مشروع أدبي
عدد الضغطات : 80
آخر 10 مشاركات
مشروع رواء الأدبي .. (الكاتـب : أمة الله الواحد - آخر مشاركة : الدكتور ضياء الدين الجماس - )           »          ياغزة التاريخ (الكاتـب : الدكتور ضياء الدين الجماس - )           »          نار الجفاء (الكاتـب : ملاد الجزائري - آخر مشاركة : جليلة - )           »          اترك المستقبل حتى يأتي (الكاتـب : يوسف الجالودي - آخر مشاركة : جليلة - )           »          مع المتنبي(عن ديوان على العراف) (الكاتـب : صبحي ياسين - آخر مشاركة : جليلة - )           »          نعم السند !! (الكاتـب : ملاد الجزائري - آخر مشاركة : جليلة - )           »          فضائيات الطهو .. وعشوائية اختيار المحتوى (الكاتـب : فريد البيدق - آخر مشاركة : جليلة - )           »          الكذب المجاني .. خ ق ج (الكاتـب : فريد البيدق - آخر مشاركة : جليلة - )           »          .|تأمُّلاتٌ قُرآنِية|. (الكاتـب : جليلة - )           »          أفاق بداخلي فرحٌ . أشرف حشيش (الكاتـب : أشرف حشيش - )

الإهداءات
أشرف حشيش من أفياء رواء 08-25-2014 07:53 PM
لوحة شعرية فاتنة لأحد الروائيين أرجو الاطلاع عليها http://www.ruowaa.com/vb3/showthread.php?t=41900

صبحي ياسين من القلب 08-19-2014 10:38 PM
حرام عليكم أن تتركوا الدب لمن هم دونه-عودا للرواء يا أهل رواء-رواء تجف فبللوا شفتيها-أحبكم



دراسات أدبية

زاوية تضمّ العطاء اللغوي والأدبي الذي سطّره الدكتور حسين بن علي محمد - رحمه الله - على صفحات رواء الأدب ، والراحل كان يعمل أستاذًا في قسم الأدب بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام ، وعضوًا في رابطة الأدب الإسلامي العالمية ..


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 07-14-2009, 09:35 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي دراسات أدبية



(1) شجرة الأدب في الشرقية
الجذور .. الساق .. الأوراق
( فرع أدب الطفولة أنموذجاً )

بقلم: أ.د. أحمد زلط
....................

• مدخل :
لا يمكننا استشراف الرؤى المستقبلية للأدب في إقليم الشرقية ، دونما سبر أغوار الواقع الأدبي في اتجاهاته أو إشكالياته الحاضرة ، وذلك بعد رصد ملامح تكوينه انطلاقاً من جذوره ، وتحاول سطور البحث في تكثيف ملحوظ ـ الغوص في مكونات واقعه بهدف استشراف آفاق مستقبله ، ومن ثم أجتهد في تقديم محاولة راصدة للواقع الثقافي بعامة والأدبي بخاصة في محافظة الشرقية ... وهي محاولة أشبه بالمغامرة ؛ لأننا مازلنا نصدر أحكامنا الانطباعية على العمل الإبداعي والثقافي الذي يشذ عن قاعدة ـ مصر القاهرة ـ بأنه إقليمي وتجريبي و... هذه الأحكام الظالمة للمظاليم في الأقاليم لا تستند إلى أسس علمية ؛ لأنها تستعير من قاموس الرياضة الدوري الممتاز ودوري المظاليم ؟!. (1)
• الجــذور :
أما مُحددات مسار حركة الأدب في الشرقية ، فقد انطلقت مع بداية وزمن مقاومة الاحتلال أو نمو الوعي القومي في النصف الأول من القرن العشرين ، حيث قدمت الشرقية للوطن الأم بعض الرواد الأعلام في ميادين السياسة والفكر والاقتصاد والأدب والصحافة والعلم ، ممن عبدوا الطريق وأسهموا في منظومة التنوير الفكري والإبداع الأدبي في مصر ، ومن بين هؤلاء الرواد : أحمد عرابي ، طلعت حرب ، الدسوقى أباظة ، عزيز أباظة ، د. محمد مندور ، فكري أباظة ، هاشم الرفاعي ، أحمد مخيمر ، ثروت أباظة ، د.يوسف إدريس ، د. محمد العلائي ، د. غنيمي هلال ، صلاح عبد الصبور ، مرسي جميل عزيز ، محمد زكي عبد القادر ، محمد الهراوى ، فاروق منيب، عبد العزيز السعدني ، الشيخ محمد السنهوتي ، الشيخ محمود أبو هاشم وغيرهم. وقد تواصل الدور التجديدي والإبداعي مع نخبة من الشباب وقتذاك لهؤلاء الرواد فالتقت بعضهم أمثال : د. عبد الرحمن ميتكيس ، محمد الهلاوى ، أحمد الشافعي ، لطفي جادو ، د. أحمد هيكل ، د.محمد أبو الأنوار، ود. عبد الحكيم راضى، محمد عبد الواحد حجازي، وغيرهم.. وفي خط مواز لمجهود الجيل الذي ذكرناه آنفاً ، والذي تلي جيل الرواد قامت أول حركة تجمع أدبي من رواد الأدب في الإقليم في أعقاب حرب 1956 م ، من أدباء مدينة الزقازيق وما حولها ، ونستطيع أن نؤرخ لميلاد تلك الحركة زمنياً بميلاد جمعية الوعي القومي لرعاية الفنون والآداب في منتصف الخمسينيات ـ قبل إنشاء مديرية الثقافة ومراكزها بالمحافظة ـ فكانت تلك الجمعية منبراً لإنشاد الشعر وإقامة الندوات الثقافية والفنية ، ثم ذابت برجالها في أنشطة الثقافة الجماهيرية والمسرح المدرسي ، ومن أبرز رجال تلك الجمعية الرائدة الشاعر المرحوم محمد السنهوتي والشاعر محمد الصادق سعود ، والمرحوم الشاعر عبد العزيز عفارة ، والشاعر محمد الهلاوى ، والأديب المرحوم د. عبدالرحمن ميتكيس .. وغيرهم (2) ممن شكلوا مع الرواد جذور شجرة الأدب في الشرقية، وانتهت مرحلة الجذور مع مؤتمر أدباء مصر الذي عقد في الشرقية عام 1969 م.
***
• الـســــــاق :
وقد أسهمت مجلة " صوت الشرقية " منذ عام 1963م في نشر إبداع الأدباء الجدد في الشعر والقصة والمقالة والأغنية والرسوم الفنية أمثال : عبد المنعم سليم ، عنتر مخيمر ، فخري فايد ، عاطف مكي ، عبد الرحمن نور الدين ، سعيد الكيلاني ، د. أحمد والي،محمد حسن الشرقاوي ، محمد الهلاوى ، صلاح محمد على ، بدر بدير وغيرهم ، ومع مطلع السبعينيات كانت الساق ـ ساق شجرة الأدب الشرقاوي ـ قد استطالت واستوت على سوقها بإسهامات تلك الكوكبة مع مناخ المبدعين الشباب ـ وقتذاك ـ من مثل : أحمد رءوف الشافعي ، سليمان غريب ، عصمت مهدى – حسين على محمد ، صابر عبد الدايم، صلاح والي ، احمد هاشم ، محمد عبد السلام إبراهيم ، محمد عبد الواحد حجازي ، محمد سعد بيومي ، وكاتب البحث مع مزامينه أمثال : محمد سيلم بهلول ، يوسف الخضري ، عدلي فرج مصطفى ، عادل يني ، بهي الدين عوض ، محمد سليم الدسوقي ، نبيه الصعيدي ، فريد طه ، د. محمود عبد الحفيظ ، يوسف أبو ريه ، مأمون كامل ، د. محمد الغرباوى ، ود.عبد السلام سلام .. وغيرهم.
وقد شهد ربع القرن الأخير من القرن الماضي نقلة حضرية مهمة في الإقليم؛ إذ اكتمل للشرقية جامعة كبرى هي جامعة الزقازيق بكلياتها المتنوعة التي تضم زهاء مائة ألف طالب وطالبة مع كليات فرع الجامعة الأزهرية بالزقازيق ، ثم بروز أدوار روافد أخرى لمؤسسات المجتمع الثقافية أمثال : أدوار أندية الأدوب وفروعها بالعاصمة ومراكز المحافظة، والنادي الأدبي للشباب والرياضة ، واللقاء الأدبي الأسبوعي بمركز أعلام جنوب الزقازيق، ونشاط الأدب في قطاع المؤسسة الثقافية العمالية ونادي الشرقية ونادي الروتاري ، والجمعيات الأدبية والفنية ، والدوريات الإعلامية المحلية ( مجلات وصحف) وغيرها . وقد أسهم كل ذلك في بناء قاعدة لا يستهان بها من المتعلمين والمثقفين والعلميين وجمهور الأدب ، وكان من الطبيعي أن تفرز هذه النهضة عن كشف مواهب جديدة في ميدان الأدب والفن وغيرها ، كان من المنطقي أيضا أن تتشكل حول هذه الروافد التي أشرنا إليها حركة الأدب المعاصر في الشرقية (3) في ضوء ما عرضناه ، اتسعت قاعدة الأدب ، وتنوعت روافدها ، مما يمكن أن نطلق عليه مرحلة الأوراق ـ الثمار ـ امتداداً لمرحلتي الجذور والساق الآنفتين.
• الأوراق والثمار :
وليس من شك أن أغلب الأصوات المبدعة للمرحلة المعاصرة الأخيرة تحلق بلا تواصل مع من سبقها ! ، فهم ثمرة لمعطيات الذات ( الأنا الإبداعية ) معجونة بمثيرات النظام الكوكبي الثقافي القومي والعالمي . لا جرم أنهم أكثر عدداً ، ومن بينهم من جمع بين الإبداع والبحث والنقد ، ومنهم أيضاً من يوظف موهبته صوب منافذ الضوء المركزية فحسب !، بينما المطلوب من أغلب هؤلاء التواصل والإغراق المحليين.
إنني استشرف في نهاية توثيق مسار الواقع الأدبي في الشرقية، الواعدة في رسوخ النجومية الفنية لنفر غير قليل من هؤلاء أمثال : محمد الهادي ، د.عزت جاد ، فؤاد مغنم ، أحمد النحال ، نبيل يوسف ، يوسف شهير ، أحمد خاطر ، ميرال الطحاوى ، ليلى العربي ، مجدي جعفر، ، د. كارم عزيز ، إبراهيم عطية ، أميمه عز الدين ، عبد الله مهدي ، أحمد عبده ، العربي عبد الوهاب ، محمد جاهين بدوي ، سامي ناصف ، محمد السيسي ، د. وائل محمد ، د. إسلام عليوه ، داليا أحمد حسن ، هادي سلام وغيرهم .
***
تلكم هي الملامح الوثائقية الأساسية وليست الحصر الكامل للمبدعين للأدب أو لدارسيه ونقاده في الشرقية ، ولكننا في نهاية الأمر لا نستطيع إغفال أدوار لبعض الطارئين على الإقليم بداية بالشاعر المرحوم طاهر أبو فاشا ، والعالم الإمام محمد متولي الشعراوي ، ود. محمد عبد المنعم خفاجي في الأدب على أرض الشرقية ، في الالتفاف حولهم من الشباب يوم كانوا يدرسون بمعهد الزقازيق الديني طوال الثلث الأول من القرن العشرين، وقد أفاد منهم عبد العزيز السعدني ، ومحمد السنهوتي ، وعبد الرحمن ميتكيس ، وهاشم الرفاعي .. وغيرهم .
أيضاً هناك إسهامات ملحوظة في الآونة المعاصرة للناقد د. أحمد يوسف على ، والناقد د. مدحت الجيار ، والباحث د.صلاح السروي ، ود. محمد سلامه ، ود. على مطاوع ، ومن الشباب د. محمد غنيم ، وتعليب .. وغيرهم في تفعيل النقد في التجمعات الأدبية المعاصرة والتي تنتظم ما ذكرناهم مع نظراء لهم لا يسع البحث لحصرهم .
بقيت العلامات الفارقة في مسيرة الواقع الأدبي في الشرقية مع مطلع السبعينيات وهي تواصل الجهود الفردية التطوعية ، جماعة " أصوات معاصرة " في نشر مئات الأعمال الأدبية بإشراف الشاعر د. حسين على محمد لأدباء الشرقية والمحافظات وبعض البلدان العربية ولا تزال منتظمة في الإصدار بتمويل فردي ، وإشراف تطوعي ..أيضاً الآثار الملحوظة لجماعات أدبية مثل : " إبداع " و " رع " و " أحمد عرابي " في تنظيم الندوات والدورات والمهرجانات وطبع المجلات والكتب غير الدورية ، وللأستاذ إبراهيم الدمرداش ، وكاتب البحث ، والشاعر أحمد النحال بصماتهم في هذا الشأن .
وكان للصالونات الأدبية دورها الملحوظ والمؤثر في الرأي العام ، وأشهرها "صالون عرابي" الذي أداره المرحوم الفنان صلاح مرعي عام 1981 م ، ثم نجح "صالون د. صابر عبدالدايم " في فتح آفاق متميزة بين الأدباء من تيارات وأجيال مختلفة ، وحاول تواصل ذلك الدور صالون " د. السيد الديب " .. أيضاً كانت مهرجانات الشعر في كلية اللغة ومهرجانات كليات جامعة الزقازيق ، كان لهم جميعاً على امتداد ثلث قرن الفضل في اكتشاف أصوات جديدة من المبدعين والباحثين ، والمأمول التنسيق بين تلكم الجهود وإحداث الإخاء والتواصل بينها جميعاً .
***
في ضوء ذلكم المناخ ألفينا عشرات النماذج الإبداعية من الشرقية ، لها نتاجها الملحوظ طوال قرن مضى ، في الشعر ، والمسرح ، والرواية ، والقصة ، والقصة القصيرة ، والمقال ، وأشعار العامية ، والأغاني ( مرسي جميل عزيز ، محمد الهلاوى ، صلاح محمد على نموذجاً محلياً قومياً لذلك ) وغيرها من أنواع .
ولما كانت دراستنا الموجزة ـ بتكليف من أمانة المؤتمر ـ تقف عن ملمحين ، أولهما التأريخ الفني والزمني للأدب في الإقليم ، أما الثاني فيدور حول إسهام أدباء الإقليم في مجال أدب الطفولة ، وهو الملح الذي نتناوله فيما بقى من صفحات .
إن الأدباء الذين كتبوا لمرحلة الطفولة من إقليم الشرقية منذ عقد العشرينيات والى وقتنا الحاضر ، هي أسماء قليلة ، واستهلها رائد شعر الطفولة في مصر والعالم العربي محمد الهراوى ( 1885م – 1939م ) ، ومن بعده كتب النشيد والحكايات والأشعار للأطفال الأدباء محمد عبد المنعم العربي ، محمد السنهوتي ، عنتر مخيمر ، حسين على محمد ، عصمت مهدي ، صابر عبدالدايم ، أميمة عزالدين (*) ويمكن إضافة اسم كاتب البحث كأول (شرقاوي ) مصري عربي يتخصص في الأدب العربي (دراسات أدب الطفل ونقده في أطروحته للدكتوراه ) من كلية الآداب جامعة الزقازيق .
***
(يتبع)




رد مع اقتباس
#2  
قديم 07-14-2009, 09:35 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



الشرقية وأدب الطفولة :
في عام 1930 م بدأ يظهر مصطلح أدبيات الطفل في الدوريات العربية ، في عناوين المقالات وبين ثناياها ظهرت ملامح تأصيل جنس أدبي للطفل ، وقبل هذا التاريخ كانت كتب الأطفال تقتصر اقتصاراً ـ يكاد يكون تاماً ـ على الأغراض التعليمية مادة للقراءة المدرسية تهتم بالمحصول اللغوي ، وتدعو إلى القيم والآداب الحميدة ـ وقد نوه إلى ريادة نهضته التأليفية د. زكى مبارك ، فقال : " أشهر المؤلفين في هذا الباب رجلان محمد الهراوى ، وكامل الكيلاني وهما بعيدان عن التدريس ، وبدأ يستحوذ على اهتمام التربويين الشروط الواجب توافرها في الكتب الموجهة للصغار ، سواء من حيث الشكل أم من حيث المضمون ، محاولة منهم في أن يدفعوا كتاب الطفل إلى تقديم الأفضل ، ونستطيع أن نؤكد في اطمئنان على أن أدب الطفولة Childhood literature أدب يتوجه لمرحلة عمرية متدرجة من عمر الكائن البشري وهو نوع مستحدث، ولا نميل إلى استعمال مصطلح الأطفال مرادفاً للطفولة، ومن الإنصاف أيضاً الإشارة إلى تنوع ظاهرة ميلاد الجنس الأدبي حول عدة محاور بدأت( بالتقليد والمحاكاة عن طريق الترجمة والاقتباس ، ثم الدعوة النظرية ، فالتجريب الفني ثم التأصيل الفني والتنوع عند المحدثين والمعاصرين .(4)
ونحاول الإلمام شبه المجمل لأدب الطفل عند محمد الهراوى ، ومحمد السنهوتى ، لريادتها الزمنية ، وغزارة إنتاجها للطفل . فمحمد الهراوى من مشاهير أدباء القرن العشرين ، يقول عنه عبد التواب يوسف : " عندما أقام أدباء العروبة مهرجانا عاما لمبايعة شوقي بإمارة الشعر في عام 1927 تمرد جماعة من الشعراء برياسة الشاعر المرحوم محمد الهراوى على هذه المبايعة، وكان الهراوى يرى أن إمارة الشعر بدعة ، وإن لكل شاعر مكانته ووضعه وامتيازه في عالم الشعر(5) وهو رائد مرحلة التأليف المستقل والتنوع الفني في شعر الأطفال عن الفترة الزمنية التي شهدت التخصص الفني والتوسع في نظم هذا الجنس الأدبي المستحدث ونستطيع أن نحدد تلك الفترة الزمنية ببداية العقد الثالث من القرن الحالي إلى وقتنا الحاضر أي بعد ظهور " ديوان الشوقيات = الحكايات " عند أحمد شوقي ومحاكاته بتعريب أدب الغرب للطفل بنحو ربع قرن . وحيث توفر على نظم شعر متنوع وسهل للأطفال الشاعر محمد الهراوى(*) (1885 -1939م) فأصدر ديوانه المرسوم "سمير للأطفال" عام 1922م.( اتبعه بتمثيليات مسرحية و 6 دواوين للطفل ).
وإذا كان عثمان جلال هو رائد مرحلة الترجمة والتعريب لشعر الأطفال في منتصف القرن التاسع عشر، فإن هذا القرن – شهد أيضاً – وهو يضئ ، آخر ذبالاته انبثاق مرحلة جديدة أسميناها مرحلة التأصيل الفني رائدها الشاعر أحمد شوقي ، وفي بداية العقد الثالث من القرن العشرين يقود الشاعر الشرقاوي: محمد الهراوى مرحلة التأليف المستقل والتنوع الفني في شعر الطفولة تتمة لمحاولات جادة بذلها إبراهيم بك العرب وكامل كيلاني وغيرهما .(6)
يقول الزركلي في الأعلام:"محمد الهراوى شاعر مصري انفرد بنوع من النظم السهل، ابتكره للأطفال يحفظونه ويتناشدونه في مدارسهم وبيوتهم"(7). ويقول د. مختار الوكيل عنه : " ... أحدث الهراوى في الأدب فتحاً جديداً ، وأخذ نفسه في جد وإخلاص بمعاناة الكتابة لناشئة الجيل ونابتة المستقبل . فأبدع منظومات لطيفة سهلة العبارة دانية المأخذ ، في بحور رقيقة وألفاظ عذبة ، عالج فيها ـ لأول مرة ـ في اللغة العربية على ما نذكر موضوعات تلائم روح الطفولة المرحلة " (8) . يقول د. زكى مبارك حول اهتمام الهراوى والكيلانى بأدب الطفل : " ... إن الاهتمام بالتأليف للأطفال يبرز في نواح بعيدة عن بيئة التدريس ، فأشهر المؤلفين اليوم في هذا الباب رجلان : " محمد الهراوى " و" كامل كيلاني" ... ومؤلفات الأستاذ " الهراوى " كلها منظومة وتحت يدي منها : ( سمير الأطفال ) وهو شعر سهل بالصور للإنشاء والإملاء والمطالعة والحفظ ، في ست كراريس : ثلاث للبنين وثلاث للبنات.(9)
ظواهر فنية في شعر أمير شعر الطفولة( محمد الهراوى )
• ظاهرة التنوع في الأغراض :
يمثل التنوع في شعر الأطفال عند الهراوى ظاهرة فنية فريدة وغير مسبوقة في الطفل العربي وفي العصر الحديث في مصر .. ونعنى بالتنوع هنا، تنوع الأغراض التي تناولها الشاعر مما يدل على ابتكار وتجديد وحسن إحاطة بعالم الطفولة بمراحلها المتتالية ، وقد توزع هذا التنوع في شعر الهراوى للأطفال إلى :
الشعر الديني ، الشعر الوصفي،الشعر التعليمي ، القصة الشعرية،الشعر الوطني ، الشعر الأخلاقي، الشعر الاجتماعي والأسرى ، أغاني الألعاب ،الأغاني التوقيعية ، والأخيرة خص الشاعر رياض الأطفال بمنظومات توقيعية كأغاني ألعابهم من مثل أغنية : جحا والأطفال ، بائع الفطير ، ليلة قمر ، شمس الضحى .
• ثانياً : غزارة النتاج الشعري للأطفال :
أودع الشاعر محمد الهراوى مكتبة الأطفال أغزر وأهم نتاج ـ إلى وقتنا الحاضر ـ من حيث الكم وربما ( الكيف ) ؛ فقد استقل بنظم سهل لشعر الطفولة المبكرة فطبعت دواوينه لمراحل الطفولة المختلفة ـ غير مرة في حياته ـ وهي على ترتيب إصدارها : السمير الصغير ، سمير الأطفال للبنين 3 أجزاء ، سمير الأطفال للبنات 3 أجزاء ، الطفل الجديد . كذلك كتب الروايات التمثيلية الغنائية للطفل ، وفي أخريات حياته طبــع عام 1937م ديوان "ألف باء" على مطبعة المعارف ، واتبعه بديوان "أنباء الرسل للأطفال" د.ت ، بالإضافة إلى مخطوطات أشار إليها محقق نتاجه الشاعر أحمد سويلم والكاتب عبدالتواب يوسف ، وكاتب البحث .(10)
• ثالثاً : ثبات لغة الأداء الشعري:
اتسم الأداء الشعري عند الهراوى بالثبات ، فلم ينزل إلى درك من الإسفاف اللغوي أو الاستعمال الشعبي باللغة الدارجة في سائر منظوماته ، ولم يصعد الهراوى كذلك إلى علياء اللغة ، فلغة الشاعر فصحى مبسطة ، سلسلة سليمة ، تقف في منطقة وسطى بين لغة أحمد شوقي للأطفال ولغة محمد عثمان جلال في العيون اليواقظ ، ونادراً ما لجأ الشاعر إلى شرح بعض المفردات الصعبة بهامش منظوماته وأناشيده وأغانيه ، وكثيراً ما لجأ إلى التكرار اللغوي بغرض الإفهام والإبانة وزيادة المحصول اللغوي عند الطفل .
• رابعاً : بث وإعلاء قيم الحضارة العربية والإسلامية :
في غير تعقيد استهدف الشاعر بث القيم العربية الإسلامية الموروثة إلى نفوس الصغار ، فلم يسترفد التراث الأجنبي أو الأدب الغربي الحديث إلا في باب القصة الشعرية مرات محدودة ، ومن أهم القيم التي أكد عليها الشاعر في دواوينه قيم: العقيدة ، الوطنية ، العلم ، النظام ، الإيمان ، الحب ، الانتماء ، الطاعة ، وغيرها من القيم الإيجابية التي تتمحور حول رؤية الشاعر الأخلاقية والدينية والوطنية. (لاحظ أسلوب الشاعر في تصدير دواوينه بالآيات والشواهد القرآنية ).
• خامساً : وعي الشاعر المبكر بفلسفة أدبيات الطفل :
إن مجرد طبع ديوان الصغير على هيئة كتيب صغير في حجم الكف بحيث تلازم كل أغنية أو منظومة صورة ملونة ـ يومئذ ـ لأمر يؤكد وعى الشاعر بفلسفة أدب الطفل في مراحل نموه المبكرة : فالطفل يتذوق المحسوس حتى ينتقل إلى التجريد ( بالكلمة أو الصورة )
هذا من ناحية ، كما بعد تناول الشاعر لموضوعات جديدة ، قد يصفها الكبار بالسذاجة والسطحية ، لكنها تهم الصغار بالدرجة الأولى مثل موضوعات مناسباتهم وأعيادهم وألعابهم ، وكذلك وصف الشاعر للأشياء المحيطة بهم من طبيعة ومخترعات وآليات ونحوها ـ بعد ـ من الأمور المعرفية التي تلازم النمو المعرفي للطفل . لذلك لم يلجأ الشاعر إلى استرفاد الأمثال المباشرة ، بل جعل المنظومات تنطق بالحكمة على لسان الشاعر أو لسان الأطفال أو ألسنة الحيوانات وهي أيضاً من إضافات الشاعر في شعر الأطفال .
• سادساً : استخدام الشاعر للبحور القصيرة المجزوءة :
لم يستخدم الشاعر قوالب البحور التامة أو الكاملة إلا في سمير الأطفال ( ج3 ) ووقفت سائر منظومات القصيرة وأغانيه التوقيعية عند مجزوءات بحور الشعر العربي ، مما يدل على خبرة الشاعر الجمالية ووعيه الفني لوظيفة الإيقاع اللغوي الموسيقي عند الطفل ، ونلاحظ في هذا المجال ، إضافة الشاعر للعلامات الموسيقية في بعض أناشيده وأغانيه لرياض الأطفال .(11)
***
أما عطاء الشاعر المرحوم محمد السنهوتي فقد وظف ـ في أصالة ـ الحكاية الشعرية وقدمها في نسق فني يناسب جمهور الطفولة المتأخرة . لقد لجأ الشاعر إلى الواقع يعكس أحواله ينظم حكاياته وأقاصيصه الشعرية على ألسنة الحيوان والطير والبشر.. لم تأسره أفكار القدامى من أمثال أيسوب" و "بيدبا" و " لافونتين" وغيرهم ممن دارت أفكارهم في أدب اللغات الإنسانية ، بل انطلق بحكم تجربته الشعرية الحياتية الطويلة يصوغ الأدب الحكيم في أناشيد وحكايات قصصية .. مادة حكاياته الشعرية البحث الدءوب عن إصلاح مدرج القيم المقلوب في حياة المجتمع المادي المعاصر .. وأزعم مع الشاعر أنه لو تسللت إلى وجدانات الناشئين من نابتة المجتمع "الأفكار القيمية" التي أوردها ديوانه للطفل ـأ لألفيناهم ـ يلعبون دورهم المنشود في أحضان الأمة .إن أدق مميزات حكايات ديوانه (*) وتأملاته أنها تنساب إليك في متعة وتفكير ملحوظين .. فلا صراخ وعظي ولا رمز معقد أو هتاف أيديولوجي ، وإنما أفاد الشاعر من خبراته كداعية وصاحب رسالة إيمانية واعية "مصر الإيمان" حزبه الأول والأخير.. يقول صاحب الديوان في مقدمة الطبعة المصورة منه:[ .. الحكايات لها مزاياها في نوعية القصة الشعرية ووطنيتها وانتمائها الكامل لكل ما هو عربي .. من هنا .. ومن البيئة العربية لغتها ، وفنها وروحها واتجاهاتها وتعدد مراميها ] أ.ﻫ.
في ضوء ذلك يعد " ديوان السنهوتي للأطفال" : عصارة تجاربه والشهد المصفى من أشعاره والإضافة الباقية في بابها ، وإذا كانت شاعريته الكبيرة أسهمت بدرجات متفاوتة التجويد نحو محاولة بلوغ الكمال الشعري في الأغراض الآنفة إلا أن حكاياته وقصصه في – هذا الديوان – إثراء من نوع راق لأدبيات الطفولة في الأدب العربي المعاصر ، فقد توجه إلى مرحلة عمرية هامة لها خصائصها وأنشأ نحو مائة نشيد وحكاية ومقطوعة ، في أفكار مصرية عربية خالصة يقول الشاعر في صدر ديوانه :
قدموا الحب للطــفولة زاداً لذة العيش دونه مستحيله
عودوا الطفل أن يعيش نظيفا وبـه تصبح الحياة جميله
نموذجان من ديوانه القُبرة : (12)
حـطت على شباكنا في ذات يـوم قـبـره
قلنا ادخلي فعندنا حبـوب قمـح وذره
قالت ، ولكني أرى دماء طـيـر مهـدره
وإن أمي حـذرتـنـي من دخولي المجزره
وأطلقت شراعــــها وهي تتم الثـرثـره
نـفر مـن أعـدائـنـا فالعمر ليس بعثره
صرخة من عروس البحر
مـن المحيط أقبلـت في ذات يوم سمكة

جاءت إلي البحر لكي تـقـيم فيه مملكـه
تحكـمها ومـن أبى بوسعها أن تهلكه
وأرسـلـت عـيـونها تدعو لحب الملكة
فعهدها في زعمها عدالة ، وبـركـه
وهددت بالقتل من يسعى خلاف الحركة
البحر كــان ساكنا فـحــولته مـعركة
وبينما الحرب تسوق أهـــلـهـا للتهلكة
صاحت عروس البحر يـا صياد، ألق الشبكة
***
وجذور الكتابة للأطفال عند الشاعر محمد السنهوتي . بعيدة ، واعية تمتد إلى عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن الحالي إذا كانت أناشيده ومقطوعاته مقرره وقتذاك على تلاميذ المدارس الابتدائية والأولية .
وتقديراً لمستوى شاعريته في ذلكم اللون المستحدث من الضروري أن تسارع أقسام الطفولة وكليات التربية النوعية المتخصصة ـ وقبل ذاك ـ مرحلة التعليم الأساسي في انتخاب أقاصيصه الشعرية الهادفة، وفي غايات أخلاقية وتربوية وفنية ولغوية، إن براعة صاحب الديوان تكمن في أصالته واقتداره الفني وفي تحويل مورثة إلى نسق شعري قصصي معاصر، بحيث نرى في تجربته الشاعر الفنان لا الحكيم فحسب، والإنجاز الحقيقي في شعره القصصي أنه لم يعش عالة على أدب أجنبي فلم يترجم أو يقتبس أفكاره على نحو ما صنع بعض الأدباء، وإنما استرفد تراثه العربي الإسلامي وصب حكاياته في قوالب كاملة ومجزوءة وفي لغة نامية متدرجة مع مراحل الطفولة.(13)
وبعد ..
فالمأمول إيجاد منظومة مستقبلية للواقع الأدبي في الشرقية ، واقترح التأمل فيما رأيته لنمو الأدب وازدهاره من خلال :
 التأكيد على دور كلية الآداب في أهمية ريادة الحركة الثقافية في الإقليم نشاطاً وتوجيهاً .
 تعضيد حركة النشر والمتابعة النقدية ، وتفعيل مسابقات الأنواع الأدبية بين الشباب.
 تشجيع جميع الأدباء للكتابة في فنون أدب الطفل ، والفنون الأدبية المستحدثة كأدب الخيال العلمي ، والأدب المسرحي للندرة الواضحة في تلكم الفنون أو الأنواع .
 إيجاد آلية للترابط الحميم والتنسيق الخططي الفعال بين الدوائر الثقافية بالإقليم .
 اكتشاف وتنمية المواهب الواعدة بين طلاب كليات جامعة الزقازيق وجامعة الأزهر .
 ضرورة ( جمع أو تحقيق أو نشر ) إبداعات أدباء الشرقية بين ماض وحاضر.
 الاهتمام بطبع الشعر الشعبي العامي لأبناء الإقليم أمثال ( فريد طه – سليمان غريب – مأمون كامل – يوسف الخضري – عبدالرحمن الشامي – محمود قمحاوى ) وغيرهم .
وليغفر لي الزملاء الأدباء ، تناولي المتعجل للواقع الأدبي الشرقاوي طوال قرن كامل، بالتأريخ والتوثيق كذلك تناولي لشعر الطفولة عند شاعرين من أهم شعراء الإقليم اللذان أوقفا جانباً مهماً من حجم أدبهما العام إلى عالم أدب الطفولة بكل الوعي والفن .
والله من وراء القصد.
....................
قائمة المصادر والمراجع
(1) مجلة الثقافة الجديدة ، مقالة الواقع الثقافي في محافظة الشرقية ، د. أحمد زلط ص ص 65-71 القاهرة 1991م.
(2) المرجع السابق ص 67.
(3) السابق ، نفسه ،ص 68.
(4) مجلة الحرس الوطني ، مقالة د.أحمد زلط أدب الطفولة بين المفاهيم والأهداف ، ص33 ، 1416 ﻫ.
(5) ديوان الهراوي ، جمع وتقديم عبدالتواب يوسف ، ط1 هيئة الكتاب ، المقدمة ، ص 13 .
(6) أدب الأطفال بين كامل كيلاني ومحمد الهراوي ،د. أحمد زلط ، ص 45 ، ط1 دار المعارف 1991 م.
* ولد الشاعر محمد حسين الهراوي بقرية هرية رزنة على مقربة من الزقازيق عاصمة مديرية الشرقية بمصر عام 1885 م ، وتوفى بالقاهرة ودفن بها عام 1939 م . عمل جده معيداً للدكتور كلوت بك بعد عودته من أول بعثة مصرية لأوربا تنقل بين هرية والإسكندرية ثم القاهرة حيث أتم تعليمه العام بها ، وأتقن إلى جانب علوم العربية الفرنسية والإنجليزية ، وينتسب الشاعر إلى أسرة جمعت بين العلم والأدب فجده كان كبيراً لعلماء مصر لعهد محمد على ، وأثناء تولى الشيخ محمد شريف سليم – خال الشاعر – نظارة المعارف فعمل بها ( 1902 – 1911 م ) ثم نقل إلى دار الكتب التابعة لها – يومئذ – ورقى بدار الكتب إلى مدير الحسابات بها ، تزوج وأعقب من الأبناء فاطمة ويحيى وسارة وإسماعيل وعزة فكتب لهم وعنهم أغانيه وأشعاره كنماذج للطفولة المصرية والعربية ، نشرت أشعاره بالصحف والمجلات – لكنها لم تجمع حتى وقتنا الحاضر – غير مرة . كان من أعلام الأدباء في عصره ولمكانته الأدبية في مجاله احتفلت الدولة بالعيد المئوي لميلاده . قام بجمع نتاجه الشعري للأطفال عبدالتواب يوسف في كتاب ( ديوان الهراوي للأطفال ) تحت عنوان (ديوان هراوي للأطفال ) . جمع ودراسة .ط القاهرة 1985 م . أما أحمد سويلم فقد قدم نتاج الهراوى تحت عنوان ( محمد الهراوى شاعر الأطفال . تحقيق ودراسة . ط القاهرة 1987 م ) ومجهود الأخير ينم عن ذوق واستقصاء ، لمزيد من التفاصيل انظر : الأعلام للزركلي مشاهير شعراء العصر ج1 ص 296
(7) الأعلام ، خير الدين الزركلي ، مج 6 ،ص 106-107.
(8) منبر الشرق( ع 41/10/1946 م ) مقالة للدكتور مختار الوكيل : جحا قال يا أطفال .
(9) البلاغ ( 8/9/1931 م ) مقالة للدكتور زكي مبارك : أدب الأطفال بين الهراوي والكيلاني.
(10) انظر أيضاً : كتابنا : أدب الطفولة ( أصوله – مفاهيمه ) العربية للطبع والتوزيع القاهرة 1990 م (ط1) ط2 د.ت.
(11) أدب الأطفال بين كامل كيلاني ومحمد الهراوى، مرجع سابق ، نفسه.
* حقق الباحث ديوانه للأطفال تحت عنوان ديوان السنهوتي للأطفال ، ط1 ، ط2 1992 ، 1997 م . ، واتبعه المرحوم الشاعر بنشر ديوان ( ظمأ السحاب ) ولم ينشر به إلا نصف قصائده عام 1994 م وجميعها وردت فيما قدمه الباحث أول مرة . الباحث
(12) ديوان السنهوتي للأطفال ، مرجع سابق ، ص 17 .
(13) المرجع السابق.
(14) ظمأ السحاب ، محمد السنهوتي ، دار هديل ، 1994 م
(انتهى)
*قدم هذا المبحث فى المؤتمر الأول لجامعة الزقازيق كلية آداب قسم اللغة العربية.




رد مع اقتباس
#3  
قديم 07-14-2009, 09:36 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



(2) البطل في رواية «كائن مؤجل» لفهد العتيق
بين العجز والمُطاردة

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
............................

يميل بعض كتابنا المعاصرين إلى استخدام الرمز في أعمالهم الفنية، ويتفاوت استخدام الأديب الواحد للرمز من عمل إلى آخر ضمن منظومة إنتاجه، وكل فن حقيقي إنما هو فن رامز "واحتمال الرمز في الفن آت من طبيعته الخاصة من حيث كونه تعبيراً عما في ذات الفنان، فهو غوص في الأعماق النائية عن التحديد والتسطيح"(1).
ولا يمكن فصل الرمز عن نسيج العمل الفني أو النظر إليه باعتباره الهدف الذي يريد الكاتب أن يقدمه لقارئه، إنما هو وعي الفنان بعصره ووسيلته الفنية المتخفية القادرة على الإشارة والإيحاء، المتفقة مع وسائل التقنية في الجنس الأدبي الذي يكتبه الأديب لإحداث هدف آخر متخف يريد أن يحققه الفنان المهتم بمجتمعه، الحامل لهمومه تحت جلده حياةً وإبداعاً في عمله الفني «وهذا الاهتمام ليس معناه التعمد، فالتعمُّد عملية آلية بينما الاهتمام نابع من التفاعل حين تتركّز رؤية المبدع في أمر محاولاً معالجته بوسائله الفنية. ويأتي الناقد بعد ذلك ليُعيد الاكتشاف مُسلِّطاً الضوء على ذلك الموجود الخافي»(2).
ولأن الأدب "ظاهرة اجتماعية تتمثل في تلقي الواقع وإعادة تشكيله من خلال الصور المبدعة، فمعيار العمل الفتي الأول هو صدقه في مدى عكسه الواقع المتخيَّل بجميع مكوِّناته"(3)، ومن ثم فإننا نرى أن مدى وعي الفنان بمجتمعه الذي ينطلق منه ويُحيط به يُحدد مستوى رمزه، كما أن مستويات الرمز تختلف حسب الاتجاه الفني، أو المدرسة الفنية التي ينتمي لها الأديب، وكلما اقترب الأديب من الواقعية بدرجاتها المختلفة كان فنه أكثر رمزاً للواقع وإشارة له والتحاماً به، فأدبه في هذه الحالة "مؤسس للوعي التاريخي والاجتماعي بقدر ما هو نتيجة له"(4).
ويتمثل الرمز في رواية «كائن مؤجَّل» (2004م) لفهد العتيق(5) في ثلاثة أقسام، هي: الرمز العام، والرمز الإيحائي، والرمز التوليدي.
أ-الرمز العام:
الرمز العام في هذه الرواية هو عدم انتماء البطل ومُطاردته وعجزه. والروائي لا يصل اعتباطا أو بعفوية إلى ما يرمز إليه، في حياة البطل وسلوكه ومواقفه، ولا يُشير إلى ذلك بعبارات مباشرة، أو تقريرية، إنما يصل إلى ما يبغيه من خلال جدلية الحدث مع البطل / المكان / الزمان.
ففي هذه الرواية نجد الحدث يتصل بالمكان؛ بمعنى أن المكان لو تغيَّر ما وُجِد البطل أو الحدث!:
«يمشي في الطريق وحيداً، ثوبه الواسع يُحركه هواء لذيذ، يمشي وهو يقبض بيد ساخنة على ذكريات تنهض الآن بقوة، على إيقاع شمس العصر الذي منح جُدران هذه البيوت المُتلاصقة لون الليمون.
يمشي بطيئاً، ويُحرك بقدميه هذا التراب الراكد.
هذا هو الطريق الذي يعرفه منذ سنوات، فيه تعلّم المشي والكلام.
من هنا سوف ينفذ إلى الشارع الأسود المعروف، الشارع الأسود الصامت الذي فقد بهجته وضجيجه، ولكن أين أهله وناسه؟، وكيف فقد حياته هكذا فجأة؟!»(ص97، 98).
إننا نجد السارد يعيش في عالمه الخاص، الذي لا تؤثر فيه أية أحداث قد تُدخل السعادة أو الإحساس بالتغيير، عند غيره.
ومن ثم فإن السارد يرصد لنا ـ نحن المتلقين ـ مشاهد من حياته الداخلية (أو السرية)، التي تتآزر لترسم لنا صورة هذا البطل العاجز اللامنتمي المُطارد.
إن البطل حينما ينتقل من بيته القديم إلى بيته الجديد داخل مدينة الرياض (أو من الحي الشعبي إلى حي الصفوة)، يرصد عدم جدوى ذلك التغيير في فِقَر دالة، تُرينا أن هذا الانتقال لن يكون فيه خلاص روحه، ولن يجلب له السعادة:
1-«يشعر بغربة عميقة ورغبة في البُكاء» (ص20).
2-«دخل البيت الذي حلمت به العائلة ثلاثين عاماً، وهاهو يتحقق أمامهم الآن، لكن بلا روح» (ص21).
3-«كان يظن أن حياتهم سوف تنطلق إلى فضاءات جديدة، لكن لا سبب واضحاً لهذا الإحساس بالملل والغربة والفراغ» (ص20).م
4-«هل يشعر والدي بالغربة أيضاً في هذه الحارة الجديدة، وفي هذا البيت الواسع الذي طال انتظارنا له، شعر بكآبة عابرة وهو يفكر بحالهم، التي تُشبه شمعة على وشك الانطفاء، شمعة تُقاتل هذه الريح التي تهب عليها من كل الجهات لكي تبقى، كان يحس أن الزمن، مثل نهر قوي يريد أن يجرفهم جميعاً إلى أماكن لا يعرفونها» (ص22، 23).
أن الفقرات السابقة ترينا حيرة البطل المغترب من خلال جدلية الحدث في المكان / الزمان (أو صراع البطل في بيئته المكانية والزمانية)، ويُريد السارد أن يُطلعنا على تجليات غربته وعدم انتمائه، ولذا يُشير بعد الفقرة السابقة في بيان خطابي لا يُضيف شيئاً إلى ما عرفناه من قبل:
«وفكَّر: إنه زمن الطفرة الاقتصادية، زمن الأغنياء والأقوياء وأبناء الذوات، وليس زمن الفقراء والمرضى والحالمين، زمن الانتقال نحو عالم غامض لا يعرفون عنه شيئاً، يشعر فيه كأنه ضائع ومعطل» (ص23).
وهكذا يكون رمز عدم الانتماء (المتمثل في الإنسان الرياضي (نسبة إلى الرياض) البسيط، ابن الحي الشعبي المتواضع الذي صعقته مرحلة الطفرة، هو البطل لهذه الرواية الفاتنة، ولكنه ـ بجوار عدم الانتماء ـ ترينا الأحداث والوقائع أنه بطلٌ مُطارد(6): مُطارد من الآخر / الذي ليس عدوا يُريد أن يسلب منه وطنه، ولكنه مُطارد ـ طوال الوقت، ويا للفجيعة! ـ من داخل أسرته، ومجتمعه (قلعته الصغيرة، التي كان يجب أن يحتمي بها). ثم هو بطلٌ عاجز عن تحقيق ذاته.
يقول السارد: «الآن في نومه اليقظ، في مكتب الشيخ إبراهيم يشعر أن آباء كثيرين يُلاحقونه بوجوه مُتشابهة، ولحى كثة، يُلاحقونه. كل واحد يُريد أن يكون أباً له. آباء بعدد شوارع الرياض، يُطاردونه في هذه اللحظة. يُريدون أن يكون ملكاً لهم، كما لو أنه قطعة أرض. آباء كثيرون، وهو الحالم المريض، يريد ـ بعد أن يتجاوز مًُراهقته ـ أن يهرب منهم جميعاً، وينطلق ...» (ص31).
وربما تكون هذه الأبوية ـ الطاغية ـ وراء كل ما نراه من عجز، ومُطاردة، وعدم انتماء.

ب-الرمز الإيحائي:
وهو أن يوحي لك الروائي بما يريد أن يقوله، وهذا هو الرمز البسيط، الذي وجدناه في عدة مشاهد من الفصل الأول الذي يحمل عنوان «جسد وروح»، ولنأخذ منه هذه اللقطات:
1 ـ «في حصة الرسم بالابتدائي، رسم وجهاً لبنت بجديلة قصيرة، وقف المدرس على رأسه، ثم وضع علامة (ضرب) على رقبة البنت» (ص7).
2 ـ «مرة رسم شمساً وقمراً في لوحة واحدة.
ضحك الأستاذ:
هذا لا يحصل أبداً يا ولدي» (ص7).
3 ـ «في مسرح الجامعة مثَّل نصا مُترجماً ـ مع زملائه ـ عن الذئاب الكبيرة التي تنهب الوطن، فأغلقوا المسرح للصيانة، وحين كتب عن وخز ضميره الذي أمرضه، وأرسل ما كتبه للجريدة، قالوا لا تصلح للنشر لأنها خيالية» (ص8).
وهذه الفقر الإيحائية توحي بأن مجتمع النص الروائي غير قابل لفتوحات المخيلة (سواء أرسمت شيئاً من الواقع الممكن تصوره (كالطفلة ذات الجديلة)، أو الخيال الجامح الذي يجمع بين المتناقضات (كرسم الشمس والقمر معاً في لوحة واحدة) أو التجرؤ على النقد (كتمثيل مسرحية ترصدُ مشهد الذئاب الكبيرة التي تنهب الوطن ـ حتى ولو كان النص مترجماً؛ يتحدث عن بلاد بعيدة)!.
ولا حظ أن علامة الضرب هذه (x) تعني الشطب والإلغاء، فكأننا نضرب مخيلة الطفل الصغير، ونريد أن يكون صورة منا ـ نحن الكبار المدجنين ـ وإلا سيتم ضربه، وإيذاؤه جسديا، وإلغاؤه، وتكميم مخيلته.
هذه الإحباطات الصغيرة ـ تكون ناجحة بامتياز للإسهام في رسم بطل عاجزٍ، مغترب، لا منتمٍ، يرى نفسه دائرة الكون ومداره!، وأن العالم خارجه يقف له بالمرصاد.
ولعل اللغة المقطرة ـ التي بلا زوائد ـ ساعدت الروائي على إبراز رمزه:
«قد تكون أحلام اليقظة هي ملاذه الوحيد، إنها الجحر الآمن الذي يهرب إليه حين يشعر بالملل ورتابة أجواء الكبت المُحيطة بحياته. كان يرى أن كل شيء يسير وفق قوانين صارمة، حتى في (الكلام) مع الناس يفترض أن تقول (كذا) في الموقف كذا، ولا تقول (كذا) في الموقف كذا. بمعنى: يجب أن تحفظ لغتهم جيداً، وتعرف كيف تردد كلام الرجال (مثل الببغاء)، حتى لا يقال إنك لست رجلاً. لكن أحلام اليقظة تُقربه من ذاته الحقيقية، من ذاته المنطلقة» (ص8).
وكأنه ـ من خلال أحلام اليقظة ـ يُحاول أن يرى نفسه وقد صارت حرة تُكسِّر أغلال قيود المجتمع الذي كبّله!.

ج-الرمز التوليدي:
ويدور حول الألفاظ أو "الصور الرمزية التي تتولّد منها صور أخرى لها دلالات إيحائية ورمزية"(7). وتتآزر في هذا الرمز التوليدي الصورة واللفظة لإحداث الأثر المطلوب، وهو إطلاعنا على صورة البطل العاجز / اللامنتمي / المُطارد.
وقد ساق الكاتب عدداً من المشاهد التي تُؤكد في القارئ شعور البطل أنه مُطارد من قوى لا قبل له بها، قوى غير محسوسة وغير مرئية.
يقول في الفقرة الأولى من الفصل الرابع، الذي وضع له عنوان «يقظة غير صريحة» (ودلالة العنوان واضحة، فكأن يقظة البطل لن تكشف له عن كنه حقيقة الأشياء أو ماهيتها، أو كنه ما يريده، ولن تُحقق وجوده الحر أو قدرته على الفعل!، فهي يقظة أقرب إلى النوم، أو الهذيان):
«أغلق جهاز التليفزيون، وهو يشعر بشيء جديد يسري مع الدم في عروقه.
في الطريق إلى الغرفة كأن أكثر حزناً مما يظن.
وقف يتأمل وجهه في المرآة، وسط الصالة. كان يشعر ـ بعبث ـ أن شيئاً تائهاً عن دربه، سوف يخترق الجدار خلفه، ثم يستقر في ظهره.
ارتعد جسده ثم مال قليلاً، على إثر هذا الشعور المُباغت، رأى أنه أخفى ضحكاً مكتوماً على ما يحدث في الخارج، لكنه ظل مستمتعاً بفكرة، ذلك الشيء الضائع الذي سوف يطعن ظهره» (ص45).
وإذا كان البطلُ كما رأينا عاجزاً، غيرَ منتمٍ، مُطارداً، فمن حقنا أن نسأل عن دلالة عنوان الرواية على النص الذي انضوى تحته في هذه الرواية.
إن "كائن مؤجل" تُرينا بطلاً يعاني الوحدة والفراغ، أحلامه تتقاطع مع واقعه المتخثر. هذا البطل العاجز/ اللامنتمي/ المُطارد يُطلعنا على واقع المهمشين في حياتنا، وهم الذين لا يهتم بهم الساسة أو المؤرخون، بينما هم ـ وحدهم ـ الذين يصنعون سيرة أمتهم وتاريخها.
وإن رواية «كائن مؤجل» تدعونا للتأمُّل فيما مضى من أحداث الرواية في روية وهدوء، والتنعم بتذكّر زخم الحياة وأتراحها الكثيرة وأفراحها القليلة، لأن المقابل هو الموت، أو الجنون. فكأن فهد العتيق يُريد أن يتأمَّل (ويُريد منا أن نفتح عيوننا ونتأمّل معه) في شخصيات الهامش، وليس في المتن، وهذا هو عمل الفنان الحقيقي؛ لأن رجال المتن هم عمل المؤرخ والإعلامي (حتى إشعار قادم!).
الهوامش:
ـــــــ
(1) د. سليمان الشطي: الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ، ط1، المطبعة العصرية الكويت 1976م، ص7.
(2) السابق، ص7.
(3) د. حسين علي محمد: البطل في المسرح الشعري المعاصر، ط2، مطابع الفارس العربي، الزقازيق 1996م، ص20.
(4) السابق، ص241.
(5) الرواية صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت (2004م) في 130 ص من القطع دون المتوسط، وسنشير إلى صفحاتها داخل النص النقدي.
(6) عرضنا تجليات المطاردة في أكثر من كتاب لنا، انظر "البطل المحاصر في قصة "الخروج من غرناطة" لصالح الصياد، في كتابنا جماليات القصة القصيرة، ط2، الشركة العربية، القاهرة 2003م، ص ص137-144، وانظر كتابنا: صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية 1999م.
(7) د. مراد عبد الرحمن مبروك: الظواهر الفنية في القصة القصيرة المعاصرة في مصر (1967-1984)، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1989م، ص227.




رد مع اقتباس
#4  
قديم 07-14-2009, 09:38 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



نشرت هذه الدراسة في مقدمة الأعمال الكاملة (الجزء الثاني) لعبد المنعم عواد يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة:
ــــــ


(3) شعر عبد المنعم عواد يوسف: الرؤية والأداة

بقلم:أ.د. حسين علي محمد
..........................

(القسم الأول)
الشاعر عبد المنعم عواد يوسف (1933- … ) واحد من الشعراء الذين أسسوا لقصيدة شعر التفعيلة في الشعر العربي المعاصر، وهو مع كوكبة من زملائه: صلاح عبد الصبور، وكمال نشأت، وكامل أيوب، ومجاهد عبد المنعم مجاهد، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد مهران السيد … وغيرهم، كانوا الصوت المصري الأصيل في سيمفونية الشعر الجديد في العالم العربي.
وفي هذه القراءة التي نُقدِّم بها المجلد الثاني من أعماله الكاملة، نتوقف أمام بعض ملامح شعره الموضوعية والفنية.
ملامح موضوعية
تكشف أشعار عبد المنعم عواد يوسف المبكرة عن انتمائه للطبقات الكادحة التي تحلم بالحياة الكريمة، وإذا كان شعراء الأجيال السابقة ـ مثل حافظ إبراهيم وأحمد الزين ومعروف الرصافي ـ دعَوْا في شعرهم الاجتماعي إلى "العطف" على الفقراء والمُحتاجين والأرامل، فإن الرؤية الاجتماعية في شعر روّاد شعر التفعيلة ـ وعلى رأسهم عبد المنعم عوَاد يوسف ـ جعلتهم يكتبون عن مُعاناة بعض طوائف المجتمع، كالفلاًحين الفقراء. لكنهم لم يكتبوا من الخارج، إنما استبطنوا مُعاناتهم، وجعلوا الصّامتين يتكلمون ـ حتى لا يظل الشعراء يتكلمون بدلاً منهم ـ ومن ذلك ما كتبه عبد المنعم عوَاد يوسف في قصيدته "الكادحون"، على لسان أحد الكادحين من الفلاحين الأُجراء، الذين لا يمتلكون الأرض التي يزرعونها، والذين يغرسون القمح، ويقتاتون الطين!
يقول في المقطع الأول مصوِّراً عودة الفلاحين الفقراء من حقولهم عند مغيب الشمس، وهو يُحسون إحساساً طاغيا بالذل الذي يُحاصرهم، والهموم التي تجثم فوق قلوبهم:
الكادحونْ
عادوا إلى أكواخهمْ عندَ المغيبْ
يتعاقبونْ
عادوا، وفي نواظرهمْ ذلُّ السنينْ
عادوا، وبيْنَ ضُلوعهمْ همٌّ دفينْ
يتتابعونْ
والبؤسُ يبدو في اختلاجات العيونْ
وفي المقطع الثاني يقول إنه واحد من هؤلاء الذين توارثوا الذل ابناً عن أبٍ عن جد، وأنهم يغرسون الحقل قمحاً، ويأكلون الطين!!
وأنا أعودْ
متكاسلاً مثلي كمثلِ العائدينْ
الراكنينَ لذلِّهمْ، مستسْلمينْ
مثل الجدودْ
كانوا كذلكَ مثلَنا مستعْبدينْ
القمْحُ غرسهمو ..
ويقتاتونَ طينْ
جيفٌ ودودْ
السوْطُ يُلهبُهمْ، فلا يتكلَّمونْ!
وإذا كان الشاعر قد عبَّر في بواكيره عن أزمة مجتمعه، فإننا نراه في مراحل أخرى من حياته الشعرية حزيناً؛ لأنه لم يجد الطريق مهيئاً أمامه للشدو؛ فقد انكسر الشاعر المُعاصر أمام هذه المدينة الغليظة، الصخرية القلب، التي يضطر فيها الشاعر أن يسير مغمض العينين، حتى لا يرى ما يسوؤه:
أسيرُ في الطريقِ مُغمض العينين
أُودِّعُ التفكيرَ عندَ بابِ دارِنا
وأتركُ الشعورَ في سكونِ منزلي الصَّغيرْ
يا ويْلَهُ منْ كانَ واسعَ العيْنيْنِ في زمانْنا
يا ويْلَهُ منْ كانَ نابغاً ذكيا
يا ويْلَهُ منْ كانَ مُرْهَفَ الشعورْ
لعله ـ كالشعراء الرومانسيين ـ رأى موت البراءة في عالمنا الذي تتنازعه الصراعات المسلحة والأحقاد، ومن ثم تقوده هذه الرؤيا الفاجعة إلى ضفاف الحزن.
يقول في قصيدة "هاملت يموت أبدا" متحدثا عن اغتيال البراءة في عالمنا:
لأنَّ في زمانِنا الأطفالَ يولدونَ ميْتينْ
ويرضعون الموتَ كلَّ يومْ
فينشأون ميّتينْ
ويكبرون ميْتينْ
يملؤنا التوقُّعُ الحزينْ
… ومن ثمّ يهجو صاحبنا عصره، لأنه يرى الناس يقتتلون فيه بلا سبب، وتنشب بينهم النزاعات والصراعات التي تستعر لمدد طويلة، ويطول حزنه إذا اشتعل الصراع بين العرب، فأزهق الأرواح، وأهرق الدماء التي حرّمها الله!
يقول في المقطع الأول من قصيدة "هجائيات" (وواضح أنه كتبها بعد اشتعال الحرب اللبنانية ـ اللبنانية، وبعد تفرق العرب وابتعادهم عن مصر حينما قام الرئيس الراحل بمبادرة الصلح مع إسرائيل عام 1977، فالقصيدة تحمل تاريخ كتابتها: 1980م):
أتقتلونَ بعْضَكمْ بلا سببْ
وتنْتقونَ للَّهيبِ أجْودَ الحطبْ
وكلُّكمْ يظنُّ نفسَهُ محمَّداً ..
وكلُّكمْ أبو لَهَبْ
وتدَّعونَ أنَّكمْ عَرَبْ
إنْ كانَ منْ أراهمو أمامَ ناظري عَرَبْ ..
فقدْ كَفَرْتُ بالعَرَبْ
أجلْ .. كَفَرْتُ بالعَرَبْ
دَمُ الشَّهيدِ لمْ يَزَلْ
على الدروبِ يصْطَخِبْ
مُنقِّباً عن السَّببْ
يقولُ في غَضَبْ ..
منْ أجْلِ ماذا تُهْدَرُ الدِّماءُ أيُّها العربْ؟!
يا أيُها الذين تدَّعونَ أنَّكمْ عَرَبْ
وفي ظل هذا الجو الذي يمتلئ بالحزن تكون الصداقة هي الواحة التي يفيء إليها قلبه المتعب، ويستريح إلى ظلها الأخضر، وتكون فجيعته كبيرة عندما يفقد واحداً من أصدقائه.
يقول في قصيدة "دمعة عليه" التي يُهديها "إلى صلاح منصور .. أخي الذي فقدت":
من أيْنَ تبتدئُ القصيدهْ؟
والحزنُ يبرزُ أخطبوطاً مدَّ أذرعَهُ العديدهْ
الحزنُ يخنقني فيمتنعُ الكلامْ
الحزنُ فاجأني صباحَ اليومِ
يبرزُ منْ خلالِ سطورِ أعمدةِ الجريدَهْ
يا أيُّها الشيءُ الخرافيُّ الرّهيبْ
يا أيُّها الحزنُ العجيبْ
منْ أينَ جئتَ إليَّ في هذا الصَّباحْ
منْ ذلكَ الأحدِ الحزينْ؟!
من أينَ جئتَ إليَّ، نصلُكَ ذلك المسمومُ ..
كيفَ غرسْتَهُ في غوْرِ أعماق الضلوعْ
أوّاهُ يا قلبي الطَّعينْ
منْ أينَ جِئْتْ؟
يا أيُّها الحزنُ اللَّعينْ ..
يا زارعاً في الصَّدْرِ حقْلاً منْ جِراحْ ..
يا أيُّها الحزنُ الذي قدْ زارني هذا الصَّباحْ
منْ ذلكَ الأحدِ الحزينْ؟!
ليقولَ ماتِ أخي صلاحْ
لكن ممّا يُحمَد لشاعرنا أننا نرى في أشعاره ـ رغم علو نبرة الحزن ـ بصيصاً من أمل، وإشراقة ضوء. إنه يثق في أن الغد سيكون أفضل من اليوم ـ وهذه رؤية إسلامية ترى "أن مع العسر يسرا" (سورة الشرح: 6). يقول في قصيدة "إنه يُقبل في موعده"، متحدثاً عن الغد، الذي يفيض بالإشراق والفرح:
ارقبوهْ ..
إنّهُ يقبلُ في موْعِدِهِ
واهِمٌ منْ ظنَّهُ يُخلِفُ وَعْداً
واهِمٌ منْ ظنَّهُ ليس يجيء
إنه يُقبلُ وحْدهْ
غيرَ أنَّ الوعدَ المضروبَ مازال بعيداً، وسيأتي
دون أن ندعوهُ يأتي ..
ذاتَ يوْمْ ..
فاطْرحوا الشَّكَّ بعيداً ..
اطْرحوهْ ..
إنَّهُ يُقبلُ في موْعِدِهِ
فارْقبوهْ
غير أني كنت أتمنى أن يتأمّل الشاعر في قوله "إنه يقبل وحده، دون أن ندعوهُ يأتي .."، ولعله لو حذف هذين السطرين لكان أفضل، ففي هذين السطرين مجيء الغد الآمل، المُترَع بالإشراق والفرح، دون أدنى جهد منا.
ولكن لعل الشاعر يرى أنّنا لم نبذل ما فيه الكفاية لاستنبات زهور الإشراق والفرح في صحراء الوحدة والأنانية والحزن المحبط بأرجاء الكون، وهو مُحق في هذه الرؤية التي ترى أن الغد السعيد سيجيء، دون أن نبذل الجهد اللازم لاستقدامه.
ولعل قصيدته "النور يفترش الطريق" تُضيء جزءاً من رؤية الشاعر، حيث يرى الزارعين الذين يزرعون الحياة بالأمل، لا يجدون من يقدرهم ويحمل لهم التقدير، بل هم أنفسهم ـ الزارعون ـ جاءوا بلا مقدمات، وعلى غير موعد:
منْ أينَ يُقبلُ هؤلاءْ
منْ أينَ همْ يتسرَّبونْ
الأمّهاتُ تهرّأتْ أرحامُهُنَّ ويُقبلونْ
أصلابُ منْ يدعونهم آباءهم قدْ أجْدَبَتْ
ماتتْ خصوبتُها، ورغْم جفافِها همْ ينسلونْ
العائدونَ من الحقولِ يُردِّدون الأُغنياتْ
والزرعُ يبسمُ بالسنابلِ، والبيادرُ متخماتْ
شكراً لك اللهمَّ هذا العامُ أقبلَ بالكثيرْ
شكراً فهذا العام لم يُحلَمْ بمثْلِ ثرائهِ، ولا حلمتْ بهِ
كلُّ السنينَ الماضياتْ
والقاعدون على الطريقِ يُكوِّرونَ بُصاقَهمْ
يُلقونَهُ في أوجهِ الآتينَ ..
ما أقسى الحياةْ!!
الليلً يفترشُ الطريقَ ..
فلا بصيصَ من الأَملْ ..
عودوا إلى الحُفَرِ الكئيبةِ، هوِّموا فالليلُ آتْ
وكأنّما الحياة تُجدد نفسها، بإنجاب الأبناء الذين جاءوا رغم تهرؤ أرحام الأمهات، وجدب أصلاب الآباء. وسيبقى هناك من يندب حظه، ويردد: ما أشقى الحياة!، فكأنَّ عينيه قد عميتا عن إبصار أي بصيص من ضوء الأمل، ولهذا فهم يغنون لمجيء الظلام، ويسعدون بالخفافيش، وأغنيات اليأس، وشاعرنا لحسن الحظ ليس منها، ففي غنائياته نرى الأمل الذي يُشرق ـ دائماً ـ برغم المثبِّطات:
ويوماً ما ..
سينْقشعُ الضَّبابْ
يُطلُّ وجْهُ الصَّحْوْ
يشرق في ظلامِ الليلِ بدْرٌ
ينشرُ الأفراحَ والبشرْ
فلا تتعجَّلوا الأقْدارَ، كلٌّ في مواسِمِهِ
(يتبع)




رد مع اقتباس
#5  
قديم 07-14-2009, 09:39 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



(القسم الثاني)

الغربة وأثرها في شعره
منذ أوائل السبعينيات اغترب بعض المثقفين المصريين بحثاً عن الثروة، أو الحرية، أو فرصة العمل. ولكنّ شاعرنا الذي اغترب عقدين من الزمن في دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم اغترب نحو ثلاثة أعوام في المملكة العربية السعودية، يقول في المقطع الثاني من قصيدة "هجائيات":
مدانٌ أنا .. مثلما كلُّكمْ مدانونَ، ليس بريئاً أحدْ
تركناكَ يا وطني، نحسبُ أنَّا سنجمعُ تِبْرا
… ـ ألا ليتَ شعري ـ ومالاً لُبَدْ
ومرَّ الزمانُ وشيْئاً فشيئاً ..
نسينا البلادا
استحلْنا جمادا ..
دُمىً لا تحسُّ، نسِينا الدِّيارْ
وتركنا البلدْ
ألا فاخرجوا منْ جلودِ البراءةِ ..
ما فيكمو منْ بريءٍ .. أجلْ، لسْتُ أُعْفي أحَدْ
ومن الطبعي أن هذه الرؤية لا تنطبق على شاعرنا الذي ظل رغم غربته ملتصقاً بهموم الوطن، كما لا تنطبق على الكثرة الكاثرة من مثقفينا، ولكنه نوع من جلد الذات، واستعذاب الألم. وما يقوله في هذا المقطع يمكن أن يصف القلة القليلة من المثقفين، التي تخلع هموم الوطن عندما تُغادر ترابه.
فما زال الوطن حاضراً بشدة في قصائده، بل إن اغترابه عن الوطن جعله قادراً على رؤية التغيُّرات التي تُصيبه، كلما غاب عاماً أو بعض عامٍ، ثمَّ عاد. يقول في قصيدة "للحب وجه ثالث" متخذاً من المرأة إطاراًا، أو مفردة فنيةً يتحاور معها، معبِّراً من خلالها عن التغيير الذي أصاب المحبوبة / الوطن، وغيَّر صورتها وملامحها إلى الضد من تلك الصورة التي يعرفها. يقول في المقطع الأول:
لا، لمْ تكنْ أنْتِ ..
أقسمْتُ أَنَّكِ لمْ تكونيها
لا لا، ولمْ يكُ ملْمحٌ منْكِ ..
أو لمسةٌ فيها ..
الوجْهُ غيْرُ الوجْهِ ..
كان الوجْهُ بُستانا ..
وهذا الوجْهُ مسْخٌ كالِحٌ ..
أفعى، يطلُّ السُّمُّ منْ فيها
لا، لم تكنْ أنْتِ ..
لا، لمْ تكونيها
وبرغم أنَّ القصيدة تقترب من الغنائيات الرومانسية التي شاعت في الإبداع المصري الحديث في الأربعينيات، فإنك تجد فيها الوطن حاضراً بقوة، وتُتابع المقطع الثاني فترى جمال الأشياء الضائعة (أو المفتقدة): سحابة رحمة وندى، رحيق منى، طيب الشذا … تلك الأشياء التي يفتقدها الشاعر العاشق بعد أن صارت الأيامُ غير الأيام، وتحولت الحبيبة الجميلة إلى صورة أخرى، يُنكِرُها كلَّ الإنكار:
لا، لم تكنْ أنْتِ ..
لا، لمْ تكونيها
تلك التي قدْ أغلقَتْ في وجْهيَ البابا
هذا الصباحَ، وأدْبرتْ عنِّي
لا، لمْ تكونيها
إنَّ التي بالأمسِ صافحني ..
طيبُ الشَّذا فيها ..
كانتْ سحابةَ رحمةٍ ونَدَى ..
كان الغمامُ رضىً يُوافيها
كانتْ رحيق منىً يُباركُنا

كانتْ فهلْ يتغيّرُ الإنسانْ ..
قولي .. هلْ تغيِّرتِ
لا، لم تكنْ أنْتِ ..
لا، لمْ تكونيها
وإذا كان الشاعر في بعض مراحل تطوره الشعري قد اقترب من عوالم المتصوفة، فإن صورة الوطن لم تغب عن تجلياته الشعرية، بل ظلت ماثلةً في قصائده. ويظل الوطن هو "البحر":
هو البحُرُ عشقٌ وموْتٌ
وتُقسمُ لوْ عُدْتَ للبرِّ يوْماً ستُقلِعُ عن عشقِكَ للبحْرِ
حتى إذا ما اسْتقرَّ المقامُ
وأضْجَرَكَ العيْشُ بالبَرِّ
نفسُ الأحاديثِ، نفسُ الرُّؤى
شَدَّكَ العشقُ للبحْرِ،
عُدْتَ إلى حِصْنِهِ عاشقاً، أثقَلتْهُ التَّباريحُ
علَّقْتَ نفسَكَ فوقَ صواري السَّفائنِ
أرْسلْتَ طرْفَكَ في روْعةِ الحُلْمِ
هذا قضاؤكَ هذا اخْتيارُكَ
رحلةُ عمْركَ بينَ المماتِ وبيْنَ المَعادْ
وهموم الوطن هي قضاء الشاعر واختياره، ومن ثمَّ وجدناه في قصائده يهجو السلبيات التي تُحاصره، يقول في المقطع الثالث من قصيدة "مشاهد فوق مرآة مشروخة":
أبصرتُ القردةَ هذا اليومْ
تتجوَّلُ في أبهاءِ المسجدْ
تعبثُ بنقوشِ سجاجيدهْ
وتبولٌ على رأسِ العُبّادْ
أبعدها النّاسُ عن السجّادْ
ودعوها تعبثُ بالعُبَّادْ
لمْ ألمحْ أحداً ممتعضاً ممّا يجري
لمْ تبْدُ فرائصُ مرتعِدَهْ
لمْ يسألْ أحدٌ صاحبَهُ
منْ فتحَ البابَ لتلك القردَهْ؟
ويقول في المقطع الثالث من قصيدة "مجرد ملاحظات"، معبراً عن اختلاط القيم والمفاهيم، وعموم الحيرة والبلبلة:
عمى الألوانِ عمَّ النّاسَ في هذا الزَّمانِ ..
فلمْ تعُد تتميَّزُ الألوانُ ..
ذاب اللونُ في اللونِ
فأصبحَ أخضراً ما كانَ أحمرَ أمسِ في عيْني
وأصبح أبيضاً ما كانَ أسودَ منذُ يوْميْنِ
وشيوع هذه الهجائيات لبعض الصور السلبية التي تُطارده في فضاء الوطن، يكشف عن رؤية الشاعر المثاليّة لواقع يتخثَّر يوماً فيوماً، ويكشف عن عدم قدرة الشاعر على الاندماج في هذا الواقع الآسن ـ الذي يرفضه ـ وتكشف هذه الهجائيات عن رؤية حالمة تتجاوز ما هو كئيب وأسود، وتحلم ـ كما قدّمنا ـ بغد أفضل، سيجيء في موعده، دون أن نبذل من أجله ما يستحقه من عمل وعناء، لأننا غير قادرين على هذا العطاء المطلوب!
ملامح فنية
1-المفارقة التصويرية
تعدُّ المفارقة التصويرية إحدى السمات الفنية في الشعر العربي المعاصر، وهي إحدى الملامح البارزة في شعر عبد المنعم عوّاد يوسف، فهو أحد الشعراء الذين تبرز في شعرهم المفارقة في صورة جلية، ويمكن من خلال المفارقة عنده أن نتعرّف على إحدى التقنيات الجديدة في القصيدة المعاصرة، وهي تقنية "المفارقة"، وكيف يستثمرها في شعره الذي يغني فيه القيم النبيلة، وهموم الإنسان وأحلامه، دون غموض مفتعل أو ادّعاء حداثة مرذولة تنفصل عن ذائقتنا العربية.
و"المفارقة التصويرية" هي "إحدى السمات الفنية في الشعر العربي المعاصر، يستخدمها الشاعر لإبراز التناقض بين طرفين متقابلين بينهما نوع من التناقض … والتناقض في المفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل … والشاعر المعاصر يستغل هذه العملية في تصوير بعض المواقف والقضايا التي يبرز فيها هذا التناقض، والتي تُقدِّم المفارقة التصويرية بدور فعّال بإبراز أبعادها"( ).
ويُمكن إدراج أنماط المفارقة عند الشاعر في أربعة أنواع، هي: المفارقة الجزئية، ومفارقة الموقف، ومفارقة العنوان، ومفارقة السياق (وسنتناولُها في دراسة مُقبلة،مفصلة)، لكننا هنا سنتوقف أمام بعض قصائده التي تتجلّى فيها "مفارقة السياق":
ويُقصد بمفارقة السياق أن المفارقة قد تمتد لتشمل سياق القصيدة كاملاً، فكأن القصيدة تقوم على مفارقة سياقية كبيرة، ومن هذا النوع قصيدة "أنت بعثتني":
وحينما أغمضْتُ عيْنيّا
أستقبلُ الموْتا
أتيتَني أنتا
تبدو المفارقة من المقطع الشعري الأول، فالشاعر يغمض عينيه بعد مجاهدة ومكابدة لم يُرد أن يحدِّثنا عنها، ولكنه بدأ مقطعه الشعري بالواو، وكأنه يكمل كلاماً (مسكوتاً عنه في النص) دار في داخله، إنه ينتظر الموت يأتيه، وفي استخدامه "أستقبل" ما يبدو وكأن الموت أمل حبيب، سيخلِّصه من معاناة طويلة، فنحن لا نستقبل إلا الأحبة والأصدقاء ومن نحب، ولكنَّ شخصاً مباغتاً يحضر ليبعثه من جديد (وكأنه كان مات بالفعل!).
ومن المقطع الثاني تتضح المفارقة بين الخطر الذي كان يتهدَّده، والإنقاذ الذي ساقه الله على يدي هذا "الزائر" المنقذ:
يا مُنقذي:
من أينَ أقبلْتا ؟
أنا كلُّ ما أدريهِ أنَّكَ حينما جئتا
وطرقتَ بابي
كنتُ قدْ أغمضْتُ عيْنيّا،
أستقبلُ الموْتا
فبعثْتني أنْتا
لما طرقتَ البابَ
كنتُ أظُنَّكَ الموْتا
تمتمْتُ: أهْلاً بالخلاصِ أتى!!
مضيْتُ لأفتحَ البابا
رباهُ!!
لا، لمْ يكُ الموْتا
هذا الصَّبوحُ الوجْهِ، هذا المجتلى سمْتا!!
ويجيءُ صوتُكَ دافئَ النبراتِ،
يشجبُ ذلكَ الصَّمْتا
- هلاّ سمحْتَ لنا ؟!
- يُشرِّفُ نورُكَ البيْتا
يستخدم الشاعر في المقطع الثاني "التبقيع"، وهو أن الفقرة التي وردت في المقطع الأول وجدناها في المقطع الثاني بألفاظها نفسها تقريباً، لكنه أضاف ملامح أخرى( )، منها دهشته لمجيء هذا القادم الذي أعاد إليه نسغ الحياة "من أينَ أقبلْتا؟"، وكأن اليأس كان يحيط بأقطار روح الشاعر فلا تنتظر أملاً ولا نجاةً فإذا به تُشرق النجاةُ أمام عينيه.
وتتضح ملامح المفارقة في أن الشاعر كان ينتظر الموت، فإذا به يجيئه الخلاص (بالحياة وليس بالموت) دون سعيٍ منه:
كنتُ قدْ أغمضْتُ عيْنيّا،
أستقبلُ الموْتا
فبعثْتني أنْتا
لما طرقتَ البابَ
كنتُ أظُنَّكَ الموْتا
تمتمْتُ: أهْلاً بالخلاصِ أتى!!
مضيْتُ لأفتحَ البابا
رباهُ!!
لا، لمْ يكُ الموْتا
هذا الصَّبوحُ الوجْهِ
إن هذا الذي يحلم بالموت خلاصاً يجيء له الخلاص في الحياة؛ الحياة المعشبة المانحة، التي تحوِّل الحياة إلى حديقة غنّاء في جو معطِّرٍ صحوٍ، فكأنَّ الزَّائر / المُخلِّص أعاد هذا اليائس الذي ينتظر الموت إلى الجنة القديمة التي خرج منها أبونا آدم:
ودخلتَ ..
شاعَ الصَّحْوُ،
ذاع العطْرُ ..
أودعَ خطوكَ المغداقُ كلَّ حنيَّةٍ نبْتا
الزهرُ في الدِّهليزِ، في الحجُراتِ،
يطْلُعُ أينما سِرْتا
ورداً ونسرينا،
ندىً كُنتا
ومكثتَ عندي مثلما شئتا
ورحلْت عني وقتما شئتا
خلّفْتَ عندَ رحيلِكَ البُرْءا
وتركتَ روحَكَ تمْلأُ البيْتا
ولعلنا لاحظنا في هذا المقطع المفردات التي تشير إلى الحياة المبهجة التي أدخلها الزائر، ومنها: الصحو، العطر، المغداق، الزهر، ورداً ونسرينا، ندى …
لقد كان مجيء الزائر إيذاناً بولادة جديدة تركت أثرها في البيت المقبِض الذي كان ينتظر الموت:
أودعَ خطوكَ المغداقُ كلَّ حنيَّةٍ نبْتا
الزهرُ في الدِّهليزِ، في الحجُراتِ،
يطْلُعُ أينما سِرْتا
ورداً ونسرينا،
ندىً كُنتا
إن البيت لم يعد ـ بعد رحيل الزائر ـ كما كان من قبل، لقد تركه يضج بالبُرء والحياة:
خلّفْتَ عندَ رحيلِكَ البُرْءا
وتركتَ روحَكَ تمْلأُ البيْتا
ومن خلال "التبقيع"، تعود القصيدة دائرةً إلى ما بدأت به، لكنَّ النهاية هذه المرة غير البداية الأولى؛ فقد رأينا الحياة التي أودعها في البيت اليائس، وصاحبه. ومن ثمِّ فنحن نقرأ المقطع الأخير وكأنه امتنان وشكر لهذا الزائر الجميل ـ الذي لا يعرف الشاعر من أين أتى ـ وكأنه رسول السعادة والحياة!:
يا مُنقذي:
من أينَ أقبلتا ؟!
أنا كلُّ ما أدريهِ أنَّكَ حينما جئتا
وطرقتَ بابي
كنتُ قدْ أغمضْتُ عيْنيّا،
أستقبلُ الموْتا
فبعثْتني أنْتا
وفي قصيدة "صور" يقدِّم لنا الشاعر ثلاثة مشاهد تبين قدرته على التقاط الشعري من النثري، وفي هذه القصائد يُقدِّم الشاعر ثلاث صور للزيف، وخواء الرحلة التي تكون غالباً بلاهدف، والخداع الذي نراه يُحاصرنا أنَّى توجَّهنا، حتى فيما لا نتوقَّعه.
يقول في المقطع الأول:
حينً أَمَمْتُ المسجدَ
كانَ الكلُّ يُصَلِّي
إلاّ هذا الواقفَ في الصَّدْرِ إماما
كانَ يقولُ كلاما
يُلقيهِ قعوداً وقياما
نفسٌ فارغةٌ من تقوى اللهِ
ورأْسٌ يتفصَّدُ أرقاما
إنها صورة جميلة تنبض بالمفارقة، وتكشفُ عن صورةٍ قدْ نراها في واقع حياتنا، فنستنكرُها؛ فمن المفترض أن يكون الإمامُ قدوةً للمصلِّين، لكنّ شاعرنا أبصر المأمومين يقومون بشعيرة الصلاة في خشوع، ويُقبلون عليها إقبالا يكشف عن التقوى والإيمان، لكن إمامهم ـ المفترض فيه أن يكون قدوةً لهم ـ ليس على هذه الدرجة المطلوبة من التقوى والخشوع، إنه يقبل على الصلاة في جمود، عرفنا ذلك من قول الشاعر عنه:
كانَ يقولُ كلاما
يُلقيهِ قعوداً وقياما
إن كلمات الله التي "يُلقيها"، وكأنه يريد أن يتخلَّص منها، ووصف القرآن بأنه "كلام"، هنا يخلع الشاعر عنه صفة القداسة من نفسِ هذا الإمام / التاجر.
من المفترض على هذا الإمام (الذي جعل من نفسه إماماً) أن يتلوَ آيات الله في خشوع وإنابة، ومن المفترض أن تتسلّل هذه الآيات البينات إلى روحه، فتضفي عليها نوعاً من السكينة، لكن هذا الإمام / التاجر يُلقي الكلمات في آلية كأنها كلام عادي. والشاعر بهذا النصَّ القصير المُكَثَّف يقنعنا أنه رأى تاجراُ تزيّا بزيِّ الإمام، ومن هنا تأتي هذه المفارقة الفاتنة. وكأن القصيدة تدعونا أن نبصر أكثر من ذي قبل، وأن نرى الأشياء على حقيقتها، وألا ننخدع بالمظاهر، وأن نُحاول أن نرى ما وراء ظواهر الأشياء من حقائق كامنة أو مستترة.
لقد استطاع الشاعر أن يلتقط من نثر الحياة اليومية مشهداً واحداً بسيطاً ذا بعدين، ظاهري وباطني، عبّر به عن إدانته للخداع، ولكل شيء خادع في حياتنا، خارج وداخل النص معتمداً في ذلك على الطاقات الدلالية اللغوية لخدمة نصِّه المنجَز.
ويقول في مقطع آخر عن الخداع والزيف الذي يستشري في نفوسنا، لعدم قدرتنا على الرؤية الحقيقية، وكأنه يُدين "الأنا" هنا ـ لا الآخر ـ فهو الذي فاجأه السِّحْرُ الكامنُ في عيْنيْ هذه الحسناء المبتسمة، وهو الذي رآها تبتسم، فظنها تبتسم له، وكان هذا الظن غير حقيقي:
فاجأني السِّحْرُ الكامنُ في عيْنيْها
أقبلْتُ عليْها،
وأنا مجْذوبٌ بالبسمةِ في شفتيْها
لم أكُ أحسبُ أنَّ فتاةً ..
تملكُ هذا الحسنَ ستبسمُ يوْماً لي ..
لكنْ حينَ وصلْتُ إليْها،
خلَّتْني ومضَتْ.
كانَ ورائي منْ تبسمُ لهْ
إن المفارقة في شعر عبد المنعم عوّاد يوسف تكشف لنا عن شاعر محب للحياة، تسوؤه رؤى الزيف والخداع التي تستشري في حياتنا، فتُسهم قصائده في اكتشاف ظواهر الزيف والخداع لتعود للحياة بهجتها، وتصبح جديرة بالحياة. وهكذا كان وراء "المفارقة" رؤية بصيرة، وليست حيلة فنية تُجمِّل القصيدة فحسب.
(يتبع)




رد مع اقتباس
#6  
قديم 07-14-2009, 09:40 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



القسم الثالث)
..................
2-جمالية السرد
تتواشج فنون الأدب، وتتداخل وسائطها الفنية، فنرى القصة تستعير المشهد السينمائي، والتقطيع، والحوار المسرحي، واللغة الشاعرة. ونرى الشعر يستعير من السينما التقطيع السينمائي، والفلاش باك، واللقطات المركزة الموحية. ويستعير من القصة القصيرة بعض ملامحها الفنية في الحكي، والعقدة، وتعدد الأصوات، ولحظة التنوير.
وفي شعر عبد المنعم عواد يوسف نرى إفادته من بعض تقنيات السرد القصصي. ففي قصيدة "إنه يُقبل في موعده" نراه يكتب الأقصودة (وهي القصيدة ـ القصة القصيرة)، وتبدأ القصيدة بهذا المشهد:
ذات ليْلهْ
جاءني
دقَّ على بابي برفقٍ
حينما أبصرتُهُ بالبابِ غَشَّاني الفَرَحْ
لم أكدْ أُبصرُهُ حتّى اخْتفى
لمحةً .. وانْصَرَفا
إن هذا المشهد السردي يكشف عن عنصر القص في هذه القصيدة، والأفعال: دق، غشاني، أبصره، اختفى، انصرف: تكشف عن الطابع السردي الذي احتوي النص، والذي بدأ بشبه الجملة: "ذات ليلة"، ليُحدِّد السارد الوقت الذي تخلد فيه النفس إلى السكينة، وتتأمّل في أحلامها التي تحققت، وأمانيها المُجهضة، ورغباتها التي تتوق إلى تحقيقها.
وينتظر القاص / الشاعر هنا صديقه، لعله الحب، لعله السلام .. أو لعله قيمة من القيم التي تُناضل البشرية من أجلها، كالعدل والحرية، والسعادة! ومن ثم فإنه يصور حضور ذلك المُنْتَظَر (بفتح الظاء) الذي تشوّق إليه الشاعر حضوراً يشبه حضور الأطياف:
دقَّ على بابي برفقٍ
لم أكدْ أُبصرُهُ حتّى اخْتفى
وتقوم اللغة الشاعرة مع السرد بتحويل النص من سردي نثري إلى شعري شفاف، وكأننا نرى الحياة من وراء ستارة (وهذا عين ما تفعله لغة الشعر في المسرحيات الشعرية ـ أيضا ـ مهما كانت قضاياها ساخنة، ومهما كانت موضوعاتها مستمدة من كتب التاريخ أو منتزعة من الحياة، ومشتبكةً معها).
وأحياناً تكون اللقطة السردية مُفتتحا لنص كما نرى في قصيدة "الظلال":
طغت الظلالُ على الظلالْ
الظلُّ يزحمُ بعضُهُ بعضاً ..
ويلتهمُ المجالْ
ما عادَ منْ شيءٍ هنا غيْرُ الظلالْ
الظلُّ يزحفُ ما يزالْ ..
الظلُّ بالظِّلّ استطالْ
الظلُّ يلتهمُ الرجالْ
ويتكون النص بعد ذلك من ثنائية سردية غنائية، حيث تتلو المشهدَ السريَّ أبياتٌ غنائية، وتظل هذا الثنائية حتى ينتهي النص.
وهناك ملمح سردي في نصوص أخرى، يتمثّل في عدد من اللوحات المتوازية، وكل لوحة تُضيف بُعداً آخر للوحات السابقة، حتى يتم رسم المشهد. ومن ذلك قصيدة "مرثية نهر كان يضج بالحياة"، ففي المقطع الأول يصور ضفتي النهر الضيقتين بقيدين يلتقيان في عنف حول مجرى النهر، وكأنهما يدان ضخمتان تخنقان النهر، فيُحاول بكل قواه أن يتخلّص منهما ليحتضن البحر:
صوتُ انكسار البحر عندَ المُنحنى الصخريِّ
مُرْتَدٌّ بأعماقي صداهْ
والنهرُ ضاقتْ ضِفَّتاه
قيْدان يلتفّانِ في عُنْفٍ على عُنُقٍ تضِجُّ بها الحياةْ
فيظلُّ يهْدِرُ رغمَ عُنْفِ القيْدِ، ما كلَّتْ قواهْ
غَرزَ الأظافرَ في نتوءِ الصَّخِرِ لمْ تضْعُفْ يداهْ
يطْغى حنيناً للخروجِ من الإسارِ،
.. إلى احتضانِ البحْرِ كمْ حلمتْ رؤاهْ
هذا الحنينُ إلى انفساحِ الأفقِ منْ يدري مداهْ؟!
وكل مقطع تنويعة أخرى موازية، لتكتمل صورة موت النهر، حتى نراها جلية في المقطع الأخير:
مدت إليه يد المنونْ
الصَّمْتُ عانقَ كلَّ شيءْ
وحشٌ كئيبُ السَّمْتِ يمْرُقُ في الظّلامْ
اغمضْ عيونَكَ كيْ تنامْ ..
اغمضْ عيونَكَ كيْ تنامْ ..
فالنَّهْرُ ذابَ ولنْ يعودْ
ما عادَ إلاَّ صفحةً جوفاءَ في سِفْرِ الوجودْ!
ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائد عبد المنعم عواد يوسف من مشاهد سردية، يسوقها في لغة سلسة عذبة، رأينا نماذج منها في المقتطفات السابقة، ممّا يجعلنا نتساءل في النهاية:
لماذا لم يُجرِّب شاعرنا عبد المنعم عوّاد يوسف كتابة المسرحية الشعرية، وهو يمتلك هذه المقدرة السردية؟ ولماذا لا يُجرِّب كتابتها في المستقبل؟، فأكاد أثق يقيناً أنه سيكتب نصوصاً مترعةً بالجمال، وأنّنا سنكسب شاعراً مسرحيا متميِّزاً يُضيف إلى رصيد المسرح الشعري صوتاً عذباً، كما أضاف رصفاؤه: صلاح عبد الصبور، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد مهران السيد، وأنس داود.




رد مع اقتباس
#7  
قديم 07-14-2009, 09:44 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



(4)اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية الاتجاه الساخر

بقلم: د. عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري
كلية اللغة العربية ـ الرياض
قسم الأدب
............

أخذ حسين سرحان من الصحراء نقاءها ووضوحها، فدعا في مقالاته الاولى الى المكاشفة والوضوح، والكتابة بالاسماء الصريحة، وتجنب الكتابة بالاسماء المستعارة (1)، وربط بين الصراحة والرضا عن النفس فقال: "ما من شيء أدعى الى اطمئنان النفس من الصراحة، لأن الانسان اذا صرح ولم يحجم يحس في اعماق نفسه برضاء عميق لشعوره بأنه قام بمهمته الملقاة على كاهله خير قيام" (2).
وتبعاً لذلك مضى يكتب بصراحة وجد ووضوح ينقد ويهاجم ويحلل ويلاحظ بأسلوب جاد مباشر، فنتج عن ذلك صراع مع عدد من مجايليه من الادباء، ومناوشات ونقاش حاد في كثير من الاحيان مع عبدالقدوس الانصاري، ومحمد حسن عواد، وعبدالكريم الجهيمان، واحمد عبدالغفور عطار، وغيرهم، فآلموه كما آلمهم، وعنفوه كما عنفهم، وتهكموا عليه كما تهكم بهم.
ومن هنا وجد السرحان نفسه بلا اصدقاء، وفوجئ بعواقب الصراحة التي نادى بها، وشعر بأن الناس يحملون في دواخلهم نفوساً مرهفة لا تتحمل النقد المباشر، ولا ترتاح للمناصحة والصدق، وتفضل المجاملة على الصراحة.
ولم يخف السرحان صدمته من المجتمع ونفوره من المصارحة، فشكا في اكثر من مقالة من ذلك، فها هو يقول: "ان كثيراً من ادبائنا يضيقون ذرعاً بالنقد، فما يكاد يصوب الى أحدهم سهم خفيف حتى تثور به ثائرة عجيبة من نفسه، فيأخذ القلم ويسف الى حضيض الطعن والتجريح والحط من الكرامة وترذيل الاخلاق" (4).
وابدى تألمه من قلب الحقائق بأن يتحوَّل النقد الى تشهير فقال رداً على مقال لزميله احمد عبدالغفور عطار: "النقد عند الناس نقد، فيه تقوم الكتب والمواهب، وتعرف منازلها، وتحدد مراتبها.. ولكنه عند الأستاذ العطار تشهير" (5).
وبعد التأمل وصل الى نتيجة خلاصتها ان الذين يضيقون بالنقد ليسوا أسوياء فقال: "النقد - مهما كان - لا يثير ولا يغيظ إلا من يصيب منهم مواقع النقص، ويلمس فيهم اوتار الضعف، ويكشف عن مكامن العار من نفوسهم.." (6).
ووسط هذا الاحباط الذي وجد السرحان نفسه فيه، اخذ يتأمل ويفكر ويراجع ويدفن رأسه بين الكتب ينشد منها الغذاء الروحي والسلوى، واذا بالحرب العالمية الثانية تدق طبولها، وتدوس بأقدامها الصحف والمجلات، فتتوقف واحدة اثر اخرى، واذا بالسرحان وجيله بلا وسيلة نشر، فكان توقفاً اجبارياً لمدة اربع سنوات ( 1361- 1364ه)، وفرصة لمراجعة النفس وصقل الموهبة وتغذية الروح بالقراءة المكثفة.
ويظهر ان فترة التوقف هذه كانت سبباً لاستكمال ادواته الفنية، والاستقلال بشخصية ادبية مميزة واسلوب جديد في الكتابة، فكان الاسلوب الساخر هو المنفذ الى اظهار أفكاره.
ويبدو ان الشحن النفسي والقلق والجد الذي خلفته الحرب واجواؤها في نفوس جيل السرحان، جعلتهم يتوقون الى ما يسلي نفوسهم ويرققها ويهذبها ويجلو صدأها مما ران عليها، فكان المنفذ المتاح القراءة في الكتب غير الجادة التي تسخر من الحياة والاحياء.
وإذ اطال السرحان النظر في كتب الاقدمين والمحدثين، وفي الكتب المترجمة والمعربة لأدباء من الشرق والغرب، شده واستوقفه الاتجاه للتبسط والاضحاك، او النقد المغلف بالسخرية والتهكم، او بالدعابة والفكاهة.
ومن هنا صادفت كتب ابن المقفع بنقدها الرمزي على ألسنة الحيوانات، وكتب الجاحظ بصرائفها وسخرياتها هوى في نفسه، واصبحت متعته ان يقرأ لهذين:
أحادث فيها (الجاحظ) الفذ تارة
وآونة أصغي الى (ابن المقفع) (7)
وبلغ به الاعجاب بالجاحظ ان وصفه بأنه "أديب العربية الاول" (8)، ثم قرأ لآخرين مثل ابي حيان التوحيدي، حتى اذا وصل الى العصر الحديث قرأ لأحمد فارس الشدياق وابراهيم عبدالقادر المازني، ومن الغربيين اعجب أشد الاعجاب ببرنارد شو (9)، فتكونت لديه تدريجياً ملكة السخرية، واتخذها اتجاهاً لا يحيد عنه في شعره ونثره (10).
ولعله قبل ذلك كان يعيش صراعاً بين الصراحة التي جربها فلم يفلح، والمجاملة التي لا ترتاح اليها نفسه، فرأى ان يجمع بين محاسن هذه ومحاسن تلك في قالب ظاهره السخرية بالنفس والمجاملة والدعابة، وباطنه الصراحة والنقد اللاذع، ولكنه غير الجارح، لانه - في الاغلب - لا يتجه الى اشخاص محددين، ولا يذكر اسماء معينة، بل ربما قرأه من تنطبق عليه الاوصاف فأفاق من غفوته دون ان يبدي غضبه من الكاتب.
وانطلق في سخريته وفق منهج وفلسفة تقوم على السخرية بالنفس اولاً، ثم السخرية بالآخرين، فإذا ما رفع سوطه بدأ بجلد نفسه (11)، ومن آرائه في هذا الجانب ان "ابلغ ما يذهب بالساخر ان يسخر من نفسه" (12).
ومع ما تشكله المقالات الساخرة في ادبه من نصيب كبير يربي على الربع فإن ذلك لا يعني ان السرحان كاتب فكه هازل تجري في دمه الفكاهة و"خفة الدم"، بل هو كاتب جاد كل الجد، ويحمل في ذاته الرغبة الشديدة في الاصلاح والتقويم، حتى ليصفه الدكتور معجب الزهراني بأنه "ليس كاتباً مهنته الفرح او التبشير بالمستقبل الزاهر" (13).
وفي هذا السياق نراه يقول في مقال مخطوط عنوانه "في آخر العمر" محبطاً: "شهرتي في الادب ما هي، انها قصاصة من الورق نفخت فيها وأطرتها مع الريح ولن آسف عليها. ويبقى ما دمت حياً حسين سرحان (الروح) الروح الذي يطمح في اصلاح المجتمع فلا يجده.. عندئذ ينعزل حسين سرحان عن مجتمعه".
ومن هنا جاءت سخريته ممزوجة بالرمز وحادة ولاذعة احياناً، وراقية في مستواها اللغوي لا تعتمد على الدارج من الالفاظ، او المبتذل من المفردات التي تبعث على الضحك، بل صاغ كل ذلك في قالب رفيع متميز.
ومع ظهور السخرية في ادب عدد من الكتّاب السعوديين الرواد من مثل: حمزة شحاته، واحمد السباعي، واحمد قنديل، فإن السرحان تميز من بين هؤلاء ببروز هذا الاتجاه في ادبه، وبالالحاح عليه، ونقد الظواهر الاجتماعية غير الزمنية، فظهرت اصالته وتميزه.
ومما يؤكد ذلك انه قلما ترجم أحد له، او درسه، او استدعى ذكرى معه دون ان يشير الى ظاهرة السخرية في أدبه.
ولعل أول من اشار الى هذه السمة، حمد الجاسر في تقديمه للطبعة الاولى من ديوانه "أجنحة بلا ريش" الصادر في عام 1389ه حيث قال: "للشاعر اسلوب في النثر يكاد يكون متميزاً، يقوم على أساس من السخرية التي لا تجرح العاطفة، بل قل ان يدركها القارئ السريع" (14).
وبقي نثر السرحان، وعلى الخصوص مقالاته، مدفونة في بطون الصحف والمجلات بإهمال من صاحبها، فغفل عنها الدارسون والباحثون، الى ان قيض الله لها يحيى بن جنيد (الساعاتي)، فاستخرج منها ما يزيد على خمسين مقالة وقصة ونشرها عام 1400ه في كتاب تحت عنوان "من مقالات حسين سرحان"، فابتدأ منذ ذلك التاريخ الاهتمام بالجانب النثري عنده، وتوالت المقالات والدراسات، وان كانت في مجملها موجزة، ولكنها على أي حال لفتت الانتباه الى السرحان الناثر (15)، مما حمل علي جواد الطاهر - رحمه الله - على المطالبة بدراسة نثره وشعره بوصفهما جزءاً لا يتجزأ، وعن ذلك يقول: "من يقرأ "من مقالات حسين سرحان - النادي الادبي، الرياض 1400- 216ص" يكتشف في الشاعر كاتباً شاعراً من نمط خاص، يتكامل فيه الفنان، ولن يدرس - بعد اليوم - شاعراً منفصلاً عن المقالي" (16).
ولعل من أهم الدراسات المبكرة لهذا الكتاب، دراسة الدكتور محمد بن سعد بن حسين التي نشرها عام 1400ه في مجلة الدارة، ثم اعاد نشرها في كتابه "كتب وآراء" في العام الذي يليه (17).
ويهمنا في هذا المقام تحليله لظاهرة السخرية ودوافعها عند السرحان، وهو ما ينفرد به - تقريباً - من بين الدارسين والناقدين، فنراه يصف هذه الظاهرة فيقول: "حين تقرأ الكثير من مقالات حسين سرحان، وبخاصة تلك التي عالج فيها بعض امراض المجتمع تجد ان حديثه يمتزج بسخرية لاذعة، ولكنها مترفعة لا تسف الى حد اضحاك الناس، وانما هي من ذلك النوع من السخرية التي تنبه العقل بما يشبه الصدمة الكهربائية" (18).
ويضع يده على اتجاهه في السخرية، وتدرجها من السخرية بالنفس الى السخرية بالآخرين في قالب غير مباشر، واضعاً نفسه كبش فداء فيقول: "يعمد كاتبنا حيناً الى نقد اخلاق الناس وعاداتهم ومحاولة توجيهها الوجهة الصالحة، فلا يجرؤ على مصارحتهم، بل يجعل من نفسه كبش فداء، أي انه ينسب هذه الاخلاق الى نفسه قاصداً في ذلك انتزاعها من نفوس الآخرين.. و حين يقصد الى النيل من شخص، فإنه يناله عن طريق لا يستطيع أحد ان يقول عنه: انه مسف، ولكنه مؤلم أشد الايلام" (19).
وبينا استوقفت هذه الظاهرة ابن حسين، مضى يتلمس دوافعها، ومن ثم خلص الى تحديد اسباب ثلاثة:
أولها: ان هذا اللون من الاساليب يجتذب القارئ اليه، وفي هذا كسب كبير لمن يهدف الى اصلاح ما اعوج او فسد من اوضاع المجتمع، ولاشك عندنا ان هذا من اهداف اديبنا كما تشهد به مقالاته..
وثانيها: انه يجد في هذا الاسلوب متنفساً يقذف من خلاله ما تضطرم به نفسه ازاء تصرفات بعض الافراد.
وثالثها: انه كثيراً ما أودع في تلك المقالات الساخرة آلام نفس سمت بها عزتها وانفتها عن الثرثرة في المجالس وعن محاورة الآخرين فيما يصدر منهم في حقها من اخطاء (20).
وفي سياق دراسته لشعره، ألمح الباحث احمد المحسن - رحمه الله - الى هذه الظاهرة كاشفاً مزاياها فقال: "يلحظ في هذه المقالات جميعاً انه يسمها بميسم الذاتية حيث تجد نفسه في كل زاوية منها، وهذا ما جعل عنصر الصدق غالباً عليها، كما ان معظمها يتميز بعمق التفكير والنظر في النفس الانسانية وما فيها من عيوب وسيئات، وتتميز ايضاً بجودة التناول حيث يعرض المعنى من بعيد، فيلامس الاخطاء الاجتماعية ولا يعرضها عرضاً مباشراً خطابياً - إلا في النادر - مما يجعل القارئ لا يشعر بثقل النصيحة ووطأة القول" (21).
وممن عنوا بتفسير الاتجاه الساخر عند السرحان بشكل خاطف، محمد حسين زيدان - رحمه الله - حيث ارجع ذلك الى الاحباط والبؤس فقال: "أما السخرية فهي من مرارة ما ذاق! لقد ذاق المرارة حسين سرحان حيث لم يعجبه الشيء الكثير فانحاز الى نفسه واصبحت السخرية هي زاده ومعاده" (22).
ووصفه عبدالله الجفري بأنه "أحد الذين يجسدون امتداد المعرفة والأدب الجاد والساخر منذ اكثر من ستين عاماً ونيف" (23).
وتربط الدكتورة خيرية السقاف بين السخرية والرفض فتصفه قائلة: "حسين سرحان الساخر الحانق، الصامت الرافض، كانت له فلسفة كشف عنها حرفه، تنم عن فكره... مبدأه الصدق والتجرد، ووسيلته الوضوح والمباشرة في غير كشف يجرح شفافية الفن" (24).
ويبسط الدكتور عبدالمحسن القحطاني ملامح سخريته ومحاسنها فيقول: "أضفت على حديثه وقعاً في النفس، وايصالاً مباشراً للسامع بحيث يتخلص الاسلوب من حذلقة اللغة ورص الكلمات الى حركية النص وتناغمه مع بعضه، فكانت سخرية تربط السامع بالنص، وتجعله يلاحقه ملاحقة عجيبة، لأن السخرية تعطي عنصر المفاجأة والدهشة او المفارقة التي تحدث هزة عند السامع" (25).
ويصف الدكتور محمد العوين سخريته بأنها مرة حزينة وتنزع الى نقد الذات فيقول: "العجيب في شخصيته ان السخرية المرة الحزينة لا تفارقه، ولا ينساها في جل ما يكتب"، و"نقد السلوك الاجتماعي يجيئ - احياناً - من نقد الذات نفسها، فحسين سرحان لا يدع شاردة او واردة من صفاته التي يعيبها حتى يراها حقيقة بالتفنيد.. فالسخرية هي أنسب ما يتأتى الى ذهن الكاتب من طرائق لعلاج ما يراه شاذاً او معوجاً، فهو يعتقد الا جدوى ترجى من الحياة على النحو الذي عاشه" (26).
وكثيرة هي الاقوال عن الاتجاه الساخر لديه، فلعلنا نؤجل بعضها الى الفصل القادم عندما نتحدث عن آراء النقاد والباحثين في نثره.
وفي ظني ان ظاهرة السخرية في أدبه بشكل عام تستحق دراسة مستقلة، او يكون نموذجاً ضمن دراسة عامة تدرس السخرية في الادب السعودي، لانه يعد بحق موطد اركان هذا الاتجاه في الادب السعودي، وصاحب مدرسة متميزة فيه، وتأثيره - وهذا هو المهم - واضح في أساليب عدد من الكتّاب السعوديين الساخرين مثل: غازي القصيبي، وعلي العمير، ومحمد الحمدان، وغيرهم.
وربما كانت ظاهرة السخرية اقل بروزاً منها في قصصه ومقابلاته عنها في مقالاته، ولعل السبب يعود الى قلة ما بين أيدينا من القصص، والى نزوع المحاورين في المقابلات الى الاسئلة الجادة التي لا تحتمل السخرية وتتطلب اجابات مباشرة.
ومن الامثلة على سخرياته في القصة، تصويره (الكاريكاتوري) لشخصية مسعود في قصة "الصياد والسمكة" فهو من طول معاشرته للصيد مدة تزيد على اربعين عاماً "اصبح سمكة ناطقة تسير على قدمين آدميتين، ولها مثل وجه الآدمي ايضاً مع بعض الانحراف المحسوس الى عرض الوجه بدلاً من طوله.." (27).
ومثل ذلك ما جاء في قصة "حلم غريب" التي يحلم فيها البطل رشاد بأنه اصبح اذن حمار، ويأتي التفسير غير متوقع ملفوفاً بسخرية هازلة مرتبطة بالحلم: "وتزوج رشاد في ظروف لا يملك معها دفعاً ولا منعاً وانجب اكثر من خمسة بين ذكور واناث، وقر عيناً بعد ذلك، فإنه لم يعد اذن حمار، ولم يقنع كذلك بأن يكون حماراً كاملاً.. ولكنه امسى.. اصطبلاً للحمير!؟" (28).
وفي المقابلات الصحفية نراه يسخر من نفسه وأدبه، فلقد سئل عما اذا كان يحتفظ بانتاجه الادبي فقال: "اذا نقصت الدنيا من انتاج المدعو حسين سرحان مع تحياتي اليه فماذا تنقص الدنيا؟" (29).وقد تكون السخرية ممزوجة بالجد والايجاز في العبارة، ومن ذلك اجابته عن سؤال عن مشكلة الزنوج والتي جاءت على النحو التالي: "المشكلة لن يحلها إلا قانون واحد هو ان يغير السود جلودهم، ويغير البيض ما بعقولهم" (30).
وله اجابات يمتزج فيها الظرف بالسخرية من نحو قوله مجيباً عن سؤال نصه: "ما الذي لا ترتاح له في المرور؟"، قال: "المرور مرتاح مني، فأنا لا أعرف السيارات إلا بألوانها فقط" (31).
ومما يمثل به على السخرية في مقابلاته، اجاباته الموجزة عن اسئلة لمجلة اليمامة عام 1409ه ، ومنها نختار الاسئلة والاجوبة التالية:
7أين تحب أن تعيش؟
- لو لم أعش كان أفضل.
7من أين تبدأ قراءة الجريدة؟
- من صفحة الاعلانات!
7ما هو شعارك المفضل؟
- لا شعار لي (32).
وأخيراً نشير الى تلازم السخرية بأدبه تلازماً تاماً، وكل دراسة تغفل هذه الظاهرة في ادبه تعد ناقصة ومزيفة، لانه اتضح لنا من خلال الفصول والمباحث السابقة بأنها محور مهم ومؤثر في ادبه، فقد يتخذ عنواناً معيناً لاشباع هذه النزعة في داخله، وقد يستطرد كذلك بسببها، وربما اقتبس او ضمن او استشهد وفي ذهنه تحقيق السخرية، وربما جرى وراء حلية لفظية لاجتلابها، او استعان بجمل اعتراضية ولوازم اسلوبية استجابة لشهوة السخرية التي تلح عليه،
ولكن السؤال المشروع الآن: هل يقتصر نثره على الاتجاه الساخر فقط أم ثمة اتجاهات أخر؟
والجواب هو ان الاتجاه الساخر هو الأبرز والاهم، وهناك اتجاهان آخران، وهما: الاتجاه الواقعي، والاتجاه الرمزي، وهو ما سنتناوله في هذه المقالة في الحلقتين القادمتين بمشيئة الله.

الهوامش
(1) في مقالة له بعنوان "الاسماء المستعارة". انظر: من مقالات حسين سرحان. جمع يحيى ساعاتي، الرياض: النادي الادبي، 1400ه/ 1979م، ص
12.(2) المصدر نفسه.
(3) جريدة صوت الحجاز، ع 241، 1355/11/6ه ، ص
4.(4) جريدة البلاد السعودية، ع 623، 1365/11/12ه ، ص
4.(5) جريدة البلاد السعودية، ع 828، 1368/8/16ه ، ص
4.(6) من ديوانه اجنحة بلا ريش، ص
160.(7) جريدة البلاد، ع 650، 366/5/23ه ، ص
4.(8) البلاد السعودية، ع 616، والبلاد، ع 1346، وعكاظ، ع
644.(9) من قصائده الساخرة: بائع المساويك، الموظف الجديد. انظر: اجنحة بلا ريش، ص 132،
157.(10) د. خيرية السقاف، جريدة الرياض، ع 9075، 1413/11/8ه ، ص
25.(11) من مقالات حسين سرحان، ص
112.(12) د. معجب الزهراني، من الشعر الى النثرية، جريدة الندوة، ع 12591، 1420/12/20ه .
(13) اجنحة بلا ريش، ص
10.(14) لعله لا يغيب عن الذهن ان كل هذه الدراسات تنصب على ما نسبته 18% فقط من مقالاته، في حين تقترب مقالاته من ثلاثمائة.
وشيء آخر وهو ان السرحان يعتز بنثره اكثر من شعره. (الاربعاء، ع 280، 1409/3/30ه ، ص 9).
(15) د. علي جواد الطاهر، معجم المطبوعات العربية،
638/2.(16) انظر: حسين سرحان: ببليوجرافيا، ص
180.(17) د. محمد سعد بن حسين، كتب وآراء
185/1.(18) المرجع نفسه
180/1.(19) كتب وآراء
182/1.(20) أحمد عبدالله المحسن، شعر حسين سرحان: دراسة نقدية، ص
42.(21) نادي جدة الادبي، المحاضرات، المجلد الحادي عشر، ربيع الاول 1413ه ، ص
508.(22) نقطة حوار، جريدة الحياة، 1413/2/7ه ، الصفحة الاخيرة.
(23) حروف وافكار، جريدة الرياض، ع 3692، 1406/4/11ه ، ص
5.(24) قراءة في ادب السرحان، جريدة البلاد، ع 10549، 1413/12/4ه ، ص
13.(25) د. محمد العوين، المقالة في الادب السعودي الحديث 271/1،
300.(26) من مقالات حسين سرحان، ص
69.(27) من مقالات حسين سرحان، ص
182.(28) جريدة البلاد، ع 1983، 1385/4/16ه ، ص
4.(29) المرجع نفسه.
(30) البلاد، ع 8498، 1407/6/27ه ، ص
7.(31) مجلة اليمامة، ع 1026، 1409/3/9ه ،




رد مع اقتباس
#8  
قديم 07-14-2009, 09:47 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



(5) الصالونات الثقافية في المملكة بين مرحلتين

بقلم: د. عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري
كلية اللغة العربية ـ الرياض
قسم الأدب
............

سأتحدث عن( الصالونات ) الثقافية في المملكة من خلال مرحلتين : الأولى / ماقبل إنشاء الأندية الأدبية ، والأخرى / ما بعد ذلك ، أي من عام 1395هـ وحتى الآن .
وبدءاً أشير إلى أن (الصالونات) أو المنتديات البيتية روافد مهمة لتحريك الساحة الثقافية وتنشيط حركة الأدب ، وتشكل مع المؤسسات الثقافية الرسمية معالم بارزة لصورة المشهد الثقافي في المملكة .
المرحلة الأولى :
يتضمن كتاب الدكتور إبراهيم الفوزان " إقليم الحجاز وعوامل نهضته الحديثة " رصداً جيداً للمنتديات الأدبية المبكرة في الحجاز ومالها من أثر في الأدب ، ويشير إلى أن عبدالجليل برادة أقام في الربع الأول من القرن الماضي ندوة أسبوعية تعقد كل ثلاثاء في بستانه ( الأبارية ) قرب المسجد النبوي الشريف ، وتحفل بالصفوة المختارة من أقطاب الفضل والمعرفة .
ويذكر أيضاً أن المدينة المنورة كانت تحفل بالعديد من المجالس الأدبية مثل مجلس الشريف ناصر بن علي ، والشيخ عمر كردي ، إضافة إلى إنشاء ناديين منتصف القرن الماضي ، أحدهما للمحاضرات ، والثاني نادي الحفل المدرسي (1).
وإلى هذين الناديين أشار حسين سرحان _ رحمه الله _ في مقالة له بعنوان " مشاهدات في المدينة " والتي نشرت في عام 1355هـ في جريدة صوت الحجاز ، ومما قال مشيداً باهتمام أهالي المدينة بالأدب : " ولا أدل على اهتمامهم بالأدب وتقديرهم له من أنهم وضعوا نادياً أدبياً أطلقوا عليه اسم " الحفل السعودي ـ أو الحفل العربي السعودي " .. وتلقى في كليهما المحاضرات أسبوعياً " (2).
بعد ذلك تكونت في المدينة جمعية " أسرة العهد الجديد " ، وذلك عام 1366هـ ، والتي تحولت عام 1380هـ إلى " أسرة الوادي المبارك " .
وقد كانت في الطائف ـ كما يذكر الدكتور الفوزان _ مسامرات أدبية يرعاها الأمير فيصل عندما كان نائباً للحجاز في عهد والده الملك عبدالعزيز _ رحمهما الله _ .
ومن الصالونات الأدبية المبكرة في الحجاز ، منـزل الشاعر الأمير عبدالله الفيصل بجدة ، وجمعية الأدب الحديث في مكة المكرمة والتي أنشئت عام 1341هـ ، وجمعية الإسعاف الخيرية في مكة أيضاً ، والتي تكونت في عام 1357هـ (3).
وأما في مدينة الرياض فربما كانت ( الديوانيات ) التي تحدث عنها العلامة الشيخ حمد الجاسر _ رحمه الله _ من أقدم المنتديات الثقافية ، والتي ربما يعود إنشاؤها إلى ماقبل ثمانين عاماً.
ويذكر الجاسر أن لها دوراً في الوعي الثقافي في الرياض بما يجري فيها من نقاش في شتى الموضوعات ، وبالأخص القضايا الدينية (4).
غير أن (الصالون) الأدبي المنظم الذي أخذ شهرة واسعة في الرياض ، هو صالون الأديب عبد العزيز الرفاعي ـ رحمه الله ـ الذي يرجح الدارسون بدايته بعام 1379هـ ، وكانت هذه الندوة تعقد كل خميس .
وبلغ من أهميتها أن عدداً من المشاهير في العالم العربي من الشعراء والأدباء زاروها ، بل إن الدكتور عايض الردادي وهو من روادها ألف عنها كتاباً مستقلاً بعنوان " ندوة الرفاعي "(5) .
ومن الطريف أن هذه الندوة لم تقتصر على مدينة الرياض ، بل تنتقل مع صاحبها ، فتعقد في الصيف في الطائف ، وتعقد في جدة في شهر رمضان وقبيله بقليل ..بل وفي إسبانيا في الصيف !
ومن الصالونات الشهيرة في مدينة الرياض ، صالون الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير حينما كان مسؤولاً عن الشباب والرياضة ، والذي يذكر مرتادوه أنه كان ثرياً وغنياً بالفائدة والمتعة الفكرية .
وفي الأحساء كانت تعقد في البيوتات الأدبية جلسات ثقافية ممتعة يحضرها شيوخ الأدب وشبابه .
على أنه لا تكاد تخلو مدينة من مدن المملكة من صالونات أدبية تحتاج إلى دارس يرصدها ويتتبع نشأتها واتجاهاتها ، ويدرس أثرها في الساحة الثقافية .
المرحلة الثانية :
كانت هناك رغبة ملحة من المثقفين والأدباء لتنظيم الحركة الأدبية من خلال إنشاء أندية أدبية ترعى هذا النشاط وتدعمه ..، وهكذا ولدت الأندية الأدبية في المملكة بدءاً بعام 1395هـ عندما تأسست خمسة أندية دفعة واحدة ، ثم تلاها عدد آخر حتى بلغت عام 1422هـ ثلاثة عشر نادياً .
وبحكم طبيعتها ونظامها ترتبط في قراراتها ونشاطاتها المنبرية وغير المنبرية بمجالس إدارة وإشراف حكومي ؛ ولذلك ظهرت الحاجة إلى روافد ثقافية تتخفف من الطابع الرسمي وتمتاز بالعفوية ، وبخاصة إذا أخذنا في الحسبان الزيادة السكانية في المدن الكبيرة من مثل الرياض وجدة ، فكان أن فكر عدد من الأدباء الكبار أدباً وسناً في إنشاء منتديات بيتية يتاح فيها لهم الالتقاء بالأدباء والمتأدبين ومحبي المعرفة .
والذي يلحظه المتابع لنشوء الصالونات الثقافية في المملكة أنها تشكل وحدة يرتبط نشوء بعضها ببعض ، ومن الأمثلة على ذلك أن ندوة الرفاعي الشهيرة أنتجت ندوتين : الأولى ندوة الوفاء الخميسية لأحمد باجنيد ، والأخرى اثنينية الشيخ عثمان الصالح ـ شفاه الله ـ ، وإلى ذلك أشار الدكتور عبد الرحمن الهليّل في كتابه " التكريم في الشعرالسعودي " فقال : "وجاءت فكرة تأسيس هذه الاثنينية بعد وفاة الأديب الكبير عبد العزيز الرفاعي ـ رحمه الله ـ حيث كان بعض الأدباء والمفكرين بعد رحيله يلتقون من حين لآخر في منـزل الشيخ عثمان الصالح ، ثم تعددت هذه اللقاءات فرغب الشيخ أن تستمر وتنتظم بصفة رسمية "(6) .
وهي ندوة نصف شهرية تنبع أهميتها من مكانة صاحبها الاجتماعية ومواكبتها للمناسبات الأدبية ، وتكريمها للشخصيات الاجتماعية البارزة .
وإضافة إلى هذه الندوات الثلاث ، هناك مجموعة من الصالونات الثقافية تكاد تغطي أيام الأسبوع ، ومن ذلك : ضحوية الشيخ حمد الجاسر ـ رحمه الله ـ ، والتي استمرت بعد وفاته ضحى كل خميس ، وأحدية الدكتور راشد المبارك ، وندوة النخيل للدكتور محمد بن سعد بن حسين ، وهي تعقد في آخر كل ثلاثاء من كل شهر ، وأحدية الشيخ أبي عبد الرحمن ابن عقيل ، وتعقد في منـزله بحي السويدي بالرياض ، وثلوثية محمد المشوح ، وهي نصف شهرية وتعقد بمنـزله بحي الغدير بالرياض ، وجلسة سعود المريبض بالرياض وتعقد بعد صلاة الجمعة من كل شهر ، ويعود تأسيسها إلى عام 1421هـ عندما اختيرت الرياض عاصمة للثقافة العربية لعام 2000م .
وأما في مدن المملكة الأخرى فليس لدي تصور كاف للصالونات الثقافية ، باستثناء أحدية الشيخ أحمد بن علي المبارك بالأحساء ، والتي أتيح لي عام 1418هـ حضورها والمشاركة فيها بمحاضرة عن السيرة الذاتية .
على أنني أقرأ عن صالونات أخرى في الأحساء وتعرفت إلى أصحابها من مثل : ندوة النعيم ، وندوة المغلوث ، وندوة العفالق ، وندوة المحيش .
ولم يقتصر نشاط بعض الصالونات على المقر الرئيس ، بل انتقل خارج البلاد كما فعل الأستاذ محمد النعيم الذي نقل جانباً من مناشط اثنينيته الأحسائية إلى القاهرة ، فقام بتكريم عدد من الأدباء والأساتذة الجامعيين . وقد أتيح لي شخصياً حضور حفلات تكريم في القاهرة في صيف عام 1426هـ لعايدة أبوزهرة والدكتور ربيع عبد العزيز والورداني ناصف .
أما في جدة فالشهرة لصالون عبد المقصود خوجه الذي يعود تأسيسه إلى عام 1403هـ ، وفيه يتم تكريم إحدى الشخصيات كل اثنين . وهذه الاثنينية نموذج ممتاز للصالون الأدبي المتكامل ، ففيها الانتظام ، والتنوع في تكريم الشخصيات ، وطباعة الكتب ، والتواصل مع المهتمين بمناشطها عبر أحدث الوسائل التقنية (الانترنت ) .
وإضافة إلى هذا الصالون الأدبي ، هناك ثلوثية محمد سعيد طيب في جدة ، وهي مشهورة ،
وفي أبها ندوة (أبو ملحة ) ، وفي حائل أربعائية الفريح ، وفي مكة منتدى أبي العلا ، وصالون السرحان .
ولم تقتصر الصالونات الثقافية على الرجال ، بل قامت بعض السيدات في مناطق مختلفة من المملكة بإنشاء (صالونات) أدبية ، ومن ذلك : صالون سلطانة السديري بالرياض ، وصالون مها فتيحي بجدة ، وصالون سارة الخثلان بالدمام .
ولعلي أحيل على زاوية مهمة تنشرها المجلة العربية ، وعنوانها (منابر ثقافية) ، وفيها يرصد الأستاذ سهم الدعجاني كل شهر ندوة أدبية ويعرف بمناشطها ، ولعل باحثاً يكمل خطوات المجلة بدراسة أثر الصالونات الثقافية في الأدب في رسالة جامعية .
ومن واقع حضوري ومشاركتي في عدد من المنتديات الثقافية ، وبخاصة في مدينة الرياض : بدءاً بخميسية الرفاعي ـ رحمه الله ـ ، وانتهاء بـ ثلوثية المشوح ، فلربما كان من المناسب وضع تصور عما يدور فيها .
1ـ كانت هذه الندوات فيما قبل أكثر من عشر سنوات تتجه إلى العفوية في الطرح ولا تلتزم بمحاضر معين ولا موضوع محدد ، بل كان صاحب الندوة أحياناً يفتح الحديث بتعليق سريع على حدث أدبي ، أو يستكمل نقاشاً في جريدة أو مجلة ، ويدور الحوار بين الحضور دون منهج ، ويبحر الحاضرون في استطرادات تطال الأدب والسياسة والإعلام والاجتماع وسوى ذلك .
وهذا الاستهلال يعد القسم الأول من الندوة ، بعده يبدأ القسم الثاني ، ويفصل بينهما العشاء . ويختص القسم الثاني في غالب الأحيان بالشعر ، ويختلط فيه الشعر بما ليس منه ، ويكثر مدعو الشعر في مثل هذه المنتديات ، ويقل الشعر الجيد !!
2ـ اتجه أصحاب هذه الندوات في السنوات الأخيرة ، وبخاصة بعد وفاة الرفاعي ـ رحمه الله ـ ، وظهور ندوات جديدة ، إلى إعداد جدول لموسم ثقافي كامل يحدد فيه المحاضر والموضوع ، ولهذه الطريقة فوائد عديدة ، منها المنهجية في الطرح ، وإتاحة الفرصة لجمهور الندوة لاختيار ما يناسبهم ، وإعداد مداخلات مدروسة لا مرتجلة ؛ لكون الموضوع محدداً ومعروفاً .
وفي معظمها تتناول موضوعات مختلفة : دينية ، اجتماعية ، أدبية ، إعلامية ، عامة ، ويسبق المحاضرة تقديم وتعريف بالمحاضر ، ويعقبها المداخلات ، ثم قصائد مختارة كالمعتاد .
3ـ يصدق على معظم الندوات التي تقام حالياً في المملكة وصف ( الثقافية ) ؛ لأنها لا تختص بعلم معين ، بل تتنوع الموضوعات فيها تنوعاً ملحوظاً .
4ـ تتوقف هذه الندوات في الصيف ، وفي الإجازات الرسمية ، وفي النصف الأخير من رمضان ، ويحرص أصحابها على التوثيق الصوتي والمرئي ؛ وبذلك أصبح منهجها أقرب إلى الأندية الأدبية والثقافية الرسمية .
5ـ ليس كل شخص قادراً على إنشاء (صالون) أدبي ، فالمسألة ترتبط بالثقافة الواسعة ، أو بالمكانة والوجاهة ، ويحتاج المنتدى البيتي إلى (سكرتارية) نشطة تبلغ المهتمين وتذكرهم وتحرص على انتظام الندوة دون انقطاع ، وخاصة في الأيام العادية ، وتنشر أخباراً في الصحف لتعم الفائدة .
ــــــــــــــ
الهوامش :
(1) انظر : د.إبراهيم الفوزان ، إقليم الحجاز وعوامل نهضته الحديثة ، الرياض : مطابع الفرزدق ، 1401هـ /1981م ، ص 369،370.
(2) انظر : عبد الله الحيدري ، آثار حسين سرحان النثرية :جمعاً وتصنيفاً ودراسة ، ط1، الرياض : النادي الأدبي ، 1426هـ/2005م ، 2/676،675.
(3) انظر: إقليم الحجاز وعوامل نهضته ، ص 372،371.
(4) انظر : من سوانح الذكريات ، المجلة العربية ، ع 140 ، رمضان 1409هـ ، ص 21 . وانظر للكاتب " السيرة الذاتية في الأدب السعودي " ، ط2 ، الرياض : دار طويق للنشر والتوزيع ، 1424هـ/ 2003م ، ص 314.
(5) طبع عام 1414هـ /1994م في مطابع الشريف بالرياض .
(6) انظر : د.عبد الرحمن بن عثمان الهليّل ، التكريم في الشعر السعودي المعاصر ، ط1، الرياض : المؤلف ، 1424هـ/ 2003م ،ص63.




رد مع اقتباس
#9  
قديم 08-01-2009, 06:08 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



(6) قراءة في رواية «مكاشفات البحر الميت» لأحمد محمد عبده

بقلم: أ.د. على عبد الوهاب مطاوع
جامعة حائل
...............

رواية تتفاعل مع الماضي، وتلتقي بالحاضر، وتتطلع إلى المستقبل

سوف يظل النص الأدبى فى نظر دارسيه - خاصة – ذلك البناء الهرمى المحير لناقديه ، لما يشتمل على رؤى واتجاهات ودلالات ربما يخفى بعضها ويظهر الآخر بتدفق ، وربما العكس . فيتيح ذلك فرصة كبيرة لدرس هذا النص من مناحٍ مختلفة ، وللتعمق فى قراءة بنائه اللغوى من عدة أوجه ، ولايعنى هذا أن نغفل أو نهمل حقيقة التعامل النقدى- الذى يحسب أن يُتَّبع – من الوقوف أولاً عند الوجه الجمالى الذى يمثل طبيعة النص المبدع بوصفه ممارسة لغوية جمالية متميزة .. وإن تحول الشكل التعبيرى اللصيق بالواقع الاجتماعى المعيشى بكل أنماطه وتياراته واتجاهاته ، والمنبعثة منه ، إلى تقنيات وأنماط روائية تستطيع من خلالها أن تحوى واقعاً جديداً مغايراً افتقدته وهمشته كتاباتٌ أخرى معاصرة
وهو سعى ظهر جليا فى " مكاشفات البحر الميت " لكاتبنا أحمد محمد عبده ، عبر روايته التى تمردت على مسالك القص التقليدى ، مستبدله بها سياقات أخرى شكلتها ثقافة عالمه الواقعى الذى يعيشه برؤاه المتباينة مع مزج فنى بارع ، واحتفاء مخلص بينابيعه التراثية من قرآن كريم وسنة نبوية شريفة ومأثور ومثل وحكمة وموروث شعبى قديم ومعاصر .
وقد عرف أحمد عبده بهذا السعى الحثيث نحو خلق قصصى جديد منذ تسلقه " الجدار السابع " (1) مروراً بـ " نقش فى عيون موسى " (2)، ومراوغته " ثعالب فى الدفرسوار " (3) ثم " كلاب الصين " (4) وصولا إلى تركه للظاهر وطلبه الباطن " فاصرف الخاطر عن ظاهرها ، واطلب الباطن حتى تعلمها " .. حيث روايته الأخيرة موضع هذه الدراسة " مكاشفات البحر الميت " (5) التى تفوق فيها كاتبنا حينما راح – بوعى وحذر شديدين – يحاكى الواقع المعيشى من خلال سياحة بطله " ابن حتحوت " فى الملكوت ومعاينة النفس ، ومشاهدة الخلقوت ، ممتطياً ظهر ذلك الحوت المستدير .. الضخم .. الأبيض ، وذلك عبر محاكاته التقنية للنص التراثى ، على نحو مانرى فى أعمال بعض كتاب الستينيات أمثال : صنع الله ابراهيم ، مجيد طوبيا ، محمد جبريل ، جمال الغيطانى ، محمد مستجاب ، وغيرهم " ممن لا يعارضون نصوصاً من أجل محاكاتها ، بل من أجل تحويل المعارضة إلى وسيط بين المنتج والمرجع ، ينظم أفعاله ، ويقيه الميلودراما ، ويثرى قصته"(6) .. وهو أمر يتضح جليا فى تنامى عناصر التشكيل القصصى واستمرارها فى لحمة النص ، بحيث نستشعر ونحن نصحب الكاتب فى حكيه – تطورا جماليا واعيا , يكون نابعا من واقعه الثقافى , والاجتماعى , والعقدى , وكذلك المحلى والأممى ..
حيث نراه يسير على هذا النحو فى تشكيل روايته , ونسج أحداثها , متحركا بين عدد من الشخصيات – لم يسمها – وإن تفرد صوت البطل الرئيس "ابن حتحوت" الذى لم نعدمه عبر السرد القصصى فى الأمكنة والعوالم العديدة المختلفة , والأزمنة المتباينة ؛ متحدثا إلينا على لسان بطله من خلال بؤر متعددة للسرد , والرؤيا , والرصد الدقيق عبر الوصف الفنى فى تلك اللوحات / المنقلبات , أو المشاهد السياحية السبعة للبطل "ابن حتحوت" القناع أو المعادل الموضوعى لوجه البطل الحقيقى : الكاتب أحمد عبده !! الذى غدا هو الآخر بحدثه الروائى هنا معادلا موضوعيا (7) لقضية , بل لقضايا مزمنة شائكة أراد أن يطرحها على مجتمعه بطريقته الخاصة "فى شكل فنى" , وهو ما تستشعره فى هذا الهم / أقصد هذا السرد التلخيصى :
"راح النداء يتردد ما بين جدران وحوائط الخلوة "
يابن حتحوت .. حوت .. حوت .. ووت .. ووت .. وت .. وت
أنت مسافر الي الملكوت ..كوت ..كوت .. ووت .. وت ..
زادك الهم, ومطيتك ظهر حوت .. حوت .. ووت .. ..وت ..
رجف قلبي , وترجرج كبدي , وارتعشت اطرافي , ونملت شغافي , واصطكت أسناني , ورقصت سيقاني , فأعرت سمعي , وقلبت وجهي في فراغ الخلوه ..
أي ملكوت سوف اسافر اليه؟ / واي هم ذلك الذي سيكون زادي؟
يبدو أن الهم مكترب على جبين كل من يحمل على كتفه "فناطيس" دموع العالم !!
فما استرحت يوما بعد الذى عانيته تحت شجرة النبق العتيقة فى بادية الصحراء , فكوا القيد الحديدى من قدمى , وأحكموا حول معصم الروح قيدا آخر !!
جدران الخلوة راحت تتردد ورائى .. (إنا لله .. لاه .. لاه .. لاه .. لاه .. هاه .. هاه .... وإنا إليه راجعون .. عون .. عون .. عون .. وون .. وون .....) (8)
ثم هنا السرد الفنى المكثف الذى يسجل هما كبيرا يحمله الكاتب / بن حتحوت , لكن عبر جمل قصيره النفس طويلة الامر , مغلفه بلغه فلسفيه محلاه بفكره صوفيه , لا تنبع فلسفتها من تكثيفها فحسب , ولكن أيضا من وضع الجمل المتتالية فى سياق سردى لغوى منطقى , يقربنا من بؤرة الهم الذى يعانيه الكاتب / بن حتحوت ومن على شاكلته .. الباحث عن الحقيقة .
"للحقيقة مستقر .. وللمستقر أبواب .. وللأبواب طرق .. وللطرق فجاج .. وللفجاج أدلاء .. وللأدلاء زاد .. وللزاد أسباب" .. (9)
وقد نتج عن هذا البناء الفنى ثراء زاوية الرؤية السردية , وثبوت اتساع حدقة الكاتب وقدرته على إيجاد النظرة الشمولية المتنوعة كما ينقلنا بقدراته الفنية المتميزة , وطاقاته التعبيرية التى تحتاج منه إلى وقفة فى أعماله المستقبلية , وإيحاءاته الرمزية الموفقة إلى حد كبير من العوالم السردية الضيقة المغلقة حيث الخلوة , إلى العوالم الآخرى الرحبة المفتوحة..
مهمته الكبرى وسياحته الممتدة التى يصبح فيها المكان / الكشف – بكل ما يبوح به – قاعدة محورية فى السياق الروائى .
ويبدو هذا جليا فى إلحاحه على أداة الكشف فى معظم متقلبات الرواية : حيث نصحبه فى "منقلبه الأول" لمعاينة النفس , ومشاهدة الخلقوت , ونجلس معه فى الخلوة لنكتشف معه حقيقة هذا النداء وغايته : "يابن حتحوت .. حوت .. حوت .. حوت .. ووت .. ووت .. وت .. وت أنت صائر إلى الملكوت .. كوت .. كوت ..كوت ...ووت .. ووت , ونستلهم من شخصيته الجرأة فى السؤال : لكننى تجرأت وتساءلت :
- زاد السياحة أم زاد الرحيل ؟
- بل هو زاد السياحة
- إذن فمدد ربى يكفينى .(10)
وكذلك نعانى معه معاناته فى تطوافه بنا فى دروب فكره ورؤاه فى المتقلب الثانى "الدوبلير" الذى يقوم على المونولوج الداخلى والذى ينقل لنا صراع "ابن حتحوت" فى الحياة مع الدكان , والخلوة , والناس ومحاولة اكتشافه البديل الذى يشبهه ليتفرغ لسياحته الكبرى فى الملكوت "رجلا يذكر من قلبه , يجأر من فؤاده , يتبتل من شغافه , لسانه ريشة على وتر الابتهال , وروحه قمر فى قضاءات القرب والجلال "(11) , ونتألم معه وهو يتعرف على وقائع الخصى وانعدام الفحولة عند الرجال فى "المنقلب الثالث" الذى انخرط - فيه – النساء فى طلب الخلع والتطليق من "ظلال الحوائط" .. وكانت المرأة لا تستحى أن تقول فى حيثيات مطلبها – بأن هذا المحسوب علىَّ رجلا – لو أنه وضع معى داخل قميص نومى ما تحركت فى جسده نبضة رغبة .. أو نزوة إشتهاء !! "(12)
وهو منقلب – وإن ضج بلغة الأدب المكشوف الذى لا نرتضيه لأديب مسلم مثل أحمد عبده يأتى كثيرا ملتزما – فى إبداعه بالتصوير الإسلامى الرحب – إلا أنه جاء كشفا صريحا لهذا العالم الذى الذى سلكه الكاتب / البطل / بن حتحوت فى سياحته الكشفية , إنه عالم المحمول .. عالم الكلاب والقطط , والتوحش الجنسى العلنى على الفضائيات , حتى أصبح كل شئ فيه من حولنا "يتفزر أنوثة ورقة ورهافة .. فتيات بيضاوات .. صفراوات .. شقراوات .. خضراوات .. حمراوات .. خمريات .. بنفسجيات .. مشفوطات بسرنجات الرشاقة , والوسامة , والرقى , والشمشمة , والنمنمة . تأود خفيف .. شفيف .. رهيف .. عنيف !! فى رقة أوراق البنفسج , وتوحش أشواك الأنوثة , مسبلات العيون , فاغرات الأفواه , سائلات اللعاب , هائجات الشعر والشعور "(13) . وعلى الجانب الآخر : "أصداغ الرجال ملساء , وشعورهم مرسلة ومهدلة على أكتافهم وظهورهم .. ضحكاتهم طويلة وناعنة وممتدة .. ياى "(14) ..
إنه عالم – كما صنفه ابن حتحوت فى مكاشفاته – مفاعل نووى .. وإمرأة !! , حتى المحصلة .. يسمونها قنبلة , والحياة .. أنثى راقصة .. !! . ومثل هذا الكشف إنما هو إدانة من الكاتب / البطل / لواقعه الذى افتقد الرجولة / الفحولة / البطولة , وضج بالأنوثة الرخيصة التى مآلها كما ذهب ابن حتحوت "القبح والدمامة والعفن والعطن"(15) . ومع هذه المأساة وهولها لا نستطيع أن نبرح ابن حتحوت فى سياحته منفردا فى عوالمه الرحبة الممتدة , حيث نشاركه المشاهدة الدقيقة للنفق الأخضر فى "منقلبه الرابع" بحثا عن الفحولة التى افتقدها واقعه المنكسر !! .
ويتنامى شعور ابن حتحوت بالوصول إلى الحقيقة فى "المنقلب الخامس" الذى يسافر فيه البطل إلى عوالم مجهولة عبر رحلة كشفية "على ماء الشمس" ممتطيا ذلك الحوت المستدير , الضخم , الأبيض الذى عبر به السهول والوديان متجها صوب الجنوب حيث تناطح أمواج الخليج الهادر عن شماله , وتلك المرأة الغجرية " .. عريضة المنكبين .. طويلة الساقين .. وارمة النهدين .. ثمينة الوركين , متكورة الردفين "(16) والتى تشكل شاطئ النهر على هيئتها بعد أن مددت جسدها بطول الشاطئ وخرج عليها من الماء خنزيرا أبيض هجم عليها , برك فوقها , وانهمك يضاجعها(17) !! لكن ابن حتحوت لم يتمكن من الدفاع عنها أو إنقاذها من بطشه وسطوته "تسلم يا رب تسلم .." أينما زحفنا كانت المرأة بطول الشاطئ , والخنزير يضاجعها , أنظر لنفسى بحسرة , ورأسى تقترب من صدرى !!(18) , إنه الواقع العربى المؤلم , فالمرأة التى تمددت بطول الشاطئ إنما هى رمز للأمة العربية التى يتوركها حفدة القردة والخنازير اليوم / الكائن الصهيونى . والبطل بن حتحوت الذى اقتربت رأسه من صدره كلما شاهد هذا المشهد المأساوى إنما هو صورة الإنسان العربى الذى انحنت هامته وانكسرت شوكته اليوم , وفقد فحولته / رجولته وتراجع أمام قهر هذا الخنزير / الإحتلال الإسرائيلى الذى يؤازره الكلاب / الأمريكان !!
وتتعدد صور الرغبة فى هذا المنقلب السردى الرائع فى الانعتاق من أسر هذا الواقع العربىالمعيش بكل آلامه ومتناقضاته , وتتحد هذه الصور الجزئية لتشكل الخطوط العريضة فى لوحة الصراع الكبير الذى تعيشه الأمة ويحياه الإنسان العربى / الفرد فى كل مكان على ظهر البسيطة لا على الأرض العربية فحسب أقوالا وأفعالا وإرادة , حيث تتحرك الرغبة فى تجاوز ابن حتحوت الحاضر الكائن فى محاولة الفرار منه , والبحث عن عوالم آخرى جديدة شخوصها متناقضون بين مستسلم قادم من كهوف الصحراء , يصرخ .. ويولول .. ويلطم خده .. ويندب حظه وواقعه ليس إلا !! وآخر ينطلق على صهوة جواده إلى عوالم الحلم الممكن يسابق الريح بحصانه / رمز الذكورة .. الفحولة .. الرجولة / الخلاص من مرارة الواقع العربى الآسن , شاهرا سيفه للإجهاز على ذلك الخنزير النجس الذى وعى تماما نقطة ضعف الإنسان العربى البطل , فقد لاذ بالفرار داخل محمية لحمام الحما !! / المسجد الأقصى متخذا إياه درعا يحتمى به .. ليظل الفارس البطل العربى منتظرا على بابه أملا فى خروجه الذى طال أمده !! .
يقول الكاتب / البطل / ابن حتحوت فى هذه اللوحة المتصارعة الخطوط السردية : "اقتربت من نهاية الخليج ، وقبل أن نصل إلى منعطف الركن الخالى , وإذا برجال ينسلون من جهات شتى , من جرف البحر , ومن كهوف الصحراء , راحوا يصرخون بأعلى أصواتهم , لا ينادون على أحد , ولا هم يستغيثون بأحد , ثم راحوا يلطمون , كأنه نذر عليهم أن يقيموا مندبة وملطمة فى هذا المكان , وكل من ينضم إليهم يصرخ مثلهم .. دون أن يسأل .. علام يلطمون؟ !! ..(19)
"ثم تحول الحوت فجأة , وفى انكسارة حادة .. كدت أنقلب من حدتها , راح يخترق الحدود والسدود , يزيح من أمامه الأسلاك الشائكة والفاصلة بين المقاطعات والمحميات . وفى استدارة آخرى أكثر حدة – اتجه ناحة الشمال , زغللة بحر الشمس المنصهرة تترقرق على كثبان الرمال , عن شمال جبال من أمواج مخروطية فى لون الشفق كانت تخترق بطن الغلاف الأزرق , يطالنا منها طرطشات . وإذا بفارس ينخز جواده بهمة .. كان الحصان يرمح وراء الخنزير الأبيض !! رأسى تميل إلى صدرى أكثر ! الحصان يرمح والخنزير يهرع أمامه , الفارس يشهر سيفه فى الهواء , يسابق الريح وراء الخنزير الهارب , كاد الفارس يجهز عليه .. لكن !
النجس .. كيف عرف نقطة الضعف ؟
لقد تداخل فى محمية لحمام الحما !! . إتخذها درعا يحتمى بها .
توقف الفارس على بابها فى انتظار خروجه !(20) .
(يتبع)




رد مع اقتباس
#10  
قديم 08-01-2009, 06:10 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: دراسات أدبية



قراءة في رواية «مكاشفات البحر الميت» لأحمد محمد عبده (2 ـ 2)

بقلم: أ.د. على عبد الوهاب مطاوع
جامعة حائل
...............

ولم نتوقف عن متابعة سياحة ابن حتحوت فى الملكوت من أجل بنى مجتمعه وأرضه , فصحبناه فى تلك المخاطرة فى منقلبه السادس "البراهين" , وذلك حينما غشى البحر المسجى / البحر الميت أملا فى الظفر بالبراهين أو البرء لأهله من الذين أصيبوا فى فحولتهم / رجولتهم لكن رائحة التوابيت وعطن المقابر الجماعية والفردية وساحات الممياوات السوداء والخضراء كان وقعها المأساوى علينا أشد وأنكى وعلى الفكر ضلالا وتيها فلم تعد تجدى "الكوفية" أو "الدشداشة" , ولم يعد شيئا يشفى الإنسان العربى من الصراع / صراع الفكر العربى المتخبط وهو ما يفسر لجوء ابن حتحوت فى نهاية المنقلب إلى البحث عن ذلك الهرمون العصبى لذاكرة الأمة العربية / هرمون النخوة الذى أضاعته الفراخ البيضاء !! فراح يبحث فى الأنثروبولوجى , البيولوجى , السيكولوجى عن تكوين الإنسان من واقع تحاليل معامل ذلك البحر الميت !!! .
ويتنامى الحدث الروائى فى هذه الرؤية الروائية العربية ليصل إلى ذروة الصراع المعرفى الذى قامت علية سرديات الرواية , وتنعكس فى مرآته الرؤية الفكرية الخاصة بالكاتب أحمد عبده فى معظم أعماله وليس فيه مكاشفات البحر الميت فحسب ؛ إنها حقيقة الوجود العربى اليوم على خارطة الصراع العربى من أجل البقاء والريادة فى عالم الأقوياء , عالم الفحولة / الرجولة , لا الرعونة والغباء؟ !!
وقد تحلى الكاتب / البطل / ابن حتحوت بالرجولة , والإقدام على المخاطر والأهوال , والإخلاص والوفاء لواقعه العربى / مجتمعه الذى ظلمه كثيرا واتهمه بالخيانه ؛ تحلى بالتفانى من أجل حلمه العربى الكبير / عودة الرجولة إليه . فخاض دون خوف أو وجل النهر العظيم , وصارع أغنام إبليس وقائدها صاحب جسد الثعلب برأس الإنسان !! وصولا إلى مسكن الجن ومحاوراته مع الحاخامات والقساوسة فى عوالم مبهرة تحت قشرة النهر العظيم ودروبه الوعرة التى سجلها منقلب ابن حتحوت / الكاتب "السابع والأخير" والذى أسماه "فى انتظار لمح" وفى الحقيقة ينتظر ابن حتحوت / الكاتب مخرجا / منقذا / خلاصا لبنى وطنه .
[ "فلمح" متخصص فى عوالم البحار والمحيطات .. العليا منها والسفلى .. لا يهدأ ولا ينام له جفن , إلا إذا طاف بحار ومحيطات الكون , السائلة والجامدة , سبعون مرة فى اليوم والليلة . خبير بأسرار الجيوب والمغامرات .. فى الأعماق والقيعان . يعلموا أماكن تجمع الحيتان ...... لديه الكفاءة لمخاطبة كل أحياء البحار , بلغتها ورطاناتها وإشاراتها . بل ويأمرهم فيمتثلون ! (21).
أقول : إن كاتبنا أحمد عبده بهذه المكاشفات الثاقبة التى أعلن فيها عن إخلاصه ووفاءه الشديد لمجتمعه العربى ووطنه المجيد .. نراه قد استطاع أن يقدم من خلال هذه الرؤية رواية "مكاشفات البحر الميت" رؤية متناغمة ومعقدة فى الوقت نفسه , لارتدائها ثوب الرواية التاريخية – وإن لم يحتفظ به كثيرا – حيث وظفها فى سردها ووصفها ولوحاتها الروائية العريضة لخدمة واقعه المعاصر . فنراه يقدم مجتمعا روائيا صوفيا رحبا ، يصارع مجتمعا آخر ذبحت فيه الرجولة / الفحولة العربية والنخوة , ومن ثم الوعى !!
فجاء مجتمعه الروائى متشابكا وشاسعا فى آن واحد , يزخر بالمنقلبات , بل باللوحات الروائية لعالم التصوف / عالم الخلوة / عالم السلطة / عالم الخطيئة / عالم النعاج / عالم الخصيان , عوالم أخرى عديدة قدمتها أساليب الكاتب على تنوعها التراثى (قرآن وسنة ومأثور صوفى وشيعى وشعبى مما نراه فى الدراسة المفصلة عن هذه الرواية فى مطبوع مستقل) سردا وحكيا ووصفا وحوارا . مما يؤهل كاتبنا للسير قدما فى دروب هذا النوع من الإبداع الروائى التاريخى . لاسيما بعد ظهور ثقافته التراثية بوضوح فى حكيه , وكذلك إحساسه بالحراك المجتمعى لواقعه بكل أطيافه واتجاهاته ورؤاه.
وهو في هذا المنحي يقترب إلي حد كبير , أو يكاد ينتمي بثقافته إلي مدرسة محمد جبريل و جمال الغيطاني في ثقافتهما التاريخية التي وظفت لتقديم قسمات روائية لمجتمع معاصر خاص بهما , قسمات تشهد لهما "بالقدرة علي تكوين تجاربهما الخاصة التي تجاوزت حدود التلقي و التقليد .. إلي الإفادة و الاجتهاد وتكوين رؤية روائية عربيه جديدة استطاعت التفاعل مع الماضي والالتقاء بالحاضر , و التطلع إلي المستقبل "(22).
وتجربة احمد عبده الروائية في "مكاشفات البحر الميت" يحاول من خلالها شق طريقه , ورسم عالمه الروائي و التعبير عن مواقفه ورؤاه من خلال انفتاحه علي التراث بشتى أنماطه وروافده و صوره في مقدمة ذلك التراث الديني يليه التراث الشعبى .. فى محاولة منه فى إيجاد رؤية روائية عصرية تفصح عن الواقع العربى المعاصر , أو إيمانا منه بضرورة التفاعل و التلاحم بتراثنا الإنساني الخالد برموزه و مضامينه و أبعاده الفكرية و الثقافية ,تأكيدا علي أصالة وجوده , و حقيقة هويته العربية الإسلامية , انطلاقا من أن " تراث الأمة هو روحها ومقوماتها وتاريخها , والأمة التى تتخلى عن تراثها تميت روحها , وتهدم مقوماتها , وتعيش بلا تاريخ "(23) , وهو ما يتطلب منا أن تكون علاقتنا بالتراث وعيا علميا , وسلاحا معرفيا , يتحول إلى قوة مادية من قوى التغيير فى حياتنا المعاصرة , وفى صراعنا الحضارى والوجودى مع الآخر ..
إذ أن –التراث- كوعى – هو من محددات الوجود الاجتماعى , الماضى والراهن , فهو كنتاج ثقافى , لمرحلة اجتماعية ما – يلعب دورا فى صياغة توجهات المرحلة , وصراعاتها , وحلولها وتحققها فيما بعد . بوصفه رصيدا حيا موروثا من الخبرات العملية , التى تغطى المواقف المختلفة , وخاصة الحرجة فى الحياة الاجتماعية , ورصيدا من التصورات والمثل والقيم وقواعد السلوك والأفكار للقوى الاجتماعية والفكرية الماضية , يصبح سلاحا فى يد القوى الجديدة حينما يلبى احتياجاتها الاجتماعية والفكرية الجديدة ليلعب دورا فاعلا فى الوجود الاجتماعى والثقافى والسياسى المعاصر(24) ؛ وهو ما استفاد من توظيفه كاتبنا أحمد محمد عبده عبر طرق عديدة بحثا عن حقيقة موضوعية فى واقعه المعيش
فالرواية - على سبيل المثال – تبدأ بمقتطف من فكر ابن عربى "فاصرف الخاصر عن ظاهرها .. واطلب الباطن حتى تعلما" , وهو مقتطف يبرز لنا مفتاح عالمها الروائى واتجاهاتها . والمفتاح دائما يمثل الخطوات الأولى – فى الغالب – للولوج إلى ما يغلف ذلك العالم برؤاه من غموض واستشكال , حتما سوف ينجلى ويتراءى للأعين عقب تجريب الذوق النقد فى منظورات الرؤية السردية المتعددة بزواياها وكذلك سراديبها ومفتتحها الذى يمثل بداية السلم السردى فى الرواية والعتبة الأولى له .
ولم يكن هذا المفتح الصوفى – الجملة المقتبسة عن ابن عربى فى مدخل الرواية – هو الخطوة الأولى أو العتبة الأولى التى تمثل أولى خطوات الولوج إلى ما يخبئه ذلك السرد الروائى لأحمد عبده , بل سبقته وتلته عتبات أخرى تمثل أساس هذا النص , فى مقدمتها تلك العتبة الأولى التى تمثلت فى عنوان الرواية "مكاشفات" وأى مكاشفات ؟!!! إنها "مكاشفات البحر الميت" , بل هى براعة الكاتب الذى أتى بالمعدم الساكن / الميت لبضعه فى دور جديد . حيث الاعتراف بغيبياته ومواجيده عبر الفضاء السردى للنص على طول منقلباته المتنوعة فى الرواية .
ومعلوم أن هذا الطريق التراثى الذى سلكه الكاتب فى تفهم أسراره ومواجيد مجتمعه المعاصر , هو ذلك "الدور الذى دخل فيه التصوف وسلكه فى القرنين الثالث والرابع الهجريين اللذين يمثلان العصر الذهبى للتصوف الإسلامى فى أرقى وأصفى مراتبه , وأطلق عليه دور المواجد والكشف والأذواق . ليصبح طريقا لتصفية النفس وتحصيل المعرفة الذوقية التى لا وسيلة لغيرهم إلى إدراكها , حتى أطلقوا على علمهم هذا أسماءً جديدة تشير إلى هذا المعنى , مثل : علم الأسرار , وعلم الأحوال والمقومات , وعلم الأذواق , وعلم المكاشفات " الذى اتخذه كاتبنا اسما لروايته ومنهجا له فى سرده (25).
أقول : إن أحمد عبده استطاع أن يقدم من خلال روايته "مكاشفات البحر الميت" رؤية متناغمة , ومعقدة فى الوقت نفسه , لارتدائها ثوب الرواية التاريخية التى وظفت فى سردها ووصفها ولوحاتها الروائية العريضة لخدمة واقع الكاتب المعاصر . حيث نراه يقدم مجتمعا روائيا صوفيا رحبا , بل متشابكا وشاسعا فى آن واحد .. يزخر باللوحات الروائية .. العالم الصوفى , عالم السلطة .. والواقع / المجتمع / القوم / البادية / البلدة / القرية / الصحراء . كذلك نراه زاخرا بالغوص فى أعماق شخصية البطل / الذى مثله بصدق ,مع بروز الحدث السريع الذي جعل الإيقاع مطردا، ومرتبا ، ومشوقا في الوقت ذاته ، مهرولا باتجاه نهاية إيمانية من خلالها يصل بنا نحو سحر الملاحقة فى أسلوبه الفنى الذى أمسك بتلابيبه جيدا على طول سرده دون أن يغفو لحظة واحدة .
لنرى ذلك جليا فى هذا الإيقاع المطرد المرتب المشوق إلى نهاية حدثه .. يقول على لسان ابن حتحوت وهو يهم بالصلاة :
[ " الله أكبر " .. ثم نودى على مرة أخرى , لم أعر سمعى ولم ألتفت , فكيف ألتفت وقد كنت ألقى بالدنيا وراء ظهرى ؟ . أقمها يا مؤمن وتمم أركانها , الفرض منها والسنة , ثم اخرج منها كما دخلت فيها , وبعد أن تخرج منها وتنتشر فى الأرض .. التقط بأظافرك الدنيا كما ألقيتها وراء ظهرك !
ثم نودى على من قدامى , لم أرفع عينى عن موضع السجود " .. مالك يوم الدين .." كنت على هيئة الرقم (1) , ثم انكسرت فتحولت على شكل الرقم (6) "سبحان ربى العظيم" , ثم استقمت "سمع الله لمن حمده" ثم انكفأت على الأرض ساجدا .. "سبحان ربى الأعلى" .
ومن وراء جفونى المغلقة , رأيت حرف الكـ (الكاف) ، قابع ومتشبث , وخشونة الأديم على كرية الأرض , كأننى نملة تتجول على منحدر جبل ، خشيت النملة أن تنزلق , لكن .. لو أنها انزلقت من منحنى , فمن المؤكد أن هذا المنحنى سوف يسلمها إلى استدارة أخرى , لتعبر عليها إلى قوس تال , لتجد نفسها مستقرة حيث كانت عند البدء !
صارت الدائرية هى الناموس فى تكوينى , الجوانى والبرانى . أشعر أن حياتى فلك دوار , ربع قرن .. وأنا مقيد فى سلسلة مربوطة فى شجرة النبق القديمة ، أدور حولها .. كأنى نجم فى مجرة بلا شمس . جوارحى تتهجد بالكاف , بينما روحى تتبتل بالنون .
ثم نودى على من الخلف , لم ألتفت , إذ .. كيف ألتفت وقد كنت أقرأ التشهد الأخير " .. كما صليت على ابراهيم وعلى آل إبراهيم فى العالمين" .
شرف الفداء ملك لكل الملل , والكرامة لمن افتداه ربه , بعد أن تله للجبين , والسنة فى رقابنا , أن نذبح الخراف .. حتى لا نصير نحن النعاج !! . تيار دافئ من اطمئنان سرى فى عروقى , فخرج منى الفزعان والرجفان والرعشان .
ثم نودى من الجانب الأيسر , تذكرت رؤيتى للفحل الأبيض , لكان أبى – حتحوت الأكبر- قد قطع حديثه فجأة – مرة أخرى- وقال بأن رؤية الفحل الأبيض فى المنام تعنى أنك سوف ترقى إلى مراتب عليا !!
"إنك حميد مجيد" السلام عليكم ..(26) "
إن من يقرأ أحمد عبده فى المقطع السردى السابق يؤمن أن هذا الكاتب حفظ القرآن ووعاه جيدا ونشأ فى أسرة أزهرية , لكن الخلاف غير ذلك وهو الذى تعلم تعليمه الأولى والثانوى فى النظام العام ثم التحق بالجيش المصرى قائدا من قياداته لاسيما الذين أمسكوا بتلابيب السيف والقلم على رأسهم رائد الشعر العربى الحديث محمود سامى البارودى . فهو يوظف القرآن الكريم آياً ومعجما ونهجا وروحا على طول كتاباته السردية مع ابن حتحوت مما يكشف عن نظرته الإيمانية المعتدلة كما وظفها فى المقطع السابق الذى أشار إليه بالكاف والنون ؛ ولم نغفل إسقاطه الفني البارع الذي يحمد له ناقلا من خلاله حقيقة الواقع العربى منطلقا من كرامة الذبح فى قصة الذبيح "إسماعيل" عليه وعلى محمد بن عبد الله خير الصلاة والسلام , فهو يقول : "إن السنة فى رقابنا , أن نذبح الخراف" .. رمزا للحكام العرب , حتى لا نصير نحن النعاج رمزا للإنسان العربى .
إن كاتبنا أحمد عبده يكفيه إخلاصه الذى كشفه ابن حتحوت فى المنقلب الأخير بعد تلاوة قوله تعالى "وأنه كان رجالا من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا"الجن
وهنا أنشد الكاتب / البطل / ابن حتحوت معربا عن رسالته الإنسانية من أجل مجتمعه :
" أما أنا .. فلا أطلب زهقا ولا رهقا .
عزيز قوم يسبح فى الكون منزلقا .
يطلب الإكسير لقوم فى الخنا ذلوا
أنوفهم من حشيش الأرض مخضرة
وأسنانهم من طحن التبن مصفرة
ظهورهم مطايا , بناتهم سبايا , نساؤهم بغايا , فما انتفضوا , وما ملوا"(27).
ولا شك أن الصورة الروائية السابقة هى الصورة التى عليها المجتمع العربى اليوم وهو ما أزعج كاتبنا أحمد عبده وأزعجنا وجعلنا نغوص معه كثيرا لتكون هذه الرواية فى سفر خاص مطبوع يليق بكاتب عاش نفسه وأمته ومجتمعه بقضايا متنوعة أشفق عليه أن حملها وحيدا مع ابن حتحوت !!
..............................
الهوامش
1- الجدار السابع : مجموعة قصصية للكاتب : الهيئة العامة للكتاب 1994م.
2- مجموعة قصصية للكاتب : أصوات معاصرة , 2001م.
3- رواية للكاتب : نشر اتحاد كتاب مصر..رواية حظيت بالكثير من التأييد النقدي في الصحف المصرية بعد فوزها بجائزة مسابقة الكاتب المصري الكبير / إحسان عبد القدوس2006م.
4- مجموعة قصصية للكاتب / أحمد محمد عبده " نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب" سلسلة النشر العام.
5- آخر أعمال الكاتب الروائية وهي قيد الطبع سلسلة أصوات أدبية – هيئة قصور الثقافة .
6- الرواية الحديثة في مصر: دراسة في التشكيل والأيديولوجيا : محمد بدوي ص21 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 2006م.
7- قال عن المعادل الموضوعي في الفن الناقد والشاعر الإنجليزي ت.س.إليوت ، في مقال له مشهور بعنوان " هملت " عام 1919 : " إن الطريقة الوحيدة للتعبير عن الانفعال في صورة الفن إنما تكون بإيجاد معادل موضوعي " .أنظر هنا للمزيد " معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب : مجدي وهبه ، وكامل المهندس ص370 ط2 مكتبة لبنان – بيروت 1984 ودراسات في نقد الرواية : د.طه وادي ص32 ط . الهيئة العامة المصرية للكتاب . القاهرة 1989م.
8- مكاشفات البحر الميت ص8.
9- السابق ص10.
10- السابق ص15 ، 16
11- السابق ص23
12-السابق ص45
13- السابق ص45
14- السابق ص43
15- السابق 43
16- السابق ص56
17- السابق ص56
18 –السابق ص57
19 – السابق ص57
20 – السابق ص57
21- السابق ص57
22- التراث والبناء الفني في أعمال محمد جبريل الروائية : سميه الشوابكه ص207.
23 – التراث والمجتمع الجديد : د. ناصر الدين الأسد ص11.
24 – بحثا عن التراث العربي : رفعت سلام ص ،306 ، 307 ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2006م (بتصرف)
25 – اصطلاحات الصوفية : عبد الرازق الكاشاني .تحقيق د. عبد الخالق محمود ص10 ط دار المعارف . مصر.
26 – مكاشفات البحر الميت ص 9 ، 10
27 – السابق ص72




رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دراسات أدبية في القرآن الكريم محمد الياقوت ثمراتُ الأوراق 9 01-14-2011 01:02 AM
هل قامت على تفسير أبي حيان ( البحر المحيط ) دراسات بلاغية ؟! ابن ماجد البلاغة في القرآن الكريم 6 01-14-2009 02:07 PM
هل هناك دراسات حديثة تكلمت عن البلاغة في سورة الشمس ؟ ابن ماجد البلاغة في القرآن الكريم 2 07-15-2008 02:09 PM
كنوز عبر أفاق أدبية - ملفات أدبية ونقدية خالد جوده لمحات نقدية 11 06-01-2006 08:29 AM

أقسام المنتدى

ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) @ وحي القلم @ لمحات نقدية @ فضـاءُ الّلغـة @ ثمراتُ الأوراق @ واحةُ القصة @ أهيلُ الكوكب (مجتمع رواء) @ قافلة الأعلام @ رِحــــابُ الأدب @ قافلةُ الضّيـاء @ المحذوفات @ مدرسةُ العَروض @ شؤونٌ إداريـة @ أدبُ الفلذات @ لمحاتٌ تطويريّة @ ديوانيـّـة رُِواء @ حديثُ الرّيشة @ أ . محمد بن علي البدوي @ علم النَّحْو @ فنون البلاغة @ الإملاء @ العَروض @ القافيــة @ ملتقى صفحات مجلة أسرتنا @ الرّقْمي @ مرافئ الوصول @ علم الصرف @ أيام عشر ذي الحجة / روحانية الأدباء @ جسور أدبية ( لقاءات وحوارات) @ ملتقى المؤسسين @ المعاني @ البيان @ البديع @ أكاديمية رواء @ المعجم @ الأصوات @ الإنشاء @ الأدباء الصغـار @ دفاعاً عن مقام النبوة @ الإشراقات الشعرية @ الدعاية والإعلان @ الدوائر الحمراء @ منقولات التصاميم والصور والرسوم اليدوية @ رسائل الكاشف @ المجلس الرمضاني / روحانية الأدباء @ قسم المنقولات ... @ منتقى القصص @ المنتقى النقدي @ أزهار الرّوض @ الملتقى الفني @ المنتقى الشعري @ المنتقى النثري @ التأصيل الأدبي @ إعراب الكتاب @ قواعد الإعراب @ إيــــــلاف ! @ البلاغة في القرآن الكريم @ البلاغة في الحديث النّبوي @ منبر الخطباء @ علم أصول النحو @ مخيم رواء الصيفي @ سحر القوافي (الباقة الشعرية) @ من الدفتر الأزرق (الباقة النثرية) @ حكايا (باقة القصة والرواية) @ تحف أدبية (باقة الشوارد الأدبية) @ رنين الضاد (الباقة اللغوية والبلاغية) @ نادي الرواية العربية @ صَرْف الأسماء @ صَرْف الأفعال @ النقد اللغوي @ علامات الترقيم @ المرفوعات @ المنصوبات @ المجرورات والمجزومات @ مملكة الرواية .. @ بلاغة الوحيين @ رواء الروح (الباقة الإيمانية) @ ألوان الطيف (باقة منوعة) @ الإشراقات النثرية @ الإشراقات القصصية @ فريق التصميم @ مشاركات الأدباء الخاصة بالموقع .. @ د. حسين بن علي محمد @ الرّاحلـــــون @ إدارة موقع رواء وقسم الأخبار .. @ نوافذ أدبية @ - الوجوه والنظائر (معجم ألفاظ القرآن الكريم) @ علم الدّلالة @ المنتقى من عيون الأدب وفنونه @ الأقسام الموسمية @ الأديب إسلام إبراهيم @ عن الأدب الإسلامي @ الإدارة المالية @ تغريدات رواء @ معلم اللغة العربية @



Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi