرح صحيح البخاري : 5/ 28.





آخر تعديل شجرةالطيب يوم 11-23-2006 في 10:53 AM.
رد مع اقتباس
#22  
قديم 11-23-2006, 01:34 PM
فريد البيدق
مشرف أكاديمية رواء
فريد البيدق غير متواجد حاليآ بالمنتدى
Egypt     Male
 رقم العضوية : 405
 تاريخ التسجيل : Mar 2005
 المشاركات : 18,403 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



الكريم " شجرة الطيب"؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
وما زال الطيب يفوح وينتشر!!



 توقيع : فريد البيدق

اللغة العربية .. تداخلُ علومٍ للجمالِ.

رد مع اقتباس
#23  
قديم 12-01-2006, 06:57 PM
أحمد الغنام
قلمٌ روائي
أحمد الغنام غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1144
 تاريخ التسجيل : Mar 2006
 المشاركات : 227 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



جزاك الله أختي الكريمة شجرة الطيب على هذا النقل الرائع والممتع ، جعله الله حجة لنا يوم العرض يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ،وننظر المزيد،وجزى الله أخينا فريد البيدق على مروره الكريم وتشجيعه
الثر.



 توقيع : أحمد الغنام

أنا لاأستطيع إضافة يوم جديد إلى حياتي ، ولكن أستطيع أن أضيف حياةً جديدةً إلى يومي

رد مع اقتباس
#24  
قديم 12-01-2006, 07:28 PM
شجرةالطيب
لجنة الموقع العلمية
شجرةالطيب غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1611
 تاريخ التسجيل : Oct 2006
 المشاركات : 2,186 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



بسم الله الرحمن الرحيم
وجزاكم مثلما قلتم... وزادنا جميعا من فضله.. وسأذكر هنا جانبا آخر من جوانب التصوير البياني في الحديث النبوي الشريف.
المجاز المرسل
تكمن بلاغة المجاز المرسل في إضافة صور تنتقل عبر دلالة اللفظ الأصليَّة إلى دلالات أكثر غَناء واتِّساعًا، وأبعد أفُقًا وأدعى إلى التأمُّل، يلمِح إليها اللَّفظ في سياقه تعضُده قرينة تسهِم في تكوين جوٍّ تنمُّ ألفاظه عن معانيه([1]). ويعتمد على الخيال وقوَّة التذكُّر والقدرة على نبش المعاني، واستدعائها لصياغة صور طريفة مثيرة ينبني عليها اكتشاف علاقاتجديدة تصل الألفاظ بمعانٍ جديدة تُفصِح عنها سياقاتها.
ومما ورد فيه من الأحاديث النبوية ما رواه ابن عمرو، عن جده جرير: أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتْ النَّاسَ! فَقَالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"([2]).
(( معنى الحديث لا ترجعوا بعدي فرقًا مختلفين يضرب بعضكم رقاب بعض، فتكونوا في ذلك مضاهين للكفار، فإن الكفار متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض، والمسلمون متواخون يحقن بعضهم دم بعض)) ([3]).
والرقاب جمع الرقبة، وهي جزء أريد به الإنسان كله، ففيها مجاز مرسل علاقته الجزئية، فالصورة هنا تجسد المعنى في صورة منفرة ماثلة للأعين.
وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: "لا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ"([4]).
عبارة تصويرية قائمة على المجاز مرسل بعلاقه المسبَّبية، فقد عبِّر بالمسبَّب (حفرة من النار) وأريد السبب وهو (القتل) الذي يوقع في النار، وفي التعبير بالمجاز بلاغة في استثارة النفس، لترتدع وتبتعد عن السبب المؤدي إلى (حفرة النار).

([1]) ينظر : مجاز القرآن للصغير : 141 ، والمجاز المرسل والكناية الأبعاد المعرفية والجمالية : 103

([2]) أخرجه البخاري، رقم الحديث : 118، ومسلم، رقم الحديث : 98

([3]) عون المعبود شرح سنن أبي داود : 10/205

([4]) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، رقم الحديث : 6545، ومسلم، رقم الحديث : 4742





آخر تعديل شجرةالطيب يوم 12-01-2006 في 07:32 PM.
رد مع اقتباس
#25  
قديم 12-07-2006, 01:37 PM
فريد البيدق
مشرف أكاديمية رواء
فريد البيدق غير متواجد حاليآ بالمنتدى
Egypt     Male
 رقم العضوية : 405
 تاريخ التسجيل : Mar 2005
 المشاركات : 18,403 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



الكريمة "شجرة الطيب"؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
هلا أفردت المجاز المرسل بنافذة خاصة تذكرينه فيها بكل علاقاته؟!!
... بالانتظار أيتها المثرية!!



 توقيع : فريد البيدق

اللغة العربية .. تداخلُ علومٍ للجمالِ.

رد مع اقتباس
#26  
قديم 12-07-2006, 04:35 PM
أحمد الغنام
قلمٌ روائي
أحمد الغنام غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1144
 تاريخ التسجيل : Mar 2006
 المشاركات : 227 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



المحبة أثارهاوأنواعها

عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان , أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , وأن يحب المرء لا يحبه إلا في الله , وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار )
رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي

المعنى البياني
يبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بتقرير أن ثمة خصالاً إذا هي اجتمعت في مؤمن فقد وجد حلاوة السعادة الروحية التي ينشدها كل إنسان , وذاق حلاوة الإيمان التي لا تطيب الحياة إلا بها .
وليس معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كن فيه .........) الخ أنه قصر ذوق حلاوة الإيمان على هذه الثلاث , أو أنه سبحانه وتعالى لا يحب غيرهم فالله تعالى يحب نماذج كثيرة من الأطهار والأخيار كلهم يذوقون حلاوة الإيمان . وهناك مجموعة من الأحاديث النبوية تبدأ بعبارة ( ثلاثة يحبهم الله ..) وهناك أحاديث بدأت ( أربع من كن فيه...) وبعضها بدأ بالعدد (سبعة ) .

ولكن تأمل ما تفعله هذه الأعداد ( ثلاثة , أربعة , سبعة ....) إنها تدفع إلى التشويق والإثارة وانتباه السامع والقارئ , حتى يتفتح قلبه وعقله لما سيلقى عليه .
فتقديم المسند إليه ( ثلاثة) في هذا الحديث يدفع إلى التشويق واللذة وترقب الفائدة وامتلاك ناصية الفؤاد التي يدفع إليها إبهامه .

تأمل الإيجاز في ثلاث بحذف المضاف إليه وهو جزء من أسرار بلاغة الحديث الشريف . وروعة التعبير وجمال التصوير بقوله صلى الله عليه وسلم ( وجد حلاوة الإيمان) ففي التعبير بحلاوة الإيمان روعة وسحر , وفيه لإبراز للمعنويات في صورة المحسوسات بتشخيصها وتجسيمها , إذ جعل الإيمان وهو أمر معنوي لا تدركه الحواس في منزلة المحسوسات التي يمكن أن يتذوقها الإنسان بحواسه , مما يجعل النفوس تندفع وتقبل عليه في يسر وسهولة , وتشعر بلذته ولا تحب أن تفارقه , وأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها .

فالإيمان شيء يمكن أن تصيبه وتدركه وتظفر به , بل يمكنك أن تتذوقه وتشعر بحلاوته ولذة طعمه.

فالمراد بقوله (حلاوة الإيمان ) الرغبة في الإيمان وانشراح الصدر له وسريانه في أعضائه بحيث يخالط لحمه ودمه فيشعر بلذته نفسية , تدفعه إلى التلذذ بالطاعات وتحمل المشاق في الدين وإيثار الله والآخرة على متاع الدنيا وزخرفها

فحلاوة الإيمان لذاته وانشراح الصدر له وسرور النفس به والأريحية التي يجدها المؤمن في قلبه من أثر الإيمان حتى ليتفانى في سبيله ويضحي بكل شي من أجله .

وحلاوة الإيمان استعارة بالكناية , حيث شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان بشيء حلو لذيذ الطعم تشتهه النفوس وتتقبله الأذواق ويرتاح إليه الإنسان , ووجه الشبه الشعور باللذة والمحبة وميل القلب , ثم حذف المشبه وأثبت له لازم ذلك وهو الحلاوة بالمعنى السالف.

وحقا إن الإيمان بالله لتهش إليه النفوس والقلوب والأرواح وتقبله في يسر وتندفع إليه بالفطرة لأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها .

ثم تأمل أخي هذا الأسلوب التقريري الذي يحمل في ثناياه دعوة قوية إلى كل إنسان : أن يحرص على التحلي بهذه الصفات وأن يتمسك بها . وإلا فأي أسلوب من أساليب الدعوة يعدل في قوته هذا الأسلوب الذي يقول في إجمال (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ) ؟ !
ثم يأتي هذا التفصيل للإجمال والإيضاح بعد الإبهام مما يبعث في القلب راحة ولذة وطمأنينة . وفي النفس شوقاً واستعداداً وتهيئا للفه والإدراك .

ويفصل عليه الصلاة والسلام هذا الإجمال فيقول:
1- (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)
وهذه الصفة الأولى من صفات الذين يجدون حلاوة الإيمان هي- على بساطتها- قانون كامل تجتمع فيه كل العبادات , فمن البدهي أن الحب يستلزم طاعة المحب لمحبوبه , والحرص على رضاه بكل وسيلة . على أن الحب هنا مشروط بأن يكون أقوى الحب , وأرسخه , وأدومه, فمن نتائجه المحتومة إتباع كل ما أمر به الله ورسوله , واجتناب كل ما نهى عنه الله ورسوله .
فسبحان من أعطاه صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم فقد جمع أسلوبه بين البلاغة القريبة والبعيدة , والفصاحة والمعجزة الرائعة . والنمط القريب والطريقة المحكمة , والنظم العجيب , فهو السهل الممتنع .
فقد اجتمع في هذه العبارة القليلة الألفاظ , المعاني الغزيرة والأحكام الكثيرة من غير تعقيد ولا تكلف ... وصدق الجاحظ في وصفه لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ) هو الكلام الذي قل عدد حروفه , وكثر عدد معانيه , وجل عن الصنعة , ونُزٍه عن التكلف . استعمل المبسوط في موضع البسط , والمقصور في موضع القصر .....).

ثم تأمل اللطف والمطابقة العجيبة بين الألفاظ والمعاني , تطلعك على فصاحة رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم وامتلاكه زمام اللغة ,
تلك اللغة التي لها شأن ليس كسائر اللغات , فكلمة ( يحب ) تدور في اللغة على خمسة أشياء وهي : الصفاء والبياض . ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها : حُبب الأسنان ...
والثاني : العلو والظهور. ومنه قولهم :حَبَبَ الماء وحبابه .
والثالث : اللزوم والثبات . ومنه قولهم : حب البعير وأحب إذا برك ولم يقم ...
والرابع : اللب. ومنه قولهم : حبة القلب , للبه وداخله ...
والخامس : الحفظ والإمساك . ومنه قولهم حِب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه .
ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة ... فإنها صفاء المودة , وهيجان إرادات القلب للمحبوب ...وعلوها وظهورها من لتعليقها بالمحبوب المراد . وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه , ولإعطاء المحب محبوبه لبه , وأشرف ما عنده , وهو قلبه , ولاجتماع عزماته وإرادته وهمومه على محبوبه .

فاجتمعت في المحبة المعاني الخمسة , ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة ( الحاء) التي هي من أقصى الحلق ، و( الباء) الشفوية التي هي في نهايته , فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء.
وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب . فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.

وقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم لمادة ( الحب) دون سواها , ليؤكد وجوب الإخلاص في العبادة , وفي طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام , ضرورة أن القلب – وهو مقر العقيدة – وموطن الإيمان , وهو وحده مركز الحب ومصدره , وبهذا وذاك يستطيع أن يكون هو الموجه لنيات الإنسان وأعماله , وأن يحقق للعبادة ما يجعلها عبادة كاملة .

وقوله صلى الله عليه وسلم ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) الجمل بدل من ثلاث , أو خبر لمحذوف , أي أحدهما كون الله .. وأفرد الضمير في ( أحب ) لأنه أفعل تفضيل متصل بمن فيفرد دائماَ , وثنى( سواهما ) إشعاراَ بأن محبة الله ورسوله معاَ جزءاَ لا يتجزاء من الإيمان , وأنه لا تكفي إحداهم عن الأخرى , فمن يدعي حب الله ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك.

ثم قال صلى الله عليه وسلم ( وأن يحب المرء لا يحبه لا يحبه إلا في الله ) بأسلوب القصر الإضافي ( قصر الموصوف على الصفة ) أي يحبه لله , لا لأجل مصلحة مال أو مصلحة أو مصلحة أو أمر من أمور الدنيا وعرضها .

وهكذا يصور الرسول عليه الصلاة والسلام ثاني الصفات الثلاث من الحديث , وإن روعة هذا التصوير لتنجلي في إيثار البدء بحب الإنسان لأخيه , مع أن القصد إلى تخصيص الباعث على هذا الحب بأن يكون لله ! إنه إقرار للواقع الذي لا يستغني عنه إنسان يعيش في مجتمع , ثم سمو بهذا الواقع بأن يجعله من عبادة وطاعة الله ورسوله.
ولقد كان ممكنا أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في تقرير هذه الصفة مثلاَ : ألا يحب إنساناَ إلا لله , غير أن هذا التعبير ليس فيه ذلك الإقرار بالواقع , وليس فيه تلك الدعوة إلى أن يكون المؤمن محبا ومحبوباَ , لأن كل ما يفيده لا يعدو اشتراط أن يكون الحب لله .... أما التعبير البليغ الذي آثره الرسول فهو يسمو بالواقع , ولكن بعد أن يقره ... ويدعو إلى الحب , ولكن على أن يكون لله!!

وقوله صلى الله عليه وسلم ( وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار) يبين الصفة الثالثة وهي تقوم على اعتزاز المسلم بدينه , وثبات العقيدة .
والتعبير بقوله ( يكره ) دلالة على أنه لا يمكن أن يقبل ترك دينه إلى الكفر إلا وهو يشعر بقبح عمله وشناعة جرمه وسوء مصيره.

والتعبير بقوله ( يعود في الكفر ) للدلالة على أن العودة انتكاس في الحياة والعقيدة ورجوع عن الهدى إلى الضلالة , وبعد عن المحجة إلى السبيل الموحشة المهلكة .

وواضح أن هذا التعبير ( يعود في الكفر) لا يعني قصر هذه الصفة على الذين أسلموا بعد أن كفروا , فإن المراد مطلق الكفر بعد مطلق الإيمان سواء أسبق هذا الإيمان كفر أم لم يسبقه ... والعودة هنا المراد بها مطلق الصيدورة إلى الكفر والاستقرار فيه , ومن ثم كانت تعدية الفعل بفي, ومن ثم تأمل هذا التشبيه الرائع البليغ ألست تجد صدى بلاغته في نفسك وذوقك , وأليس حقا مثل المؤمن الذي يكره أن يرتد عن دينه مثل الرجل الذي يكره أن يلقى في النار!!

وحذف المسند إليه في ( يقذف ) ألست تعلم سر بلاغته ؟ وهذا الطباق تجده بين يحب ويكره طباق جميل سليم لا تكلف فيه ولا لبس ولا غموض وتأمل صيغة الأفعال في هذا الحديث الشريف تجد أنها تدل على الاستمرار , أي استمرار حدث الفعل في المستقبل مثل :
( يحب) و ( يكره) و ( يقذف)....و ( يعود) ..
وهذه الأفعال المضارعة تدل على استمرار ثبات المؤمن الحق على عقيدته في كل وقت و في كل حال , لا يثنيه عنها وعيد ولا تهديد مهما يشتد ولا يحمله على التنكر لها إغراء مهما يكن , فهو يحب لله , ويكره لله , ويفضل أن يقذف في النار على أن يعود إلى الكفر بعد الإيمان ...

وقد عبر بالفعل الماضي ( وجد ) لإفادة التحقيق والتأكيد , وهو وإن كانت صيغته صيغة الماضي إلا أنه يفيد تحقق الفعل في الماضي والحاضر والمستقبل بالشروط التي اشترطها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون..... ) الخ .

والحديث بجملته –كما ترى- مال إلى جانب التصوير الفني الرائع في التعبير عن المعنى المقصود, لما في ذلك من توضيح للمعنى وتسهيل لإدراكه وتقبل النفس والقلب له , مع ترسيخه في العقل والفكر والخيال ... فتأمل قوله ( وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) إنها صورة مجسمة شاخصة رائعة , يتأملها الحس والعقل معاَ . فتجعل خيالك يتأمل صورة رجل قوي ثابت كالطود الأشم تعرض عليه شتى أنواع المغريات , ويهدد بكل وسائل التهديد بأن يلقى من شاهق في حفرة متأججة بالنيران , فيقبل على ذلك بنفس راضية مطمئنة ,ويعرض عن كل ما يعرض عليه من شهوات الدنيا وملذاتها الفانية ؟
ألست ترى معي أن هذه الصورة الفنية التي رسمها هذا الحديث الشريف من أعظم الروائع البيانية التي يمتع القلب والعقل معاَ دون أن يطغى جانب على آخر ..



 توقيع : أحمد الغنام

أنا لاأستطيع إضافة يوم جديد إلى حياتي ، ولكن أستطيع أن أضيف حياةً جديدةً إلى يومي

رد مع اقتباس
#27  
قديم 09-23-2009, 06:16 AM
فوزى زعبل
عضو متميز
فوزى زعبل غير متواجد حاليآ بالمنتدى
Egypt     Male
 رقم العضوية : 7114
 تاريخ التسجيل : Jul 2008
 المشاركات : 600 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: من روائع البلاغة النبوية



بوركت هذه الصفحة المثمرة
وبورك كل المشاركين



 توقيع : فوزى زعبل

أشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله

رد مع اقتباس
#28  
قديم 11-10-2009, 12:15 PM
أحمد الغنام
قلمٌ روائي
أحمد الغنام غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 1144
 تاريخ التسجيل : Mar 2006
 المشاركات : 227 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: من روائع البلاغة النبوية



وبارك الله فيك أخي فوزي زعبل على المرور الكريم ، نفعنا الله بك .



 توقيع : أحمد الغنام

أنا لاأستطيع إضافة يوم جديد إلى حياتي ، ولكن أستطيع أن أضيف حياةً جديدةً إلى يومي

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من البلاغة النبوية محمد سعد البلاغة في الحديث النّبوي 9 01-17-2011 01:01 AM
كتاب في البلاغة النبوية تلميذة رواء ثمراتُ الأوراق 10 09-24-2009 07:44 AM
البلاغة النبوية أبو زياد الأزهري البلاغة في الحديث النّبوي 3 05-03-2009 01:41 PM
أحاديث طلب العلم و البلاغة النبوية هبة الإبراهيم لمحات نقدية 2 07-29-2007 02:40 AM
أحاديث طلب العلم و البلاغة النبوية هبة الإبراهيم لمحات نقدية 0 06-25-2007 04:04 PM

أقسام المنتدى

ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) @ وحي القلم @ لمحات نقدية @ فضـاءُ الّلغـة @ ثمراتُ الأوراق @ واحةُ القصة @ أهيلُ الكوكب (مجتمع رواء) @ قافلة الأعلام @ رِحــــابُ الأدب @ قافلةُ الضّيـاء @ المحذوفات @ مدرسةُ العَروض @ شؤونٌ إداريـة @ أدبُ الفلذات @ لمحاتٌ تطويريّة @ ديوانيـّـة رُِواء @ حديثُ الرّيشة @ أ . محمد بن علي البدوي @ علم النَّحْو @ فنون البلاغة @ الإملاء @ العَروض @ القافيــة @ ملتقى صفحات مجلة أسرتنا @ الرّقْمي @ مرافئ الوصول @ علم الصرف @ أيام عشر ذي الحجة / روحانية الأدباء @ جسور أدبية ( لقاءات وحوارات) @ ملتقى المؤسسين @ المعاني @ البيان @ البديع @ أكاديمية رواء @ المعجم @ الأصوات @ الإنشاء @ الأدباء الصغـار @ دفاعاً عن مقام النبوة @ الإشراقات الشعرية @ الدعاية والإعلان @ الدوائر الحمراء @ منقولات التصاميم والصور والرسوم اليدوية @ رسائل الكاشف @ المجلس الرمضاني / روحانية الأدباء @ قسم المنقولات ... @ منتقى القصص @ المنتقى النقدي @ أزهار الرّوض @ الملتقى الفني @ المنتقى الشعري @ المنتقى النثري @ التأصيل الأدبي @ إعراب الكتاب @ قواعد الإعراب @ إيــــــلاف ! @ البلاغة في القرآن الكريم @ البلاغة في الحديث النّبوي @ منبر الخطباء @ علم أصول النحو @ مخيم رواء الصيفي @ سحر القوافي (الباقة الشعرية) @ من الدفتر الأزرق (الباقة النثرية) @ حكايا (باقة القصة والرواية) @ تحف أدبية (باقة الشوارد الأدبية) @ رنين الضاد (الباقة اللغوية والبلاغية) @ نادي الرواية العربية @ صَرْف الأسماء @ صَرْف الأفعال @ النقد اللغوي @ علامات الترقيم @ المرفوعات @ المنصوبات @ المجرورات والمجزومات @ مملكة الرواية .. @ بلاغة الوحيين @ رواء الروح (الباقة الإيمانية) @ ألوان الطيف (باقة منوعة) @ الإشراقات النثرية @ الإشراقات القصصية @ فريق التصميم @ مشاركات الأدباء الخاصة بالموقع .. @ د. حسين بن علي محمد @ الرّاحلـــــون @ إدارة موقع رواء وقسم الأخبار .. @ نوافذ أدبية @ - الوجوه والنظائر (معجم ألفاظ القرآن الكريم) @ علم الدّلالة @ المنتقى من عيون الأدب وفنونه @ الأقسام الموسمية @ الأديب إسلام إبراهيم @ عن الأدب الإسلامي @ الإدارة المالية @ تغريدات رواء @ معلم اللغة العربية @



Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi