دورة تدريبية في العروض
عدد الضغطات : 1,056
آخر 10 مشاركات
أديب في عشة الدجاج - مداعبات زوجية (الكاتـب : خالد الطبلاوي - )           »          مفردات قرآنية (الكاتـب : أسماء الزين - )           »          قل للمليحة (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - آخر مشاركة : خالد الطبلاوي - )           »          لها اللحن الطروب .. لها أغنّي (الكاتـب : إكليل الغار - آخر مشاركة : خالد الطبلاوي - )           »          خطرت فطار القلب في أعقابها (الكاتـب : زيد الأنصاري - آخر مشاركة : خالد الطبلاوي - )           »          جراح الأمة ! (الكاتـب : عبدالعليم محمود - آخر مشاركة : ابراهيم الرفاعي - )           »          فساد قول القائل: "النحو في الكلام كالملح في الطعام" (الكاتـب : فريد البيدق - )           »          الحبيب يزارُ (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - )           »          لمرصد مراقبة الأهلّة الإسلاميّ في فرنسة: حلّ أخر (الكاتـب : فيصل الملوحي - )           »          لك يا مصبّ النهر في قلبي حنينْ (الكاتـب : أشرف حشيش - )

الإهداءات
أمة الله الواحد من أرض الكنانة 04-15-2014 08:22 PM
آه ٍ على سرّك الرهيب ، وموجك التائه الغريب يا نيل ُ يا ساحر الغيوب



من عيون المقالات (عشرون مقالة)

زاوية تضمّ العطاء اللغوي والأدبي الذي سطّره الدكتور حسين بن علي محمد - رحمه الله - على صفحات رواء الأدب ، والراحل كان يعمل أستاذًا في قسم الأدب بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام ، وعضوًا في رابطة الأدب الإسلامي العالمية ..


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 05-12-2005, 11:58 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي من عيون المقالات (عشرون مقالة)



سنقدم هنا عشرين مقالة من عيون المقالات، نرجو الله تبارك
وتعالى أن ينفع بها.
حسين علي محمد

ـــــــــــــــــ
أوربا والإسلام
بقلم: أحمد حسن الزيات


«شيّع الناس بالأمس عاماً قالوا إنه نهاية الحرب، واستقبلوا اليوم عاماً يقولون إنه بداية السلم، وما كانت تلك الحرب التي حسبوها انتهت، ولا هذه السلم التي زعموها ابتدأت، إلا ظلمة أعقبها عمى، وإلا ظلماً سيعقبه دمار!
حاربت الديمقراطية وحليفتها الشيوعية عدوتيهما الدكتاتورية، وزعما للناس أن أولاهما تمثل الحرية والعدالة، وأخراهما تُمثل الإخاء والمُساواة، فالحرب بينهما وبين الدكتاتورية التي تمثل العلو في الأرض، والتعصب للجنس، والتطلع إلى السيادة، إنما هي حرب بين الخير والشر، وصراع بين الحق والباطل. ثم أكدوا هذا الزعم بميثاق خطّوه على مياه «الأطلسي» واتخذوا من الحريات الأربع التي ضمنها هذا الميثاق مادة شغلت الإذاعة والصحافة والتمثيل والتأليف أربع سنين كوامل، حتى وهم ضحايا القوة وفرائس الاستعمار أن الملائكة والروح ينزلون كل ليلة بالهدى والحق على روزفلت وتشرشل وستالين، وأن الله الذي أكمل الدين وأتم النعمة وختم الرسالة قد عاد وأرسل هؤلاء الأنبياء الثلاثة في واشنطن ولندن وموسكو، ليدرأوا عن أرضه فساد الأبالسة الثلاثة في برلين وروما وطوكيو!
وعلى هذا الوهم الأثيمِ بذلت الأممُ الصُّغرى للدول الكبرى قسطها الأوفى من الدموعِ والدماءِ والعرق؛ فأقامت مصرُ من حريتها وسلامتها في «العلمين» سدا دون القناة، وحجزت تركيا بحيادها الودي سيل النازية عن الهند، وفتحت إيران طرقها البحرية والبرية ليمر منها العتادُ إلى روسيا، ولولا هذه النعم الإسلامية الثلاث لدقّت أجراسُ النصر في كنائس أخرى!
ثم تمّت المعجزة، وصُرع الجبارون، ووقف الأنبياء الثلاثة على رؤوس الشياطين الثلاثة يهصرون الأستار عن العالم الموعود، وتطلّعت شعوب الأرض إلى مشارق الوحي في هذه الوجوه القدسية، فإذا اللحى تتساقط، والقرون تنتأ، والمسابح تنفرط، والمسوح تُنتهك؛ وإذا التسابيح والتراتيل عُواء وزئير، والوعودُ والمواثيقُ خداعٌ وتغريرٌ، وإذا الديمقراطية والشيوعيةُ والنازيةُ والفاشيةُ كلها ألفاظٌ تترادفُ على معنى واحد: هو استعمارُ الشرقِ واستعبادُ أهله!.
إذن برِحَ الخفاء وانفضح الرياء، وعادت أوربا إلى الاختلاف والاتفاق على حساب العرب والإسلام!
هذه إيرانُ المسلمة، ضمِن استقلالَها الأقطابُ الثلاثة، حتى إذا جَدَّ الجد تركوها تضطرب في حلق الدب، ثم خلصوا نجيا إلى فريسة أخرى!
وهذه تركية المسلمة، واعدوها وعاهدوها يوم كانت النازية الغازية تحوم حول ضفاف الدردنيل، وهم اليوم يخلونها وجهاً لوجه أمام هذا الدب نفسه يطرق عليها الباب طرقاً عنيفا مخيفاً ليُعيد على سمعها قصة الذئب والحمل!
وهذه أندونيسيا المسلمة، آمنت بالإنجيل الأطلسي، وقررت أن تعيش في ديارها سيدة حرة؛ ولكن أصحاب الإنجيل أنفسهم هم الذين يقولون لها اليوم بلسان النار: هولندا أوربية، وأندونيسيا أسيوية، ونظرية الأجناس هي القانون النافذ على جميع الناس.
وهذه سورية ولبنان العربيتان، أقرّ باستقلالهما ديجول، وضمن هذا الإقرار تشرشل، ثم خرجت فرنسا من الهزيمة إلى الغنيمة، واختلف الطامعان فخاس المضمون بعهده، وبرّ الضامن بعهده. ثم قيل إنهما اتفقا! واتفاقهما لن يكون على أي حال قائماً على ميثاق الحريات الأربع!
وهذه فلسطين العربية يفرضون عليها أن تؤوي في رقعتها الضيقة، الشريدَ والفوضويَّ واللصَّ، وفي أملاكهم سَعة، وفي أقواتِهم فضل! ولكنهم يضحون بوطن العرب لعجل السامريِّ الذهب، ويتخلصون من الجراثيم بتصديرها إلى أورشليم!
وهذه أفريقية العربية، يسمعون أن ديجول (أخا جان دارك) قد حالف على أهلها الخوف والجوع، ثم انفرد هو بمطاردة الأحرار حتى ضاقت بهم السجون والمقابر، ولا يقولون له: حسبك! لأن السفاكين أوربيون يؤمنون بعيسى، والضحايا أفريقيون يؤمنون بعيسى ومحمد!
بل هذه هي الأرض كلها أمامك، تستطيع أن تنفضها قطعة قطعة، فهل تجد العيون تتشوّف، والأفواه تتحلّب، والأطماع تتصارع إلا على ديار الإسلام وأقطار العروبة؟ فبأي ذنب وقع خُمس البشرية في هذه العبودية المُهلكة، وهو الخمس الذي انبثق منه النور، وعُرِف به الله، وكُرِّم فيه الإنسان؟ ليس للثلاثمائة مليون من العرب والمسلمين من ذنب يستوجبون به هذا الاستعمار المتسلط إلا الضعف، وما الضعف إلا جريرة الاستعمار نفسه. فلو كان المستعمر الأوربي صادق الحجة حين قال: إننا نتولّى شؤون الشرق لنقوى الضعيف ونعلِّم الجاهل وندفع المتخلف، لوجد من العرب سنداً قويا لحضارته، ومن الإسلام نوراً هادياً لعقله؛ ولكنه ورث الخوف من الإسلام عن القرون الوسطى، فهو يُسايره من بعد، ويُعامله على حذر. وإذا عذرنا قسوس العصور المظلمة فيما افتروا عن جهالة، فما عذر الذين كشفوا الطاقة الذرية إذا جمدوا على الضلال القديم، وكتاب الله مقروء، ودستور الإسلام قائم!!
لقد فشلت مذاهبهم الاجتماعية كلها، فلم تستطع أن تُخلِّص جوهر الإنسان من نزعات الجاهلية الأولى؛ فلم يبق إلا أن يجربوا المذهب الإسلامي ولو على سبيل الاقتباس أو القياس.
لا نريد أن نقول لهم: أسلموا لتحكموا، وتعلَّموا لتعلموا، فإن هذه الدعوة بعتاقها عن الغاية القريبة عوائق من العصبية والوراثة والتقاليد والعادة؛ ولكنا نقول لهم: تصوروا نظاماً واحداً يصلح لكل زمان ومكان، ويقطع أسباب النزاع بين الإنسان والإنسان: يوحِّد الله، ولا يُشرك به أحداً من خلقه؛ ويقدِّس جميع الشرائع التي أنزلها الله ولا يُفرِّق بين أحد من رسله، ويُؤاخي بين الناس كافة في الروح والعقيدة لا في الجنس والوطن: ويُسوِّي بين الأخوة أجمعين في الحقوق والواجبات، فلا يميز طبقة على طبقة ولا جنساً على جنس ولا لوناً على لون، ويجعل للفقير حقا معلوماً في مال الغني يؤويه إليه طوعاً أو كرهاً ليستقيم ميزان العدالة في المجتمع، ويجعل الحكم شورى بين ذوي الرأي فلا يحكم بأمره طاغ، ولا يُصر على غيه مستبد، ويحرر العقل والنفس والروح فلا يقيد النظر، ولا يحصر الفكر، ولا يقبل التقليد، ولا يرضى العبودية، ويأمر معتقديه بالإقساط والبر لمن خالفوهم في الدين وعارضوهم في الرأي، ويوحد الدين والدنيا ليجعل للضمير السلطان القاهر في المعاملة، وللإيمان الأثر الفعّال في السلوك.
وجملة القول فيه أنه النظام الذي يحقق الوحدة الإنسانية، فلا يعترف بالعصبية ولا بالجنسية ولا بالوطنية، وإنما يجعل الأخوة في الإيمان، والتفاضل بالإحسان، والتعاون على البر والتقوى. فإذا تصوّرتم هذا النظام، فقد تصورتم الإسلام. وإذا أخذتم به فقد اطمأن العالم المضطرب، واستقر السلام المزعزع. ولا يعنينا بعد ذلك أن تُطلقوا عليه لفظاً يونانياً أو لاتينيا ما دمتم تسلمون وجوهكم إلى الله، ولا تُسلمون قيادكم لمحمد!
ـــــــــــــ
*المصدر: أحمد حسن الزيات: أوربا والإسلام، مجلة «الرسالة»، (العدد 653) في 7/1/1946م.




رد مع اقتباس
#2  
قديم 05-12-2005, 01:07 PM
فلاح الغريب
المشرف العام على صحيفة ومنتديات رواء الأدب
فلاح الغريب غير متواجد حاليآ بالمنتدى
Saudi Arabia     Male
 رقم العضوية : 305
 تاريخ التسجيل : Jun 2004
 الإقامة : السعودية
 المشاركات : 5,712 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



.



أهلاً بك د . حسين محمد ..

وحريٌّ باختيارات أمثالك أن تحتل المقدمة ،،

ولكن هل من ثمّة بيان لجوانب تميز كل مقالة تختارها أستاذنا الكريم ..

آمل ذلك ..

ودمتَ بخير ،،




.



 توقيع : فلاح الغريب

.


يا تَبُوْك الوَرْدِ هذا عاشقٌ .. = قادهُ نحْوكِ إيقاعُ المَطَرْ .!
أثقلتْ آمالُهُ كاهِلَهُ = فمتى يكْسرُ أغلالَ السّفَرْ ؟!

.

رد مع اقتباس
#3  
قديم 05-12-2005, 03:06 PM
نور الجندلي
قلمٌ روائي
نور الجندلي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 350
 تاريخ التسجيل : Jan 2005
 المشاركات : 7,261 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



كنوز تضيء وحي القلم
مرحبا بك أيها الفاضل
وننتظر المزيد
بارك الله بك



 توقيع : نور الجندلي


رد مع اقتباس
#4  
قديم 05-13-2005, 06:32 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(2) حول النقد

بقلم: عباس محمود العقاد


من المعروف عن الناس جميعاً أنهم يميلون إلى الثناء، والتقريظ، وينفرون من الذم والانتقاد.
وحب الثناء في جملته خصلة حسنة محمودة العاقبة، لأنه يدعو إلى طلب الكمال، وما لم يكن نزوة من نزوات "الأنانية" العمياء فهو سبيل إلى العمل الذي يستحق الثناء.
ولكن كراهة النقد ليست بصفة محمودة في جميع الأحوال، لأنها تنطوي على أخطاء كثيرة تدل على ضيق العقل، كما تدل على ضيق الخلق وضيق المجال.
أول هذه الأخطاء اعتقاد المرء أن الناقد أفضل دائماً من المنقود، فهو إذا سمع النقد ظن أن الذي يوجهه إليه يستعلي عليه ويدعي أنه مبرأ من العيب الذي يسنده إليه، ولولا ذلك لهان وقع النقد في نفسه لأنه يشعر أنه ومن ينقده سواء.
وقد يكون المنقود أفضل من الناقد فيما يتعلّق بذلك العيب وفيما يتعلق بسواه. والحقيقة المُشاهدة أن الناقد لا يكون أفضل من المنقود في عيوبه، ولا أقدر منه على عمله المنتقد ولا على سائر أعماله. كل منا يستطيع أن ينظر إلى بيت من البيوت فيرى أنه سخيف البناء غير صالح للسكن، ولكننا لا ندعي لهذا أننا أقدر على البناء والهندسة من بانيه ومهندسه، وقد يُعيي الكثيرين منا أن يقيموا حجراً على حجر في جدار صغير. وكل منا يذوق الطعام فيستعذبه أو يعافه، وليس كل آكل بقادر على إعداد صفحة من الطعام خير من التي يعافها، ولو كان عليماً بكل عيب من عيوبها في صناعتها وفي مذاقها. وكل منا يستطيع أن يقرأ كتاباً فيشعر بنقصه في جانب من جوانبه لأنه كان ينتظر المزيد من البيان في ذلك الجانب، ولكن لا يُفهم من ذلك أن القارئ المنتقد أعرف بصناعة التأليف من صاحب الكتاب.
وقصة المصور الصيني معروفة، تصلح للذكر في هذا المقام: كانت له صورة يعرضها ويتوارى خلف ستار المصنع ليستمع إلى أقوال الناظرين إليها. وكان منهم إسكاف عاب شكل الحذاء لأنه لا يُطابق القالب المخصص لصنعه فأخذ المصور بملاحظته وأصلح عيبه كما اقترح الإسكاف. وعاد هذا في اليوم التالي فأطمعه التفات المصور إلى رأيه وأكثر من الملاحظة على أجزاء الصورة من الرأس إلى القدم، فبرز له المصور من وراء الستار وأملى عليه درسه في هذه المرة: إنك أحسنت فيما عرفت، فلا تسئ فيما تجهل، وقف بقدميك على حذائك ولا تزد عليه.
ومهما يكن من إحسان هذا الناقد في ملاحظته فهو إحسان كلام لا إحسان عمل، لأنه لو سئل أن يُصلح الخطأ في حذاء الصورة لما استطاع أن يزيل عيب الصناعة فيها. ولا يزال المصور أقدر منه على إصلاح عيوب الصورة حتى في شكل الحذاء.
فالناقد يُبدي ما يشاء من العيوب، ولا يجعله ذلك أفضل ولا أقدر على إصلاح العيوب من صاحب العمل. إذا كره الاستماع إليه أنفة من التسليم له بالتفوق عليه. حتى لو اعتقد صاحب العمل أن التفوق عليه ممتنع أو مستحيل، ولا امتناع ولا استحالة فيه.
ويحسن بالناقدين والمنقودين جميعاً أن يذكروا أن القدرة على إظهار العيوب أسهل جدا من القدرة على إظهار الحسنات. فإن الطفل الصغير قد ينظر إلى أعظم العظماء، فيضحك منه ويلمح عيوبه الظاهرة من لمحة خاطفة، وقد يستطيع أن يحكيه في عيوبه سخرية وعبثاً فيجيد محاكاته كل الإجادة، ولكنه يقضي عشرات السنين قبل أن يعرف حسناته أو فضيلة من فضائله. كما استطاع في طفولته أن يُحاكي ذلك العظيم في مشيته أو لهجة كلامه أو جملة حركاته.
وما برحت معرفة العيوب قريبة إلى أصحاب العيوب، ومعرفة الحسنات عسيرة على غير أصحاب الحسنات.
ومن أخطاء الكارهين للنقد أن كراهيتهم لم تنم على ضعف الثقة بالنفس كما تنم على ضعف الثقة بالناس، وضعف الثقة بالقيم الأدبية، وكل قيمة من قيم التقدير والكرامة.
فالرجل الذي يعرف عمله لا يضيره أن يجهله غيره، والرجل الذي يملك ثروته ويأمن عليها لا يضيره أن يحسبه هذا أو ذاك في عداد الفقراء، ومن كان واثقاً من قوته فهي بين يديه يجدها حاضرة عنده كلما احتاج إليها. وإنما يضطرب الضعيف الذي تُشاع عنه القوة كذباً إذا شاع عنه الضعف بدلاً من القوة لأن ما تخلفه الإشاعة تقضي عليه إشاعة مثلها. وما يثبت على الحق لا تمحوه الأباطيل.
فليس أدل على ضعف الثقة بالنفس من خوف النقد واتقاء المزاعم، كذلك يدل على ضعف الثقة بالنفس أن يحسبهم الكارهون للنقد ألعوبة يلعب بها كل ناقد، وأرجوحة تميل بها الأهواء مع كل جاحد وحاقد. وما كان في وسع أحد قط أن يلعب بآراء الناس كافة وإن وسعه أن يلعب بآراء القليلين منهم إلى حين، وقديماً قيل ما قيل عن نوابغ الدنيا وعباقرة الأزمان فذهب القيل والقال، وبقيت مآثر النبوغ والعبقرية ساطعة سطوع الشمس، راسخة رسوخ الجبال.
وأشد من ضعف الثقة بالنفس ضعف الثقة بالناس، بل هذا هو سبب ضعف الثقة بكل شيء وبكل إنسان. فإن الذي يشك في وجود القيم الصحيحة في العالم يخشى الخطر على كل قيمة، ويحسب المجد كالهوان، وأن الجواهر كالحجارة، وأن العملة المشروعة كالزيوف الممنوعة. ليس بين شرعها ومنعها إلا صيحة تعلو هنا أو ضجة تخفت هناك.
ولسائل أن يسأل: لماذا يحرص الإنسان على سمعة لا قيمة لها؟ .. وما قيمة السمعة التي لا تحفظ نفسها بنفسها؟ وما معنى الخوف على قيمة محفوظة يراها العارفون فلا يخلطون بينها وبين الأعراض والقشور؟
إن كان للعمل الأدبي أو العمل الاجتماعي قيمة مقدورة يعرفها الناس، فلا خوف عليها من النقد والناقدين، ولا حذر عليها من كيد الكائدين وحقد الحاقدين. وإن لم تكن للأعمال المأثورة قيمة دائمة فلماذا نحرص عليها ونُشفق من زوالها، ونطلب لها الدوام وليس لها حظ من الدوام.
إن خوف النقد عادة غير محمودة العاقبة في جملتها، عادة لا يؤمن صاحبها بحقه على نفسه، ولا يؤمن بحق مرعي لغيره، ولا يطمئن إلى قيمة تحميه من عوارض القلق وبوادر الشكوك. فالكاره للنقد لا يخطئ في خوفه من النقد الصواب، لأن النقد الصواب ينفعه وينفع الناس، ولا يُصغره في نظر نفسه، ولا يُفهم منه حتماً أنه أقل أو أضعف قدرة من ناقديه.
وهو يخطئ في خوفه من النقد الخطأ لأنه يحجر على آراء غيره، ولا يرى لهم حق المخالفة، ولو خالفوه مخطئين. ولعله يخطئ سبيل العزاء في الحالتين. فحسبه من عزاء لو شاء أن يتعزّى أن ينظر إلى ناقديه: هل سلموا من النقد؟ وهل وافقهم الناس على كل ما قالوه؟ وهل يرى بين الناس أحداً يرضى عنه جميع الناس كائناً ما كان شأنه وبالغاً ما بلغ من العلم والرفعة ومحاسن الأخلاق؟
قال الحكيم الأندلسي ابن حزم الملقب بإمام النقاد: "من قدر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. ومن حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه".
ثم مضى يفسر ذلك برأيه فقال: إن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له أسرى ذلك فيه العجب فأفسد فضائله. وإن كان بباطل فبلغه فسُرَّ به فقد صار مسروراً بالكذب، وهذا نقص شديد.
وأما ذم الناس إياه فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سبباً إلى تجنبه ما يُعاب عليه وهذا حظ عظيم، وإن كان بباطل فصبر اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر.
وأحسن الحكيم فيما قال وفيما علل. ولو شاء لزاد عليه: إن الاغتباط بالذم كثيراً ما يكون من قبيل الثناء المعكوس، وإنه لثناء معكوس لا رياء فيه إذا صدر عن حسد ورغبة في إنكار الفضل الذي يشعر به الحساد فيُحاولون إخفاءه بالذم والإنكار.
وربما كان إنكار اللئيم أبلغ في الشهادة لصاحب الفضل من ثناء الكريم. ولقد كان ابن حزم مُبتَلى في زمانه بحسد الحساد، فأثاروا عليه الخاصة والعامة، وأحرقوا كتبه وحرموا قراءته، فقال:
لئن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي
ملأتُ به القرطاس بلْ هو في صدري
ثم بقي ابن حزم في كتبه المأثورة وزال حاسدوه، فلا يذكرهم الناس إلا إذا ذكروه ليصغروهم ويكبروه!
ومنذ خمسين سنة كانت كلمة ابن حزم هذه شعار "الجريدة" التي تولى تحريرها أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، وكان يجعلها شعاراً وجواباً على نقد الناقدين وخلاف المخالفين، وهم كثيرون، فانتهى النقد والخلاف إلى تقدير واعتراف، ولم يبق من جيل الحكيم المصري ـ خليفة ابن حزم في نظرته إلى الثناء والذم ـ إلا من يدين له بالأستاذية والسبق إلى سواء السبيل في فهم الوطن والوطنية.
وقد نُسِيت أعمال لم ينقدها أحد، وبقيت أعمال لم تسلم من النقد في زمانها ولا بعد زمانها، وعمل العاملون وكتب الكاتبون فلم يستحقوا البقاء بما سمعوه من ثناء، ولم ينقطع غيرهم عن عمل أو كتابة خوفاً من نقد مضى أو نقد يجيء.
وأشفق بعضهم من التأليف لأنه يجر إلى القدح والتعنيف، لا بل جاء في الأمثال أن من أراد بعدو سوءاً فليزين له تأليف كتاب أو تحبير مقال.
فإن صح هذا المثل فهو صحيح على شريعة السيد المسيح "أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم" فمن تمنى لعدوه أن يؤلف فتلك أمنية صديق لصديق، أو أمنية عدو لعدو محبوب.
نعم، وكالتأليف في أمر النقد كلُّ عملٍ باق .. تبنيه الهمم والعقول، وتقول فيه الألسنة ما تقول.
ــــــــــــــــــــــ
*المصدر: عباس محمود العقاد: عيد القلم ومقالات أخرى، تحرير: الحساني حسن عبد الله، المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت، د.ت، ص296-300.




رد مع اقتباس
#5  
قديم 05-13-2005, 06:36 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(3) وداع القرن
بقلم: إبراهيم اليازجي


من تأمَّل كرور الأدهار، وتعاقب الليل والنهار، ورأى الثواني تجر الأيام، والأيام تجر الأعوام، والناس يذهبون بين ذلك أفواجا، ويمرُّون فرادى وأزواجاً، ورأى أن هذه الحركة التي نرى بها الشمس تطلع من المشرق، ثم نراها تغيب في المغرب، يتخلّلها من حركات دقائق الكون ما يُمثِّل دبيب عوامل الفناء، حتى يًرد كل منظور إلى عالم الهباء؛ وقف حائراً دهِشا، يتأمّل في الكائنات وفي نفسه، وقد اختلط عليه الوجود بالعدم، حتى كاد يتهم شواهد حسه. ثم نظر فتمثّل وراءه ماضياً تغيب أوائله في ظلمات الأزل، وأمامه آتياً تتصل أواخره بحواشي الأبد، وهو بينهما كنفّاخة قذفها التيّار فوق أديم البحر، فما كاد يقع عليها ضوء الشمس، حتى عادت إليه فغاصت فيه آخر الدهر، فملكه من الرهب ما ارتعشت له أعضاؤه، ومن الإشفاق ما جمدت له دماؤه؛ ثم تمنّى لو تخلّص من هذا الوجود المشوه، وأيقن أن الكون ضرب من الزور المموّه، إنما هي صور تتبدّل، وأشكال تتحوّل، وهي المادة إلى أن تنحلّ الأرض، وينتثر نظام السيارات والأقمار، وتتبدّد ذرّات الشمس في الفضاء، فيمّحي رسمها من صحيفة الأدهار.
ودّعنا القرن التاسع عشر، كما يودِّع المرءُ يومه عند انقضائه، وقد تذكّر ما لقي بين صباحه ومسائه، وما تقلّب عليْه بين حاليْ كَدَرِهِ وصفائه. ثمّ استشفّ ـ من خلال يومه المقبل ـ وميضَ صباح الغد، باسماً عن ثغور الآمال، مبشِّراً بما فاته في يومه من الغبطة ونعمة البال، فبات يَعِد نفسه المواعيد، ويرى كلَّ بعيد من الأوطار أقربَ إليه من حبلِ الوريد. وقد ذُهِل أكثرُنا عن أنه يُودِّع شطراً من دهره، وقد يكون من بعضنا أطيب شطريْ عمره، فإذا التفت إلى خلفه، رأى خيال نشأته وشبابه، وتمثَّلت له أوقات لذته ومجالس أترابه، والصفحة التي ارتسم عليها تأريخ ميلاده، ودُوِّن فيها تذكار أبهج أعياده، فحنَّ إلى أيامه السوابق حنين المحب المفارق، وقد حيل بينه وبينها، وطُويت عليها صفحة الفناء، وخُتِم عليها بطابع الأبد، فهي هناك إلى يوم اللقاء.
نحن اليوم بين فصلين من مُصحف تأريخ الدهور، وقد قرأنا الأول حرفاً حرفاً، واستقريْنا ما فيه من السطور، والثاني مطويٌّ عنّا، نشتغل بهجاء الحرف الأول من عنوانه، ولا ندري ما خطّ فيه قلم الغيب، من غرائب حدثانه، فندع التكهُّن عليه لخرّاصي السياسة، وأصحاب الجفر والكواكب، ونعود إلى تصفُّح ما مر بنا من صحف القرن الذّاهب، وما سُطِّر فيها من البدائع والغرائب؛ فلا جرْم أنه كان من أعظم القرون آثاراً، وأجلَّها شأناً وأسرفها تذكاراً. بل القرن الذي لم يمر بالأرض مثله، من يوم تحرَّكت على محورها فنشأ الليل والنهار، ومنذ دارت حول الشمس فتتابعت السنون والأعصار، فهو على الحقيقة بكرُ الزمن، وإن كان آخر ما مرَّ بنا من أعقابه، ومُجدِّد شباب الدهر بعد الهرم. لا بل هو عين شبابه، ففيه أخذت الدنيا كمال زخارفها، وبرزت الحضارة في أبهى مطارفها، وانتشر العلم في الأرض انتشار نور النهار، فانبسطت أشعته على كلِّ قصيٍّ من الأقطار، وتجلّى به كل مكنون من الحقائق والآثارـ وأصبح الإنسانُ خِدْنَ الطبيعة، وقد حسرت له من نِقابها، وألقت إليهِ مقاليدَ جوِّها وتُرابِها، بل استسْلمت إليه بجملتها حتى كان من أربابها، فبرز في حدٍّ جديد غير ما عرّفه به حكماء الدهر السابق. وأدرك بسطةً من العرفان، يضيقُ بها نطاق تعريفه بالحيوان الناطق، فهو اليوم الحيوان المكتشف المخترع، المتفنن المبتدع، الطيّار على مناكب الهواء، الماشي على صفحات الماء، الذي زوى أطراف الأرض فهي بين يديْه قيْد ميلٍ أو شبْر، وطوى مسافاتها حتى كأنما يُسافر فيها على أجنحة الفكر، وقبض على عنان البرق فجعله رسول خواطره، يُسيِّره في البلاد، وساح بين الكواكب فأدرك حركاتها وطبائعها وقاسَ ما بيْنَها من الأبْعاد، وخلق لنفسه حواسَّ لم تكنْ مما عهده أسلافه من قبل، فأبصر من الخفايا ما لا تُذكر في جنبه مدارج النمل، وسمع من الأصوات ما لا يُقاس بخفائه صوتُ الكُحل، بل خرق الحجب ببصره فتخلّل ما بين دقائق الأجسام، واستبطن الضلوع والأحشاء، وسافر بين الجلود والعظام، بل تسلّل إلى باطن الدماغ، فاسترق السمع على ما يتناجى هناك من الخواطر والأوهام.
هذا هو إنسان القرن التاسع عشر، وما ذكرنا من صفته إلا مبلغ ما يتناوله الرمز ويسعه الإيماء، ولو شئنا الإفاضة في أيسر تلك المعاني، لكان غاية ما ننتهي إليه العجز والإعياء، فما عسى أن نعدد من تلك العجائب الباهرات، مما لو وُجِد أقله في الزمن الغابر لاعتقد ضرباً من السحر، أو انتُحلت به الكرامات والمعجزات. وحسبك من يُلقِّن الجماد فينطق لا كما نطق الببغاء، ومن يُسمعك كلام الغابرين فتعرفُه بنغمته وقائلُهُ في قبضة الفناء، ومن يُريك الهواء ماءً سائلاً، ثم يُريكه جمداً معقوداً، ومن يُسخِّر السحاب فيمطر في معمعان القيظ ماءاً بروداً، ويصرفه متى شاء فيبدِّد ما فيه من الصواعق تبديداً، إلى غير ذلك مما يطول الكلامُ في استقصائه، ويضيق هذا المقامُ عن إحصائه.
وهنا قد يعرض للمتأمل أن ينظر، أين كان موضع كل أمة من القرن التاسع عشر، وما الذي اكتسب الشرقيُّ فيه من المآثر، وما خلّف فيه من الأثر. فلا جرْمَ أن أهل القرن الواحد، وإن شاع بينهم فتنازعوا أيّامَه على السواء، وكانت عناصر الحياة مقتسَمة بينهم على غير أثرة ولا استثناء، فهيهات أن تستوي نسبةُ كل منهم إليه، فيقفوا فيه مواقف الأكفاء. وإنما الذي يتساوون فيه شمسُه وهواؤه، وتربته وماؤه، وبقي وراء ذلك فضل المدارك والهمم، والأعمال التي تتفاوت بها طبقات الأمم، وتتفاضل باعتبارها الأقدار والقيم. فإذا كان القرن التاسع عشر هو الذي نشأت فيه تلك العظائم، وأقام للحضارة هذا البناء الرفيع الدعائم؛ فهو من القرون التي ليس فيها للشرق ذكر يؤثر، ولا أثر يُذكر، ولا خرج الشرقي منه إلا بما احتُقب من ظلمات العصور الغوابر، وازداد عليه ما لحقه هذا العصر من الذل والمفاقر. فلا اختطّ لنفسه سبيلاً يبلغ به إلى مواطن الفلاح، ولا أقام له عزا يعصمه من تطاول الطامع والمجتاح، فضلاً عن أن يُنشئ لنفسه فخراً يُدوَّن في صحيفة الأحقاب، أو أثراً يرفع من بصر الذراري والأعقاب. ولكنَّ عصر الشرقي، إن نشط للجري في سبيل الأمم الراقية، والحصول على المجد الصّاعد والمفاخر الباقية.
هذا هو القرنُ الذي ابتدأناه عن أمم، إذا جعل رائده إلى ذلك صادق الهمم، ولم يتّكل في بلوغه على الأقدار والقسم. والله المسؤول أن يهدي خطواتنا إلى أقوم سبيل، بفضله تعالى وتسديده، إنه بالنجاح كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ـــــــــــــــــــــ
*المصدر: نقلاً من كتاب "المنتخب من أدب المقالة" للدكتورين كمال اليازجي، وإميل المعلوف، دار العلم للملايين، د.ت. ، ص ص55-58.




رد مع اقتباس
#6  
قديم 05-15-2005, 07:37 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(4) افتتاحية العدد الأول من مجلة «المنهل»

للأستاذ عبد القدوس الأنصاري*
ــــــــــــــــــ


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنا نحمدك حمد الشاكرين، ونستعينك ونستهديك سواء السبل، ونستلهمك التوفيق في الأعمال، ونعوذ بك من الفشل والكسل والزلل، ونعتصم بك من الوقوع في مهاوي الخطأ والخطل، ونرجو منك التثبيت في المبدأ الحسن، والتأييد والإنجاح في المقاصد، ونسألُك أن تُصلِّي على من بعثته هدىً ورحمة للعالمين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما يعد؛ فإن من دلائل نجاح "المنهل" أن تكون أول مجلة أدبية ثقافية من نوعها، تصدر بالحجاز، في عهد حضرة صاحب الجلالة عبد العزيز أل سعود ملك المملكة العربية السعودية، الذي جعل مبدأه الحميد أن يأخذ من أسباب المدنية الحديثة كل جيد ونافع وصالح لأمته، مع الاحتفاظ بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والاستضاءة بهديه القويم.
ففي هذا العهد السعيد نرى الأمة قد بدأت تتحفّز الوثوب إلى استعادة مركزها التاريخي الرفيع في مرافق حياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعمرانية، وفي هذا العهد الميمون شاهدنا الأدب الحجازي يخطو إلى الأمام خطوات واسعة ملؤها الطموح والاستبشار والابتهاج.
وإن من علامات حظوة "المنهل" بما تصبو إليه من نجاح مطرد في سبيل أداء رسالتها الأدبية العالية، ما نراه ماثلاً في الأذهان من ضرورة السموِّ بهذا الأدب الحجازي وإبرازه في حلة قشيبة، تليق بمكانة الحجاز الدينية، ومنزلته الاجتماعية في العروبة والإسلام. فهذا الشعور الطيب سيكون ـ بعد توفيق الله تعالى ـ أكبر معوان "للمنهل" في الفوز بمطامحها الجليلة، وآمالها النبيلة.
وإن من أهم ما تصبو إليه "المنهل" أن تُوفَّق لتكون فاتحة عصر جديد ناضر زاهر، في أدبنا الحجازي الفتي، فتُعيد لهذه البلاد المقدسة مكانتها الأدبية الشامخة بين أقطار العروبة، ليغتبط العالم الحديث بقس الحجاز الحديث وسحبانه، ويشدو بنابغته الجديد وحسّانه.
والحق يُقال إن هذا الأدب الحجازي الحديث، وإن كان وليد أعوام معدودة، فإنه قد خطا إلى الأمام خطوات مُباركة تدل على ما بعدها. فها هو قد أطلع في سمائه في ظرف وجيز نجوماً أصبحت لها شهرة أدبية لا بأس بها في الدّاخل والخارج، بسبب ما أذاعته ـ الوقتَ بعدَ الوقت ـ من قصائد رائعة، وبسبب ما نشرته ـ في فترات ـ من نثر قيم.
وهذه النجوم الطالعة في سماء أدب الحجاز، إذا ساعدتها المقادير، ووجدت آفاقاً واسعة للجولان والنشر والدعاية الكافية، فإنها ولا ريب ستتطور في سنوات معدودة إلى أقمار زاهرة، فشموس بازغة.
وليس هذا الذي نقوله من الجري وراء الأحلام المعسولة، فإنه للحقيقةُ بنتُ الاستنتاج والبحث: إذ الحجاز هو مهد هذا الأدب العربي، وموطنه الأول، فمنه انتشر إلى كافة الأقطار، وفي أرضه درَج لأول مرة، ومن مناهله سقي فنما، ومن بين وديانه ورماله شبَّ، وإن أيناء الحجاز هم أحفاد بناة مجد العرب والإسلام، وأدب العرب والإسلام، وفيهم من الذكاء النادر المشهود والاستعداد الغريزي ما إذا تضافر مع الاجتهاد وعوامل البيئة والوراثة فسرعان ما يشيدون لهم صرحاً شامخاً من الأدب الرّاقي في روحه وأهدافه وأسلوبه وكيانه، واتجاهاته ونَزَعاتِه وألوانه.
وليس الأدب أداة تسلية، أو فن لهو، وتمضية للوقت، بل إنه من أسمى الفنون الحية التي تُنهِض الأمم وتُنعِشُها، وكم للأديب المُخلص من أثر فعّال في ترقية مستوى الأمة الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعُمراني معاً.
والواقع أن الأدب في أسمى أوصافه، وأصدق ألوانه هو المحرك الكهربائي الذي يبعث روح الإصلاح في الشعوب، ويوقظ فيها الفتوة والشعور بالكرامة، ويحفزها إلى المضي في طريق التقدم، ويصقلها صقلاً جيدا، ويُهذِّب من حواشيها، ويُوصِّل بين حاضرها وماضيها، وصلاً مُحكماً، مُثمراً لشتَّى المنافع.
والأدب هو الذي يُنَمِّي مواهب الأمة الفكرية، ويحوك كيانها حوْكاً جيداً مُتقَناً، وهو الذي يوحي أسمى الخيالات إلى الأذهان الخاملة، ويُثير الحماسة في الصدور إلى اعتناق المثل العليا من الكمال، ويحميها من أن تظل راسبة في مستنقعات الانحطاط الوبيئة، ويجعلها تسعى سعيا حثيثاً منظماً لتكون في طليعة الأمم الرّاقية، وهو الحادي الجذّاب الذي يُوَلِّد فيها روح النشاط الدؤوب كلّما أخلدت أو أوشكت أن تخلد إلى الراحة المُضنية والفتور الموبق، والتقاعس الوبيل.
ورسالة "المنهل" الأدبية قد جلوناها للقرّاء الأماثل في النشرة التي قدَّمناها لهم، وإنّا لنرجو أن تنال من جمِّ تعضيدهم، ومشكور مؤازرتهم، ومحمود إخلاصهم ما يجعل منهلهم صافياً عذباً غزيراً على الدّوام، وسنبذل قصارى الجهد في سبيل إحاطة هذا "المنهل" بسياج متين من أسباب الوقاية، حتى لا يتلوَّث معينُه، ولا يتعكَّر صفوُه بجراثيم التراشق والإسفاف، شاعرين بأن التطوُّر من سنن الكائنات.
ونبتهل إلى الله ـ جلَّت عظمته ـ أن يكون دائماً عند حسن ظننا به، فنكون دائماً عند حسن ظنِّ القراء بنا، واللهُ وليُّ التوفيق.
ــــــــــــ
*المصدر: نشرت هذه المقالة الافتتاحية في العدد الأول من مجلة "المنهل"، ذو الحجة 1355هـ-فبراير 1937م، ص ص1-4.




رد مع اقتباس
#7  
قديم 05-16-2005, 06:34 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(5) نهضة العرب مشكلة!
للأستاذ أحمد حسن الزيات
ــــــــــــــــ


نعم، كذلك قال السياسي الخطير ديجول، وقوله من وجهة نظره سديد معقول؛ فإن الجنرال يرى على ما يظهر أن العرب دواب سُخِّروا لنقل الأحمال وجرِّ الأثقال، أو هم على رأيه الأفضل عبيدٌ خٌلقوا للخدمة والاستغلال. ومتى عرف العبد أو الحيوان حقَّه وواجبه، فقد حطَّم راكبه، أو قتل صاحبه!
بهذا المنطق الفرنسي وحده تستطيع أن تعقل ما قال هذا الرجل. فإذا أكرهت منطق الناس، على تصحيح قوله بالقياس، فقد حمّلته ما لا يُطاق، وكلَّفته ما لا يُدرك! وأي عقل غير عقل الجنرال يُسيغ أن فرداً من نوع الإنسان يرى في نهضة أخيه الإنسان مشكلا تُعقد لحله المؤتمرات، وخطراً تُقام لصدِّه المعسكرات، وسبباً يختصم لأجله العالم بأسره؟!
لقد زعموا أن «الانتداب» رسالة الغرب إلى الشرق، فهو يحيل صحاريه فراديس، ويجعل أناسيَّه ملائكةً، فما بالهم إذن يتستّرون بالغيظ، ويتنمّرون بالعداوة، لأن العرب قد أدركوا أنهم ناس كسائر الناس، لهم وطن لا يشركون به، واستقلال لا يُساومون عليه، وسلطان لا ينزلون عنه؟! أليس ذلك لأنهم يرمون بنشر مدنيتهم إلى استعباد الجسوم، وبتعميمِ ثقافتهم إلى استرقاق الحلوم، وبفرضِ انتدابهم إلى امتلاكِ الأرض؟
***
أتدري من أسمح من ذلك العتل الغليظ الذي يُلقي بجسمه اللحيم الشحيم على صدر الفتاة الرشيقة في ملأ من الناس، ثم يفغر فاه الأبخر، ويصيح بمثل صوته الأصحل: أحبك فلا بد أن تحبيني، وأدعوك فلا مناص من أن تجيبيني؟ أسمج منه ذلك الطفيلي الرقيع الذي يقتحمُ عليك دارك ويقول لك: صادقْني لأنني أحبُّ طعامك، وضيِّفني لأنني أريد إكرامك، وعاهدْني لأكون سيدك وإمامك، وأطعني لأقوم في كل أمر مقامك، فإن أبيتَ أو تأبَّيت فالسيف، حتى تقول: أنا المضيف وأنت الضيف!
يا لكثافة الظل! أبهذه الرقاعة الثقيلة والفضول البغيض يطمعون أن يحملوا العرب في شمال أفريقية، وفي لبنان وسورية، على أن يأخذوا «الجنسية» ليعطوا الدين، ويُمنحوا الثقافة ليسلبوا العقل، ويدخلوا في التحالف ليخرجوا من الوطن؟!
يا لسخافة العقل! أبهذه النية المدخولة والكلام المزوّر يُخادعون خمسين مليوناً من العرب تثور في دمائهم أربعة عشر قرنا من التاريخ المجيد الحافل بالنبوة الهادية، والخلافة العادلة، والفتوح المحرِّرة، والقيام على ملك الله بالعمارة والعدل، والمحافظة على تراث الفكر بالزيادة والنقل؟
إن العرب بعد اليوم لن يُخدعوا، وإن أبناء الفاتحين لغير الله لن يخضعوا، وإن «جامعة الدول العربية» لهي الظاهرة الأولى لفورة الدم وثورة التاريخ؛ فليتدبَّر ذلك القائمون على إقرار السلم، والموقعون على ميثاق السلامة!
ــــــــــــــــــــــــ
*المصدر: أحمد حسن الزيات: وحي الرسالة، ط10، دار الثقافة، بيروت 1405هـ-1985م، ج3، ص220، 221.




رد مع اقتباس
#8  
قديم 05-30-2005, 09:38 PM
يوسف البلوي
عضو متميز
يوسف البلوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 31
 تاريخ التسجيل : Jun 2004
 المشاركات : 551 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



زدنا زدنا أيها الأستاذ الكبير

ما أحوجنا لنتاج تجارب الكبار

..



 توقيع : يوسف البلوي

إذا أردت أن تتجلى لك حقيقة القوة ..
في أوضح صورها ..
فتأمل قوة الحقيقة ..

رد مع اقتباس
#9  
قديم 10-29-2005, 04:28 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(6) الحلم الصهيوني تم تقويضه

بقلم: الدكتور عبد الوهاب المسيري

ليس هناك من سبيل لفهم وتفسير العنف الإسرائيلي المشهور في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية،‏ إلا من خلال العودة إلي الرؤية الصهيونية للواقع،‏ التي تحدد إدراك الإسرائيليين لأنفسهم ولمن حولهم‏،‏ وإدراك المرء للواقع ‏(وليس الواقع في حد ذاته‏)‏ هو الذي يحدد سلوكه وكيفية استجابته لما يدور حوله‏.‏ كان علي العودة إلي المقولة البسيطة الساذجة التي تشكل أساسا للتصور الصهيوني للواقع‏، وهي أن فلسطين أرض بلا شعب وأن اليهود شعب بلا أرض‏.‏ والنصف الثاني من المقولة‏:‏ أن اليهود شعب جائل لا وطن له،‏ ثبت كذبه.‏ إذ إنه بعد قرن كامل من الاستيطان الصهيوني وبعد نصف قرن من إعلان الدولة‏، لا تزال الغالبية الساحقة ليهود العالم موجودة خارج الدولة الصهيونية‏،‏ مما ينفي عن هذه الدولة صفة أنها وطن كل يهود العالم،‏ وينفي عن اليهود صفة أنهم شعب يتطلع للعودة لوطنه‏.
وبالنسبة للنصف الأول من المقولة ‏(أرض بلا شعب‏)‏ فالمسألة أكثر عمقا ولا تتحمل أي تهاون،‏ إذ إن الإجماع الصهيوني يستند إليها،‏ ففلسطين من منظور صهيوني‏,‏ هي «إرتس يسرائيل:‏ وطن اليهود القومي»‏ ومن ثم فإن اليهود‏ ـ‏ كل اليهود ـ‏ لهم حقوق مطلقة فيه،‏ والحقوق المطلقة لا تقبل الآخر،‏ مما يعني إنكار حقوق العرب في أسوأ تقدير أو تهميشها في أحسنه‏، ومن هنا قانون العودة الصادر عام‏1950‏ الذي وصفه بن جوريون بأنه عمود الصهيونية الفقري،‏ وهو قانون يمنح أي يهودي ترك وطنه المزعوم من عدة آلاف من السنين الحق في العودة ليصبح مواطنا فور عودته، وتنكر ـ‏ في الوقت نفسه ـ‏ هذا الحق علي ملايين الفلسطينيين القابعين في مخيمات اللاجئين‏.‏
هذا الإجماع نموذج للعنف الفكري‏،‏ فهو رؤية اختزالية للواقع المركب يستبعد من وجدان الصهاينة فلسطين وشعبها وتاريخها بل وجغرافيتها‏،‏ والصهيونية في هذا لا تختلف عن التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية الأخرى‏؛‏ حين يتم نقل كتلة بشرية من أوروبا ويتم توطينها في أرض جديدة فيزعم أعضاء هذه الكتلة أن الأرض التي حلوا فيها أرض عذراء، ومن ثم يحق لهم اغتصابها من سكانها الأصليين‏،‏ ويحل لهم إبادتهم أو طردهم‏.‏
ومما عمق من العنف الإدراكي لدي الصهاينة،‏ هو تفسيرهم للعقيدة اليهودية،‏ فقد حولوا العهد القديم إلي فلكلور الشعب اليهودي‏،‏ وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضها العبرانيون ضد الكنعانيين وغيرهم من الشعوب التي أبادوا بعضها‏،‏ وهو يفصل فصلا حادا بين الشعب اليهودي المقدس والأغيار ـ أي غير اليهود‏ ـ‏ بكل ما يتبع ذلك من ازدواجية في المعايير، تجعل الآخر مباحا تماماً، وتجعل استخدام العنف تجاهه أمرا مقبولا‏.‏
إننا إذا ما حاولنا أن ننظر للواقع من خلال عيون مستوطن صهيوني يري العالم من خلال هذه العدسات الإدراكية فسنجده يقول‏:‏ إذا ظهر عربي علي شاشة وعيي،‏ فإنه يتحدى خريطتي الإدراكية،‏ المفروض أنه غير موجود،‏ وإن تجاسر وطالب بحقوقه ونادي بتطبيق قرارات هيئة الأمم علي «إرتس يسرائيل»،‏ أرض الميعاد اليهودية،‏ فهذا دليل علي جهله وتخلفه،‏ ولابد من تلقينه درسا‏ً،‏ وإن بدأ يتحرك نحوي‏ ـ‏ أنا اليهودي، عضو الشعب المختار، وصاحب الحقوق المطلقة ـ‏ فهذا يعني أنه إنسان مجنون وخطر لابد من القضاء عليه‏،‏ فالعرب لا يفهمون سوي لغة القوة ‏(وهذا هو أحد بنود الإجماع الصهيوني‏).‏
هنا يتحول العنف الإدراكي إلي عنف فعلي مسلح‏،‏ أي إلي إرهاب‏،‏ فتنطلق الصواريخ والمدافع والطائرات لتصبح فلسطين أرضا بلا شعب‏،‏ أو أرضا يقطنها شعب لا سيادة له يعيش داخل كانتونات تراقبه العيون الصهيونية المسلحة لتضبط حركته وتجعله يتحرك داخل حدود الإدراك الصهيوني‏،‏ وحينما يطالب الصهاينة الفلسطينيين بالجلوس معهم علي مائدة المفاوضات فهم يطلبون منهم ذلك وهم قابعون داخل إدراكهم الصهيوني،‏ فيعرضون عليهم سلاما صهيونيا حسب شروط صهيونية‏،‏ يضمن استسلام الفلسطيني،‏ فإن لم يقبل الفلسطينيون بالسلام ـ الاستسلام،‏ فإن جيش الدفاع الإسرائيلي سيتحرك ليدك المنازل ويسويها بالأرض، ليضمن أن الواقع الفلسطيني يتفق مع الإدراك الصهيوني له‏.‏
‏ثمة إحساس عميق لدي المستوطن الصهيوني بأن العربي الغائب لم يغب‏،‏ وأن وجود الشعب الفلسطيني لا يهدد حدود الدولة أو سيطرتها علي أجزاء من الأرض الفلسطينية وحسب،‏ وإنما يهدد وجودها كله‏.‏ والإسرائيليون دارسون نهمون لتجربة استيطانية سابقة تمت في نفس المكان وهي تجربة حروب الفرنجة‏,‏ وممالك الفرنجة التي دامت نحو قرنين من الزمان،‏ رحل أصحابها،‏ ولم يبق من آثارهم سوي بعض الأطلال،‏ لهذا السبب يتعمق الهاجس الأمني علي مر الأيام،‏ لا يسكنه شيء،‏ ومهما قدم العرب من تنازلات،‏ يظل الهاجس الأمني قائما،‏ وكأنه لا علاقة له بالواقع،‏ فهو حالة إدراكية مرضية لها جذور عميقة في الواقع‏.‏
هذا الهاجس الأمني ولد إحساسا عميقا باليأس لدي الإسرائيليين‏,‏ فالمؤرخ الإسرائيلي «يعقوب تالمون» يتحدث عن عقم الانتصار،‏ بعد أن رأى الجيش الصهيوني ينتصر في حرب تلو الأخرى ولا يحقق شيئا لأن الشعب الفلسطيني يرفض الاختفاء، ولأن الشعب العربي لا يتوقف عن تأييد الفلسطينيين، وأن الشعوب الإسلامية لا تزال مستمسكة بالقدس وبأرض فلسطين‏.‏ أما الشاعر الإسرائيلي «حاييم جوري» فيتحدث عن أرض إسرائيل،‏ أي فلسطين قائلا‏:‏ «إن هذا التراب لا يرتوي،‏ فهو يطالب بالمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى»،‏ بل إنه يري أن «الإسرائيلي يولد وبداخله السكين الذي سيذبحه‏».‏
إن الإحساس باليأس قد يؤدي في النهاية إلي الفرار والهزيمة،‏ ولكنه في المراحل الأولي يؤدي إلي مزيد من العنف الفكري الذي يؤدي إلي مزيد من الإرهاب الفعلي،‏ وكلما زادت المقاومة الفلسطينية زاد البطش إلي أن يصل المستوطن الصهيوني إلي اللحظة التي يدرك فيها أن العنف لن يجدي فتيلا أمام المقاومة،‏ وأن تحالف إسرائيل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والعالم الغربي‏ (وهذه هي آخر بنود الإجماع الصهيوني‏)، لن يفيدها كثيرا في محاولة قمع الفلسطينيين،‏ عندئذ سيمارس هذا المستوطن تحولا إدراكيا إذ إنه لن يمكنه الاستمرار في الادعاءات أمام نفسه بأن فلسطين هي «إرتس يسرائيل»، وأنها أرض بلا شعب تنتظر عودته منذ آلاف السنين،‏ عندئذ ستسقط الأسطورة وتبدأ النهاية‏.‏
في ‏18‏ أكتوبر عام‏1973‏ كتبت مقالا بعنوان «لا نهاية للتاريخ»، أشرت فيه إلي أنه بغض النظر عن نتيجة الحرب،‏ فإن نظرية الأمن الإسرائيلية المبنية علي فكرة الحدود الجغرافية الآمنة،‏ والتي تسقط عنصر الزمان،‏ قد انتهت،‏ لأن العرب أثبتوا مقدرتهم علي تطوير أنفسهم بمرور الزمن‏.‏ وحينما حانت اللحظة المواتية‏ تحركوا وألحقوا الهزيمة بالعدو الذي أدرك بعدها أن الأمن لا يوجد في المكان وحسب،‏ وإنما يوجد في الزمان أيضاً،‏ وأنه ليس مسألة خاصة بالعلاقة بالجبال والحواجز المائية والترابية،‏ وإنما أمر يتعلق بالعلاقة مع البشر‏.‏ وقد أنجزت انتفاضة ‏1987م‏ شيئاً من هذا القبيل،‏ فمن خلال فعل المقاومة، تنازل الإسرائيليون واعترفوا بالوجود الفلسطيني،‏ وجوداً هزيلاً،‏ محاصَراً من كل مكان،‏ ولكنه وجود حقيقي‏,‏ أي أن الخريطة الإدراكية الصهيونية تم تعديلها بشكل جذري،‏ أما انتفاضة الأقصى ‏(التي يطلق عليها البعض اسم انتفاضة الاستقلال‏)‏ فقد تركت جرحا غائرا في الوجدان الصهيوني أكثر عمقا وجذرية من أي جرح سابق،‏ إذ إنني أرى أن الحلم الصهيوني قد تم تقويضه وإلى الأبد،‏ وانتهى الوهم بأنه يمكنه التعايش مع العربي.‏ ومن الآن فصاعداً،‏ مهما يحدث بعد انتفاضة الأقصى‏، حينما سينظر الصهيوني إلي العربي بعيونه المسلحة،‏ فإنه سيري مشروع انتفاضة،‏ وسيري يداً تُمسك بحجر‏,‏ وأن هذا العربي الذي يسير أمامه في سلام‏،‏ هو في واقع الأمر عربي يلتقط أنفاسه ليعود ليقاوم وليرفع رايات العدل والصدق في زمن يكثر فيه الكذابون والجبناء‏..‏ وهذا هو الإنجاز الأعظم لانتفاضة الاستقلال‏..‏ والله أعلم‏».‏




رد مع اقتباس
#10  
قديم 10-29-2005, 04:30 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(7) الذوق الأدبي

بقلم: الدكتور عبد القدوس أبي صالح


نستطيع أن نُعرِّف الذوق الأدبي بأنه "قدرة يُميَّز بها جمالُ النص الأدبي أو رداءته" .. وما من شك في أن الناس يتفاوتون في الذوق الأدبي كما يتفاوتون في الطعام والشراب.
ومع أن من الصعوبة بمكان أن توضع معيارية للذوق الأدبي إلا أن النقاد المعاصرين وضعوا مصطلح "الذوق السليم" ليكون معياراً تقريباً للذوق المتوسط الذي لا يهبط إلى مستوى الذوق السقيم، ولا يرقى إلى مرتبة الذوق المتفرِّد.
والذوق الأدبي موهبة فطرية، وهو ينمو بالثقافة وسعة الاطلاع، كما ينمو بالدربة والمران على تذوق النصوص.
وللذوق الأدبي العام أهمية بالغة في توجيه الحركة الأدبية، ويذهب الأستاذ عمر الدسوقي إلى أن طغيان المادة، وجفاف المياه، وفساد السلائق .. كلُّ ذلك أدّى إلى انحراف الذوق الأدبي في العالم العربي نحو الأدب الهابط والأدب الرخيص الذي يُثير الغرائز، بل ربما وصل إلى الركاكة والغثاثة.
ومن المؤسف أن كثيراً من الأدباء يتملّقون الذوق العام المنحرف، ويُقلدهم الآخرون، وبذلك نرى انحطاطاً محزناً في الإنتاج الأدبي شعراً ونثراً، والسبب في رأي الناقد المذكور يعود إلى إهمال الذوق الأدبي العام، وعدم تعهده بالصقل والتهذيب في المنزل والمدرسة والمجتمع، ومع فقدان التوجيه السَّديد الذي يأخذ بيد القارئ إلى ما يسمو بروحه وعقله وخلقه، ويأخذ بيد الشّادين في الأدب فيدلّهم على الطريق الأقوم.
ومما يُضخِّم المشكلة أننا ندخل فيما يشبه الحلقة المفرغة، فالأدباء يتملّقون الذوق العام المنحرف بإنتاجهم الهابط، والجمهور يُقبل على الإنتاج الهابط بسبب انحراف الذوق العام.
ومع أن الذوق موهبة فطرية ـ كما قدّمنا ـ فليس هناك إنسان محروم من قدر معين في الذوق الأدبي، والذي يُمكن تنميته بالتثقيف والرعاية والصقل والتهذيب، والممارسة الذاتية.
وأمّا الرعاية والصقل والتوجيه فهي عملية مستمرة تبدأ من الآباء المثقفين لتنتهي بالنقّاد المتمرّسين الذين لهم دور كبير في مسيرة الأدب وتوجيهه، ويأتي ما بين الآباء والنقّاد دور المدارس والجامعات من حيث العناية بتذوُّق النص الأدبي، وتوجيه الأجيال إلى دراسة أدب التراث، والوقوف عند روائع الشعر القديم، والتوجيه إلى حفظ الكثير منها أو مدارسته، وفي هذا المجال نستطيع أن نسترشد بما ذهب إليه ابن الأثير في ضرورة أن يُكثر المرء من حفظ شعر العرب لاشتماله على ذكر أخبارهم وآثارهم وأنسابهم وأحسابهم، وفي ذلك "تقوية لطبعه، وبه يعرف المقاصد، ويسهل عليه اللفظ، ويتسع المذهب، ولا يستغني عن شعر المولَّدين المجيدين لما فيه من حلاوة اللفظ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البدائع".




رد مع اقتباس
#11  
قديم 10-29-2005, 04:32 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(8) سهام ماضية

بقلم: الدكتور محمد مندور


هناك ثلاث رذائل كبيرة تنخر في أخلاق الكثيرين من المصريين على نحوٍ لم أر له شبيهاً في بلدٍ من بلاد العالم، على كثرة ما رأيتُ من بلاد وقابلت من بشر، ولا بد من أن نكشف عنها لعلها تُخفي عن أنظارنا شبحها المرذول، فقد سئمتُ لقياها في كل سبيل، وبمنحنى كل نفس.
*أمّا أولاها، فهي محاولة كل إنسان أن يوهمك أنه أكبر وأفضل وأعلم مما هو، ولقد كان من عادتي الصبر، فكنت أتلقّى هذه الدّعاوى بصدر رحب، ولكنني لم أكن ألبث أن أحس بنوع من اختلاس الثقة يُحاوله من يتخطّى حدود نفسه، وليس أمرّ على النفس ولا أهيج للحفيظة من خيبة الأمل، وإنه من اليسير على من أوتي شيئاً من الفراسة وسداد الرأي أن يحكم على الناس ويُنزلهم منازلهم الحقة، وإنه لمن الخير لنا جميعاً أن نُحاول دائماً احتلال المكان الذي نستحقه في النفوس دون تطاول أو انحطاط، أما الإقحام فما نظنُّه يُعقِّب أثراً باقياً، حتى ولا في نفوس البُله!
ولستُ في الحق بواثق من أن أمثال هؤلاء الناس الذين نشكو منهم مرَّ الشكوى يعون ما يفعلون أم هم في غفلة الغرور، ولكنني لاحظتُ في الغالب الأعم أنهم مشربون بحقارتهم، وأنهم يبذلون مجهوداً إراديا لتغطية تلك الحقارة بالإيهام، وذلك لما نُلاحظه من هياج في الحركات، وضغط على مخارج الحروف، وتصنع للانفعال واراتفاع في الصوت، وهلهلة في ملامح الوجه وتطلع في السكون والحركة.
*وثاتيتها غيرة مسرفة وحقد عجيب، ولكم ساءلتُ نفسي لماذا يشغلُ الناسُ بغيرهم إلى هذا الحدِّ المُدمِّر، وتلك مشاعر خليقة بأن تُنزِل بالنفس الخراب.
والذي عهدته في النفوس القوية هو نزوعها المستمر إلى التسامي بذواتها، فهي تسعى لأن تكون في يومها خيراً من أمسها، وأن تعمل في غدها ما يُميِّزُ عملها في حاضرها، فإذا عزَّ التسامي كان الاستجمام في ثقة وتوثُّب.
وأما أن يُفني المرءُ بياضَ يومه وسوادَ لياليه في التفكير فيما وصل إليه هذا الشخصُ أو ذلك، أو الخوف من أن يسبقك زيد وبكر فهذا شعورٌ صغير لا تعرفه إلا نفس صغيرة، وهو دليلٌ على عدم الثقة بالنفس، كما هو دليل على انهيار الشخصية، وإن كان هناك شعور قبيح من مشاعر البشر فأجدر به أن يكون ذلك الشعور!
*وثالثها: فساد عميق في تربية الناس الاجتماعية، فقد تُلاقي صنوفاً من الأفراد، بعضهم صغير، وبعضهم كبير. ولقد تتلطّف مع الصغير بدافع إنساني بريء، ظانا أنك بعملك هذا تُدخل السرور على نفس بشرية، فإذا بك وقد سقطت هيبتك من قلبه، وإذا به يتطاول على المساس بك في غير ذوق ولا حياء، ولقد تُفسِح في صدرك، ثم يأتي يوم يتحرّك دمك فإذا بك تردُّ في عنف، وإذا بالمسكين يصحو بعد غفلة، وإذا به يشكو دون أن يفهم شيئاً أو يُدرك له محنةً. فإذا جاء يومٌ، وصفعْتَهُ صفعَ الأقوياء لأنكَ رجلٌ عزيزُ النفسِ حامي الدماء أُسقِط في يده، وأخذه إمّا عنادُ الحمقى وإمّا انهيارُ الأذلاّء! ولستُ أدري لذلك من سببٍ غيرُ فسادِ التربيةِ الاجتماعيةِ، فسادها في المنزلِ وفي المدرسةِ وفي الوظيفةِ، وفي الشارعِ، وفي الدكانِ، وفي المصرفِ، وفي كلِّ مكان، حتى لكأنَّكَ تسيرُ في بلدٍ كله أرقاء!
أيُّ عذابٍ نفسيٍّ في أن تراك مضطراً إلى تقديرِ كل لفظ تقول، وكل حركةٍ أو ابتسامةٍ أو تقطيبِ جبينِ أناس لا فهمَ لهم ولا تقدير، ولا يعرفون حدا يبدؤون منه ولا حدًّا ينتهون إليه؟!
ترى هل باستطاعتك أن تخلق لنفسك عقليةً جديدةً وذوقاً جديداً وتربية جديدةً تُماشي بها الناس، لا أن تأخذك العزة فتثبت كما أنت مُحولاً أن تنقل العقول وتُحوِّل الأذواق، وتسدد التربية لتستطيع أن تتفاهم مع الناس، أو أن تقبلهم، أو تطبق عليهم خيراً.
هذه أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها غير الله، فإليه نفوِّضُ الأمر.




رد مع اقتباس
#12  
قديم 10-31-2005, 08:24 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(9) الروائي محمد جبريل يكتب عن التجريب فى القصة الحديثة
--------------------------------------

التجريب فى القصة الحديثة .. جذوره التراثية

بقلم: محمد جبريــل
ـــــــــــــــــــــ

المؤلف المصرى ـ فى اجتهاد أستاذنا سيد كريم ـ هو المؤلف الحقيقى لأشهر الروائع القصصية الخالدة التى لا تزال نسخها تباع بالملايين منسوبة إلى غيره ، مثل سندريلا وعلى بابا ومجنون ليلى وشمشون ودليلة والشاطر حسن والسندباد البحرى والكونت دى مونت كريستو ، وغيرها .. ويعترف نوثروب فراى بأن حكاية الأخوين هى مصدر قصة يوسف ـ سماها خرافة ـ عندما حاولت زوجة الأخ الأكبر أن تراود أخاه الأصغر عن نفسه ، فلما رفض إغواءها ، اتهمته عند أخيه بأنه حاول اغتصابها . ويلاحق الأخ أخاه ، وتتنامى الحبكة فى توالى الأحداث المتسمة بالعجائبية . ويضيف ا . ل . رانيلا إن للعرب الفضل فى إبداع الحكايات بوصفها أدباً ، وبهذا ثبّتوا شكل القص الخيالى المصور للحياة .
لقد واجه الشرق اتهاماً بضعف الخيال ، بحيث غاب فن القصة فى التراث العربى . القصة ـ فى تقدير المستشرقين ، وفى تقدير معظم الباحثين العرب أيضاً ـ فن أوروبى مستورد ، يمد جذوره فى الثقافة الأوروبية ، فهو تقليد ومحاكاة للقصة فى الغرب ، وليس له أى جذور فى التراث العربى الذى يعد تراثاً شعرياً فى الدرجة الأولى ، فهو مستحدث فى الإبداع العربى . بل إن محمود تيمور يقرر ـ فى بساطة ـ أنه لم يعد بيننا خلاف ـ كذا ـ على أن الأدب العربى ـ فى عصوره الخالية ـ لم يسهم فى القصة إلاّ بالنزر اليسير الذى لا يسمن ولا يغنى ، فالقصة الفنية إذن دخيلة عليه ، ناشئة فيه ، لا أنساب لها فى الشرق ، ولا استمداد لها من أدب العرب " ( دراسات فى القصة والمسرح ـ 64 ) .
والحق أنه من المكابرة الساذجة تصور القص العربى الحديث بعيداً عن تقنيات الغرب ، لكن من الخطأ البالغ إهمال تقنيات الحكى العربى فى سعينا لتأكيد الهوية القومية لإبداعنا المعاصر . ومن الصعب ـ فى الوقت نفسه ـ أن ندعى غياب الصلة بين الأشكال القصصية التراثية ، والقصة العربية ـ والقصة بعامة ـ فى أحدث معطياتها . ولعلى أذكر بقول جارثيا ماركيث : " من الطبيعى أن يمعنوا ـ يقصد الغرب الأوروبى ـ فى قياسنا بالمعايير ذاتها التى يقيسون بها أنفسهم ، ولكن عندما نصور وفق نماذج لا تمت إلينا بصلة ، فإن ذلك لن يخدم إلا غاية واحدة ، هى أن نغدو مجهولين أكثر ، وأقل جرأة ، وأشد عزلة " ..
وإذا كان التراث العربى ـ فى تقدير المستشرقين ـ يفتقر إلى الخيال ، والنظرة الفلسفية المتكاملة ، والحاسة النقدية ، وغياب الحس والقصصى والدرامى ، إلخ ، فلعله من المهم أن نشير إلى قول رينان بأن أوروبا امتلأت بقصص لا حصر لها قدم بها الصليبيون من الشرق العربى ، إثر عودتهم إلى بلادهم . ويقول ميشيل : " إذا كانت أوروبا مدينة بديانتها المسيحية لتعاليم المسيح ، فإنها مدينة بأدبها القصصى للعرب " . بل إن البارون " كار دى فو " يؤكد أنه ليس هناك أدب سبق الأدب العربى فى ابتداع فن القصة ( محمد مفيد الشوباشى : الأدب ومذاهبه ـ 30 )
إن ضعف الخيال والإسراف فى الخيال اتهامان أملتهما الرغبة فى تحقير الملكات الإبداعية لكتاب الشرق ، وأن الشرق سيظل دوماً فى موقف التابع بالنسبة للمتبوع ، وهو الغرب الأوروبى .
الغريب أن الذين أفادوا من الخيال العربى ، ممثلاً فى ألف ليلة ليلة وحى بن يقظان ورسالة الغفران والحكايات والسير والطرف والأخبار العربية ، ينتمون إلى ثقافات أوروبية ، أو متأثرة بالثقافات الأوروبية . والثابت ـ تاريخياً ـ أن الرومانس ـ الحكايات الشعبية الأوروبية ـ تأثرت فى نشأتها بألف ليلة وليلة ..
ثمة رأى أن الرواية والقصة القصيرة والمسرحية لم يعرفها العرب إلاّ بعد اتصالهم بالأدب الأوروبى . وقد نقل العديد من الدارسين العرب عن المستشرقين ـ وكم تظلمنا النقلية ! ـ ما ذهبوا إليه من أن ما عرفه التراث العربى من الإبداع القصصى والروائى والمسرحى ، لا يعدو مجموعة من الأخبار والطرائف التى تخلو من الحرفية الفنية كما فى الإبداع الغربى . عمق من المشكلة أن المسرحية والقصة والرواية قد اقتصر تناولها على النقد الأوروبى والدراسات الأوروبية . وهو ما يزال قائماً ـ للأسف ـ حتى الآن . ومع أن نجيب محفوظ هو أحد الكتاب العالميين ـ باعتراف نوبل ! ـ فإن كل المراجع النقدية الحديثة ـ قبل نوبل وبعدها ، وحتى الآن ـ تخلو من عمل له ، بل ولا تشير إلى أعماله على أى نحو . إنهم يناقشون إبداعاتهم باعتبارها هى الإبداع الذى ينبغى تناوله . إنها ـ مع التقاط شذرات من هنا وهناك ـ هى الإبداع العالمى إطلاقاً ..
***
فى القرآن الكريم يقص الله ـ سبحانه ـ على رسوله الكريم أحسن القصص . وكان العرب يبدءون حكاياتهم أو طرفهم أو نوادرهم بعبارة : قال الراوى ، يحكى أن ، زعموا أن ، كان ما كان ، إلخ .. وقد أسهمت ألف ليلة وليلة ورسالة الغفران وحى بن يقظان وغيرها ، فى تطور فن القصة ـ والرواية طبعاً ـ فى الغرب . أديب أمريكا اللاتينية ألفريدو كاردنيا بنيا يجد فى ألف ليلة وليلة مخزناً لأكبر عدد من القصص الإسبانية . إنها النبع الثرى المتعدد الروافد للكثير من القصص الواردة فيه ـ على حد تعبير الكاتب ـ فم تترك أى موضوع إلاّ وتطرقت إليه ، بحيث تحولت الكتابات التالية إلى مجرد تقليد ، أو نقل غير مبدع . وتبدو إفادة الثقافة المكتوبة بالأسبانية من الثقافة العربية المعاصرة ـ إبان حكم المسلمين لشبه الجزيرة الأيبرية ـ ظاهرة محيّرة ، مقابلاً لإخفاق الثقافة العربية المعاصرة فى الإفادة من ذلك التراث ، مع أنه يتصل بنحن ، وليس بالآخر . إنها ثقافة تعتمد على الدين الإسلامى والتاريخ العربى واللغة العربية . يغيظنى ـ على سبيل المثال ـ زهو بعض المبدعين بأنهم قد تأثروا بواقعية ماركيث السحرية ، بينما أعلن الكاتب الكولومبى أنه قد تأثر بغرائبية ألف ليلة وليلة !..
يقول محمد فهمى عبد اللطيف : " كان من الطبيعى أن يتميز القاص المصرى فى هذا المجتمع الخصيب ، وأن يكون محصوله فى ذلك وافراً ، ونتاجه وافياً .. فكان أبرز وأوفى من أجدى فى هذه الناحية . وما ألف ليلة وليلة ، وقصة الهلالية ، وقصة الظاهر بيبرس ، وقصة سيف بن ذى يزن ، وغيرها من القصص ، إلاّ من فيض براعة القصاص المصريين ، وقدرتهم على التحليل والإفاضة ، سواء ما ابتدعوه منها ابتداعاً ، أو ما مدّوا فيه بالتزيد والإغراق والاختراع والاختلاق . وإذا كان هؤلاء القصاص قد تناولوا ألف ليلة وليلة نصاً عن الفارسية ، مدّوا فى فروعه ، وأساساً ارتفعوا ببنائه ، فإنهم كذلك فى قصة الهلالية تناولوها عن الأصل التاريخى ، وأخذوها مما جرى فى رحلة أولئك الأغراب إلى مصر ، ثم إلى بلاد إفريقية ، وما وقع لهم من الحروب والأحداث ، وانتقلوا بذلك الأصل التاريخى إلى ميدان الخيال الفسيح " ( أبو زيد الهلالى 59 ) .
ما نستطيع الاطمئنان إليه أن القصة العربية لها جذورها الممتدة فى تربة التراث . وهى تختلف ـ بالتأكيد ـ عن تربة الترجمة التى أعطت لإبداعنا ثماراً يصعب التقليل من قيمتها . وإذا كان محمود طاهر لاشين قد أعلن أنه " لا ميراث لقصاصينا فى الأدب العربى " ( المجلة الجديدة ـ يونيو 1931 ) فإن مجرد التنقيب فى التراث العربى الأدبى القديم ، سعياً لاكتشاف شكل فنى يمكن نسبته إلى القصة والرواية ، اتساقاً مع شكل القصة والرواية الغربية .. ذلك التنقيب لم يكن يخلو من نظرة أحادية متعسفة ، فالقصة ـ فى تقدير هؤلاء ، وفى سعيهم لاكتشاف ملامحها فى الأدب العربى القديم ، هى القصة فى الغرب من حيث البنية والحبكة والتكثيف وغيرها . وحين أهملت إبداعات الغرب القصصية والروائية تلك الخصائص ، فإن محاولاتنا الإبداعية ـ والنقدية ـ قد أهملتها كذلك !
***
لقد غابت القصة الموباسانية ـ أو ذوت فى أقل تقدير ـ منذ فترة بعيدة ـ فى الأدب العالمى . وغاب ذلك النوع من القصص فى إبداعنا العربى ـ منذ الخمسينيات ـ على يد اليوسفين إدريس والشارونى وإدوار الخراط ، ثم فى أعمال أدباء الستينيات التى اختلط فيها الوعى باللا وعى وتيارات الشعور . لم يعد الواقع هو تلك الثنائيات المكرورة : التقدم فى مواجهة التخلف ، الخير فى مواجهة الشر ، الغنى فى مواجهة الفقر إلخ .. أصبح الواقع ملتبساً وظنياً ، وقدمت محاولات تنتسب إلى الواقعية السحرية والعجائبية والغرائبية وخارج الواقع وما فوق الواقعى . النص الأدبى ـ فى تقدير تودوروف ـ هو النص الذى يحطم القواعد النوعية ، ولا يمكن أن يتقلص إلى مجرد معادلة ، ومن ثم فلا يمكن وضعه ـ بصورة نهائية ـ فى جنس محدد . ويذهب جوناثان كلر إلى أن الأنواع ليست مجرد فئات للتصنيف ، بل مجموعات من المعايير والتوقعات التى تساعد القارئ فى تحديد وظائف العناصر المختلفة فى العمل الأدبى . وهو رأى يبدو مقنعاً فى عمومه . مع ذلك ، فإنى أرجو ألا نختلف فى أنه توجد خصائص أو سمات يشترك فيها النص الإبداعى مع نصوص إبداعية أخرى ، تختلف عن نوع ذلك النص . فالقصة ـ على سبيل المثال ـ قد تستعين بدرامية الحوار ، أو تلجأ إلى هارمونية الموسيقا ، أو إلى أسلوب التبقيع ، أو الكولاج ، كما فى الفن التشكيلى ، أو تقنيات السينما والمسرح وغيرها . وثمة رأى أن الرواية نوع أدبى يقاوم التقيد بما هو تأملى وفنى خالص ، بحيث تذوب فى المجموع الكلى للتجربة الإنسانية من أفكار وآراء وطموحات وغرائز . لا تفرد مطلقاً فى الجنس الأدبى ، فهو لابد أن يفيد من الأجناس الأدبية الأخرى ويفيدها ، يتأثر بها ويؤثر فيها . وإذا كانت كتابات ما بعد الحداثة تتجاوز الأنواع ، الأجناس الأدبية ، تذيب الفوارق والحدود ، فإن التخلى عن الفروق بين الأنواع ، وظهور صيغة جديدة ، تأتلف وتختلط فيها كل الأجناس ، يعنى التحول إلى نص بلا ملامح ، وبلا هوية محددة [ عندما ظهرت اللا رواية واللا مسرحية ـ فى الستينيات ـ تصور الكثيرون أن الرواية والمسرحية حان أوان موتهما ! ]. القصة قد تفيد من لغة الشعر ، بينما تلجأ السينما إلى الرواية الأدبية ، وتعتمد الرواية على درامية الحوار ، إلخ .. لكن القصة يصعب إلا أن تكون قصة . الأمر نفسه بالنسبة للقصيدة والمسرحية والفيلم وغيرها . وإذا كانت بعض الأعمال الحديثة تطالعنا باعتبارها كتابات أو نصوصاً ، لا تسمية نوعية محددة ، كقصة أو قصيدة أو مسرحية ، فلعلى أومن بمقولة هيثر وابرو التى تؤكد أن معرفة النوع تهبنا مفاتيح عالية القيمة ، فيما يتصل بالكيفية التى نفسر بها قصيدة ..
***
يقول ألان روب جرييه : " ليست المشكلة هى تأسيس نظرية أو قالب موجود سلفاً نَصُبّ فيه كتابة المستقبل . وعلى كل روائى ، وكل رواية ، أن يخترع شكله الخاص ، وليس هناك وصفة يمكن أن تحل محل هذا التأمل الدائم " . ثمة مقولة إن الرواية نوع غير منته ، وقدرها أن تظل هكذا إلى الأبد . إنها تتسم ـ كجنس فنى ـ بالانفتاح واللانهائية . ما يشبه الإجماع النقدى على أن الرواية والقصة القصيرة هما النوعان القصصيان الحديثان اللذان جاوزا التعريفات والقوانين النقدية . وقد نشأت القصة الحديثة ـ فى تقدير أوستن وارين ورينيه ويلك وغيرهما ـ من الأشكال السردية غير الخيالية ، كاليوميات والمذكرات والرسائل والسير والتاريخ ، وأيضاً من خلال النادرة والخبر والطرفة والملحة وغيرها . [ وهو ما يخالف قول محمود أمين العالم : " ليس من الدقة أن نسعى إلى تلمس مصادر القصة العربية فى تاريخ الأدب العربى القديم ، وفى القرآن ، والأساطير الشعبية والحكايات والمقامات وكتب الأخبار " ـ الثقافة الوطنية ـ فبراير ـ مارس 1954 ] . ثم خالفت القصة الحديثة ـ فى محاولاتها للتجريب ـ كل الأبنية القصصية المعروفة ، وحطم كتاب القصة القصيرة والرواية المحدثون كل البنى القصصية المألوفة ، أو المتعارف عليها ، أو حتى التى حاولت التجريب دون أن تجاوز صفتها الإبداعية . أصبح مصطلح الرواية والقصة القصيرة ـ على سبيل المثال ـ مطاطاً . تلامس مع الملحمة والسيرة والمسرح والسيرة الذاتية إلخ . فالحيرة التى واجهها النقد فى النظرة إلى أيام طه حسين ، أو خليها على الله ليحيى حقى ، باعتبارها عملاً روائياً أو سيرة ذاتية ، تلك الحيرة تجد مرساها فى نسبة السيرة الذاتية إلى فن الرواية ، فالأيام أو خليها على الله إذن سيرة ذاتية ورواية فى آن . ولا يخلو من دلالة قول شلوفسكى إنه لم يعثر بعد على تعريف للقصة القصيرة . ثمة روايات وقصص جيدة دون أن يكون لها منظور جيد . إنها تعبير عن الإبداع الفنى وليس نظريات النقد . أهملت بعداً أو اثنين من الأبعاد الثلاثة : الحدث والزمان والمكان . وثمة أسماء لأشكال أدبية تتصل على نحو أو آخر بفن القصة القصيرة : القصيدة النثرية ، الخرافة ، الحكاية ، الطرفة ، ا لملاحظة ، الحدوتة ، اللوحة ، الفصل فى رواية ، إلخ .. وهناك القصة المضادة ، أى التى تهمل المتعارف عليه فى فن القصة ، مثل الزمان والمكان والمنظور والحبكة والشخصيات واللغة إلخ . وعلى سبيل المثال ، فالقول بأن الرواية ليست مجموعة من القصص القصيرة ، مقابلاً لأن القصة القصيرة ليست جزءاً من الرواية . ذلك القول لم يعد وارداً فى الحقيقة . قد تطالعنا رواية هى مجموعة من اللوحات المنفصلة ، المتصلة [ أذكرك بروايتى رباعية بحرى بأجزائها الأربعة ] وقد تأتى فصولاً فى رواية ، يشكل كل فصل ما يعد قصة قصيرة . والمجموعة القصصية قارب الجليد لإدوارد ماييا E Maelle يمكن قراءتها باعتبارها كذلك ، أو باعتبارها فصولاً تشكل رواية . وأيضاً رواية البنتاجون لأنطونيو دى بنيتو Antonio Di Benedetto كتبها الفنان فى شكل قصص قصيرة . وقد دخلت العظات والخطب والرسائل فى نسيج السرد . والمتواليات القصصية قد تأتى ـ كما أشرنا ـ فى صورة لوحات منفصلة ، ومتصلة ، أو حكايات سردية تتعدد فيها الشخصيات والأمكنة . وثمة القصة التى لا تسرد شيئاً ، أو التى تخلو من الحدث والشخصيات والحبكة . وثمة تقطع الحكاية ، والقص واللصق [ الكولاج ] وتحليل اللاشعور من خلال وجهات نظر الشخصيات ، والمناجاة الذاتية ، والنثر الغنائى . الحكاية تختلف عن القصة القصيرة فى أن لها دلالة واضحة ، لكن الحكاية ذات الدلالة هى الكثير مما يطالعنا الآن باعتباره قصة ..
وإذا كانت الرواية الجديدة قد نشأت حوالى 1910 على يد فرجينيا وولف ، فإن الجدة فى الرواية متكررة ، ومتواصلة ، ومن الصعب القول إنها ستنتهى . الرواية ـ فى تقدير باختين ـ مجموعة من العمليات المفتوحة داخل حقل الكتابة . إنها لا تكون . فليس لها مجموعة من الخصائص الشكلية التى يمكن أن تحدها ، لكنها " تصير " ، فهى تتغير باستمرار وتتطور ، لكن ليس فى اتجاه محدد ، أو مرسوم سلفاً ، يمليه نظام للعلاقات بين الشكل الأدبى والبنية الاجتماعية التى تميز ظروف نشأته ( ت : خيرى دومة ) . ما يشبه الإجماع على أنه لم يعد هناك مالا تقبله الرواية ، وأن كل الأجناس ، وكل الحيل ، تخدم التقنية الروائية . أشير ـ ثانية ـ إلى روايتى رباعية بحرى . كل لوحة مستقلة بنفسها ، لكنها متصلة باللوحات التى سبقتها ، واللوحات التى تليها . تتشكل من توالى اللوحات بانوراما متكاملة ، بوسعنا أن ننسبها إلى الإبداع الروائى . وإذا كنت قد وصفت روايتى الحياة ثانية بالتسجيلية ، فلأن السرد يروى ما جرى بالفعل . لم أضف ، ولم أحذف ، اللهم إلاّ ما تصورته صياغة أدبية وتقنية . أما روايتى مد الموج فهى تنتسب إلى جنس الرواية ، لأنها تلتزم بتقنية الرواية ولغتها ، وإن اقتصر السرد الروائى على تبقيعات نثرية من سيرة حياة ..




رد مع اقتباس
#13  
قديم 10-31-2005, 08:32 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(10) الجماعية في الأداء

بقلم : محمد جبريل
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ


الجماعية فى الأداء شرط مهم لتحقيق النجاح فى أى عمل ينسب إلى الجماعة . بديهية يتناساها البعض لمجرد أن يكون هو وحده فى الصورة ، لمجرد أن يصبح نجماً ، يتحول زملاؤه من حوله إلى كومبارس أو ظلال .
يتسلم لاعب الهجوم فى فريق كرة القدم كرته من لاعب خط الظهر ، أو من لاعب خط الوسط . هو ـ كما ترى ـ لم يلتقطها من السماء ، أو أنه وجدها ملقاة فى جانب الملعب .
يتقدم اللاعب بالكرة فى اتجاه المرمى ، يلاحقه من فريقه لاعبان أو ثلاثة .
حسب قواعد لعبة البلياردو ، فإن على اللاعب أن يمرر الكرة من موضعه فى الجانب إلى زميل يواجه المرمى الذى قد يكون خالياً ، لكنه يفضل ـ فى أنانية عقيمة ـ أن يشوط الكرة فى الدفاع المتكتل ناحيته ، أو فى حارس المرمى ، أو يشوطها خارج الملعب . ويواجه اللاعب نظرات زملائه المؤنبة باعتذار لا معنى له ، فقد ضيع على فريقه هدفاً ، ربما كفل له الفوز !
فى اجتماعات هيئة ثقافية مسئولة ، طرح زميل اقتراحاً ، وافق عليه الأعضاء ، وقرروا تبنيه . لكن الزميل ما لبث أن سحب اقتراحه .
سألته بينى وبينه : لماذا ؟.
قال فى بساطة مذهلة : أخشى ألا ينسب الاقتراح لى !
ظل الاقتراح مشروعاً مؤجلاً ، مع أنه ـ فيما أذكر ـ كان يمثل إضافة إلى حياتنا الثقافية ، لا لسبب إلا لأن مقدم الاقتراح رفض الجماعية ، وخشى أن يدخل معه فى الخط آخرون يشاركونه النجومية !. وللأسف فقد نسى الأعضاء اقتراح الزميل ـ أو تناسوه ـ فلم ير النور !
العمل الجماعى يعنى أنه من صنع الجماعة ، هى التى تدرس وتخطط وتنفذ وتجنى الثمار ، أو تهب الثمار للمجتمع كله . إذا تصرف كل فرد فى حدود إحساسه بالفردية ، فإنه يمتنع عن وضع طوبة فى البناء الذى يسكنه الجميع ، أو يصنع ثقباً فى السفينة التى تقل الجميع !
عشنا أمثلة رائعة ونبيلة فى المعنى الذى يضحى ليس بالفردية فحسب ، وإنما بالحياة من أجل أن تنتصر الجماعة ، أن ينتصر الوطن : الجندى الذى وضع جسده على الأسلاك الشائكة ، ليعبر زملاؤه من فوق جسده إلى معسكر العدو . لم يتوقع إشادة من أى نوع ، ولا على أى مستوى . كل ما شغله أن يجعل من جسده معبراً لزملائه نحو النصر .
إذا تدخلت الفردية فى العمل الجماعى ، فإنها تسىء إلى الفرد ، وإلى الجماعة فى الوقت نفسه .
وحتى أكون محدداً ، فإن الظاهرة السلبية موجودة فى معظم ـ إن لم يكن كل ـ هيئاتنا الثقافية ، سواء كانت أهلية النشاط ، أم تابعة للدولة . واٍسألوا لجان المجلس الأعلى للثقافة وأقسام الجامعات واتحاد الكتاب ونادى القصة ورابطة الأدب الحديث التى يذكرنى سكرتيرها العام صديقنا الشاعر محمد على عبد العال بإمام اليمن الأسبق عندما كان يحتفظ بمفاتيح مؤسسات اليمن السعيد فى جيبه ، والقائمة طويلة !
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
*نشرها صاحبها بلا عنوان في زاويه (من المحرر) التي يكتبها كل سبت في (المساء الأسبوعية) المصرية.




رد مع اقتباس
#14  
قديم 08-27-2006, 11:46 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(11) هذه نصوصهم تدل عليهم‏!‏

بقلم‏:‏ رجاء النقاش
........................

كلما أمعنت في قراءة تاريخ الصهيونية‏,‏ وتاريخ دولة إسرائيل تبين بوضوح تام أن إسرائيل والعرب لم يصلا أبدا إلي نقطة التقاء مشتركة حتي الآن‏,‏ فالعرب يتحدثون كثيرا عن السلام بنية صافية وصادقة‏,‏ وفي المقابل لا يوجد في المصادر الأساسية للفكر الصهيوني أية نيات سلمية علي الإطلاق‏,‏ وتاريخ إسرائيل ليس فيه موقف جوهري واحد يدل علي أنها تؤمن بالسلام الآن‏,‏ فلايزال أمام إسرائيل الكثير الذي تفعله بنا نحن العرب قبل أن ترفع راية السلام علي الأرض‏,‏ والحقيقة أن إسرائيل هي تجسيد عملي للفكر الصهيوني‏,‏ والصهيونيون للأسف الشديد يضفون علي كل أفكارهم صفة دينية مقدسة‏,‏ أي أنهم يعتبرون كل ما يقومون به هو جزءا من عقيدة ثابتة لا يصح معها المراجعة أو التعديل أو الاعتراف بالخطأ أو بأي مبدأ آخر من المبادئ الإنسانية والأخلاقية‏.‏
وأنا دائما‏,‏ خاصة في أوقات الأزمات الكبيرة‏,‏ أعود إلي بعض المراجع الأساسية التي تتيح الفرصة الواسعة لكل من يريد أن يطلع علي النصوص الصهيونية‏,‏ وبعد المقارنة بين هذه النصوص‏,‏ المواقف الإسرائيلية سوف نجد أمامنا تطابقا كاملا بين الفكر الصهيوني والواقع الإسرائيلي‏.‏
ومن أهم هذه المراجع وأخطرها علي الإطلاق كتاب المفكر الفرنسي روجيه جارودي‏,‏ فلسطين أرض الرسالات الإلهية‏,‏ ترجمة العالم والمفكر الكبير الدكتور عبد الصبور شاهين‏,‏ وأهمية هذا الكتاب الخطير الذي يشبه الموسوعة الكاملة تعود إلي الكمية الهائلة من النصوص الصهيونية الأصلية الواردة فيه‏,‏ وهي نصوص موثقة منسوبة إلي مصادرها المحددة مع تحديد تاريخ هذه المصادر‏.‏
وكل النصوص الواردة في هذا المقال مستمدة من كتاب جارودي الخطير‏,‏ والذي ألاحظ أنه لا وجود له في المكتبات العربية الآن‏,‏ رغم اعتقادي بضرورة وجود نسخة منه في كل بيت عربي‏,‏ حتي يساعدنا علي إدراك الحقيقة‏,‏ وفهم الأزمات التي نتعرض لها في صور متلاحقة بسبب إسرائيل‏,‏ إن كتاب جارودي هو مصباح للحقيقة‏.‏
من أهم النصوص الصهيونية القديمة التي تلقي ضوءا علي الحاضر ما جاء في مذكرات هرتزل مؤسس الفكرة الصهيونية الحديثة‏,‏ حيث نقرأ ما كتبه في‏8‏ أكتوبر سنة‏1898‏ عن محادثاته مع الأمير هو هنلو مستشار الإمبراطورية الألمانية في ذلك الوقت‏,‏ يقول هرتزل‏:‏
سألني الأمير عن أي الأراضي تزمع الحصول عليها؟ فقلت له‏:‏ سوف نطلب ما نحتاج إليه‏,‏ وكلما زاد المهاجرون وجب أن تزيد الأرض‏.‏
وفي نص آخر يقول هرتزل بصراحة لا تختلف عن الوقاحة‏:‏ إن الحدود الشمالية لإسرائيل يجب أن تكون عند جبال الكباروس في تركيا‏,‏ أما الحدود الجنوبية فيجب أن تكون عند قناة السويس‏,‏ وفي هذا النص لا يخفي هرتزل الطمع الصهيوني الدائم في أرض سيناء‏.‏
وإذا عدنا إلي نسخة التوراة التي تعتمد عليها الصهيونية وتفسرها بما يتفق مع توسيع حدود إسرائيل باستمرار‏,‏ فسوف نقرأ هذا النص من سفر يشوع‏,‏ حيث يقول لليهود علي لسان الرب‏,‏ سبحانه وتعالي عما يكذبون‏:‏ كل موطن تدوسه أقدامكم لكم أعطيته‏.‏
وفي نص صهيوني آخر بالغ الأهمية ومثير للغضب وكاشف للنيات الصهيونية في المدي البعيد نقرأ ما نشرته مجلة التوجيه الإسرائيلية التي يصدرها التنظيم الصهيوني بالقدس عدد رقم‏14‏ بتاريخ أول فبراير‏1983..‏ يقول هذا النص المثير حول التصور الصهيوني لمصر‏:‏
إن استعادة سيناء بمواردها الطبيعية هدف له أولوية‏,‏ والعقبة التي تحول دون الوصول إليه هي اتفاقية كامب ديفيد‏,‏ وقد حرمتنا هذه الاتفاقية من بترول سيناء‏,‏ وتحملنا نفقات باهظة في هذا المجال‏,‏ ويجب أن نعمل علي استعادة الوضع الذي كانت عليه سيناء قبل زيارة السادات للقدس والاتفاق التعس معه سنة‏1979.‏
إن مصر بسبب صراعاتها الداخلية لم تعد تمثل بالنسبة لنا أي لإسرائيل والحركة الصهيونية أي مشكلة أساسية‏,‏ وسوف يكون من اليسير أن نردها إلي الوضع الذي عاشته عقب حرب يونيو سنة‏1967‏ في أقل من أربع وعشرين ساعة‏.‏
وهكذا فإن مصر‏,‏ حتي بعد كامب ديفيد‏,‏ لا تعجبهم ولا تغيب عن أحلامهم في السيطرة والتوسع‏,‏ والخطة الصهيونية الأساسية تنطوي علي كثير من الأوراق المأساوية ضد العرب‏,‏ ومن ذلك تمزيق لبنان وتحويله إلي دويلات صغيرة تخشي بأس إسرائيل وتعيش تحت مظلتها ونفوذها وسيطرتها الكاملة‏.‏
وهناك دليل قاطع علي أن نيات الصهيونية ضد العرب كانت ولاتزال نيات عدوانية توسعية‏,‏ هذا الدليل هو رفض إسرائيل أن تقدم خريطة تشتمل علي حدودها النهائية كما تتصورها‏,‏ ولا يوجد تفسير لذلك إلا أن تظل الحدود الإسرائيلية مفتوحة لابتلاع المزيد من الأرض العربية‏,‏ والحركة الصهيونية تعلن أنها في رفضها لرسم خريطة إسرائيلية ذات حدود نهائية إنما تشبه أمريكا فالإعلان الأمريكي للاستقلال سنة‏1776‏ لا يتضمن أي ذكر للحدود الأرضية‏,‏ وعليه فليست إسرائيل مضطرة إلي تعيين حدود الدولة‏,‏ وقد ظلت الخريطة الأمريكية أكثر من قرن كامل خريطة مفتوحة ومتحركة تضاف إليها أرض جديدة كلما نجح الأمريكان في طرد الهنود الحمر والاستيلاء علي أرضهم لضمها إلي الحدود الأمريكية المفتوحة‏,‏ وعلي أساس هذا التشابه بين نشأة إسرائيل‏,‏ ونشأة أمريكا يقول بن جوريون المؤسس العملي لدولة إسرائيل‏:‏ إننا لا يعنينا التشبث بالحالة الراهنة أو الوضع القائم‏,‏ فإن علينا أن ننشئ دولة متحركة ديناميكية موجهة دائما نحو التوسع‏.‏
فالتوسع إذن مبدأ مقدس عند الصهيونية‏,‏ وهو المبدأ الذي يدفع إسرائيل إلي الحروب المتواصلة ضد العرب‏,‏ وما حرب لبنان الأخيرة إلا حلقة في سلسلة طويلة من الحروب تريد إسرائيل‏,‏ أن تفرضها علي العرب جميعا‏,‏ فهي كما قال عنها أبوها ومؤسسها بن جوريون دولة متحركة وديناميكية ولا يعنيها الوضع القائم أو الحالة الراهنة‏,‏ ولابد لها أن تكون مصدر قلق للعرب‏,‏ وأن تضرب هنا وهناك باستمرار‏.‏
........................................
الأهرام ـ في 20/8/2006م.




رد مع اقتباس
#15  
قديم 08-27-2006, 11:47 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(12) نصوص صهيونية لاتسر القلب‏!‏

بقلم: رجاء النقاش
........................

قامت دولة إسرائيل علي أساس العقيدة الصهيونية‏,‏ التي تري أن فلسطين هي بالكامل حق لليهود وليس لأي شعب آخر‏,‏ وكثيرا ما يقول أصحاب هذه العقيدة الصهيونية ان يوم‏15‏ مايو سنة‏1948‏ ـ والذي تم فيه اعلان قيام إسرائيل ـ إنما هو يوم الاستقلال أو يوم تحرير أرض إسرائيل‏,‏ وليس لمثل هذه الكلمات أي معني إلا أنها تشير إلي تحرير إسرائيل من المحتلين وهم عرب فلسطين‏,‏ والغريب أن أصحاب العقيدة الصهيونية في إسرائيل وخارجها يرددون هذا الكلام كأنه حق لايأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه‏,‏ فهم يقولون ان فلسطين هي في الأصل أرض إسرائيل ولكن قوما أجانب هم العرب جاءوا من الخارج واحتلوها‏,‏ وعلي إسرائيل أن تحرر أرضها من هؤلاء الأجانب حتي تعود فلسطين إلي أصلها الحقيقي‏,‏ وهو أنها أرض إسرائيل وحدها دون أن يشاركها في هذه الأرض أي غريب أو دخيل‏.‏
هذه العقيدة القائمة علي الباطل وتزوير التاريخ هي التي تفسر لنا ظاهرة عنف إسرائيل وقسوتها في التعامل مع المدنيين العرب من أطفال ونساء وشيوخ‏.‏ وهذا العنف ضد المدنيين راسخ في العقل الصهيوني‏,‏ وهو ثابت في نصوص كتبها الصهيوني الأول في العصور الحديثة وهو تيودور هرتزل‏1860‏ ـ‏1904,‏ وكتابات هذا الصهيوني هي التي تمثل العقيدة الأساسية التي تسيطر علي العقل الإسرائيلي وتتحكم فيه حتي الآن وحتي الغد وإلي ماشاء الله‏,‏ وفي أقوال هرتزل ما يفسر سلوك الإسرائيليين غير الانساني ضد المدنيين العرب الذين لا يحاربون ولا يحملون أي سلاح‏,‏ ومن ذلك ما جاء في مذكراته التي كتبها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث يقول في هذه المذكرات ما نصه‏:‏
إذا نجح اليهود في خلق دولة إسرائيل فإنهم سوف يرحلون إليها في حركة تدريجية‏,‏ وعليهم أن يدركوا أنهم سوف يرحلون إلي دولة بها وحوش مفترسة لاينفع في مواجهتها حمل الرمح والحربة‏,‏ أو الذهاب فرادي إلي هناك في مواجهة الدب الذي يقف في انتظارهم‏,‏ ولذلك فإن علي اليهود أن يذهبوا إلي الدولة الجديدة أي إلي فلسطين في جماعات كبيرة قادرة علي أن تسوق هذه الحيوانات أمامها‏,‏ وعلي اليهود أن يقذفوا بقنابل شديدة الانفجار وسط جموعها أي جموع العرب بين وقت وآخر لإرهابها‏.‏
تلك هي بعض كلمات الصهيوني الأول هرتزل والتي كتبها في مذكراته منذ أكثر من مائة سنة‏,‏ وهي كلمات لا تحتاج إلي جهد لفهمها وتفسيرها‏,‏ فهي واضحة ومحددة ولا غموض فيها‏,‏ ومن هذه الكلمات ندرك أن الصهيونية في جوهرها تقوم علي العنف‏,‏ وأنها تعتبر الإرهاب بمعناه المباشر هو وسيلة مشروعة لتحقيق أهدافها‏,‏ كذلك فإن الصهيونية تنظر إلي الشعوب الأخري خاصة العرب نظرة متعالية وغير انسانية‏,‏ فالعرب كما تري في النص السابق هم من وجهة نظر هرتزل وحوش مفترسة وحيوانات‏,‏ ولذلك فهم يستحقون القتل بلا رحمة‏,‏ ومثل هذه الثقافة الصهيونية المستقرة في العقل الإسرائيلي هي التي تفسر لنا تكرار مذابح إسرائيل للمدنيين العرب‏,‏ وآخرها مذبحة قانا الثانية في لبنان والتي مات فيها نحو ستين مدنيا نصفهم تقريبا هم من الأطفال‏.‏
ونواصل المطالعة لبعض ما كتبه الصهيوني الأول منذ أكثر من مائة سنة‏,‏ وقد استقرت هذه الكتابات في العقل الإسرائيلي حتي الآن ولا أظنها سوف تخرج من هذا العقل العدواني في يوم من الأيام‏,‏ فهو يثير حماس اليهود ويقول لهم انهم أفضل من كل شعوب العالم الأخري‏,‏ وقد وقف يوما يخطب أمام أنصاره‏,‏ وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر حيث كان العرب يمثلون نسبة تصل إلي‏95%‏ من سكان فلسطين‏,‏ ولم يكن لليهود في فلسطين سوي نسبة ضئيلة جدا بين السكان‏,‏ وفي هذا الخطاب يقول هرتزل‏:‏
إن كلمة المستحيل قد محيت من القواميس واننا سوف نحول الصحراء إلي بستان واسع بإيماننا بمعجزات العلم‏,‏ وانني أومن بانبثاق جيل عجيب من بين اليهود بعد أن تكون لهم حكومة ويعيشوا كشعب من الأحرار فوق ثري وطنهم إلي أن يموتوا في سلام وطمأنينة‏.‏
والوطن الذي يشير إليه الصهيوني الأول هو فلسطين‏,‏ وعندما ألقي هرتزل هذه الكلمات علي أنصاره منذ أكثر من مائة سنة لم يكن اليهود يمثلون في هذا الوطن الذي يقول لهم انه وطنهم أكثر من‏2%‏ أو‏3%‏ من سكان فلسطين‏,‏ ومع ذلك فإن هرتزل يتحدث إلي اليهود الذين لم يكونوا قد ذهبوا إلي فلسطين بعد ويقول لهم ان فلسطين هذه هي بلدهم الذي سيعيشون فيه كشعب من الاحرار إلي أن يموتوا في سلام وطمأنينة‏!‏
وهرتزل في كتاباته وخطاباته ومذكراته يدعو اليهود إلي الثقة بأنهم أفضل شعوب الأرض حيث يقول‏:‏ إن شعبنا اليهودي يمتاز عن غيره من شعوب العالم في جميع الصفات‏,‏ وهذا هو السبب في كراهية الناس لنا وكل ما نحتاجه هو الثقة بالنفس‏.‏
ويصل الغرور في نفس هرتزل إلي حد غير معقول حيث يقول‏:‏ إذا أشرت بإصبعي إلي مكان في فلسطين طبعا وقلت لتقم هنا مدينة ستقوم هناك مدينة‏,‏ ويقول في مكان آخر‏:‏ قد أضع تاجا علي رأس ابني هانز وأجعله حاكما علي فلسطين ثم أخاطبه أمام كبار رجال البلاد قائلا له‏:‏ يا صاحب السمويابني الحبيب‏!‏
تلك بعض النصوص الصهيونية التي لا تسر القلب‏!‏ وهي كلها نصوص تؤكد اننا أمام عقيدة عدوانية مصممة علي إلحاق الأذي والضرر بالعرب‏,‏ وحريصة علي أن تقتل المدنيين عمدا وعن قصد وتخطيط‏,‏ فكل عربي في هذه العقيدة الصهيونية هو عدو قابل للذبح حتي تتحقق أهداف إسرائيل في السيطرة الكاملة والتحكم في مصير الآخرين‏,‏ الذين لا يزالون يأملون خيرا في التفكير الإسرائيلي عليهم أن يراجعوا هذه النصوص الصهيونية ولعلهم يقتنعون بأن إسرائيل لن تعتبر إلا إذا وجدت أمامها قوة تخشاها وتردعها وتقف لجرائمها بالمرصاد‏.‏
............
ملحوظة‏:‏ مصادر هذا المقال هي يوميات هرتزل ترجمة هلدا شعبان صايغ ـ هرتزل أول دراسة موضوعية عن حياة مؤسس الحركة الصهيونية تأليف ديزموند ستيوارت ترجمة فوزي وفاء وإبراهيم منصور ـ كيف يفكر زعماء الصهيونية كتاب للأستاذ أمين هويدي‏.‏
........................................
*الأهرام ـ في 27/8/2006م.




رد مع اقتباس
#16  
قديم 08-27-2006, 11:49 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(13) مائة عام على رحيل فارس السيف والقلم محمود سامي البارودي

بقلم: صلاح حسن رشيد
..................................

تجمعت عوامل خاصة وظروف مواتية ساعدت على بزوغ نجم شاعر العرب في العصر الحديث، ورائد التجديد والإحياء بلا منازع وشاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي باشا (1839 1904م) الذي رد لشعرنا العربي صورته النقية، ووجهه الصحيح، وروحه التي ضلت عن السرب، حيث استقرأ تاريخنا الشعري عبر صفحاته المتلألئة زمن الجاهليين والعباسيين.
توصل بقريحته الفذة، وخياله المحلق في الإبداع الإنساني - وعلى رأسه ما أنتجته السليقة العربية من فنون الوجدان والأنغام الساحرة إلى أعلى نموذج فني وأدبي يمكن أن تهتدي إليه الذائقة العربية.. وهكذا أحيا البارودي في الوجدان العربي تاريخنا الفني القشيب، متجاوزاً مرحلة السجع والجناس ومن ثم استنبت البارودي لأمته العربية ما يصلها بجذورها الممتدة الراسية في شجرة الحضارة والنهضة التي أسسها الأجداد العظام، وربط ما انقطع برباط متين، ولفت الأنظار إلى النموذج الأعلى في عالم الجمال الفني لكي نستمد منه الأصالة والحيوية والفتوة، وننطلق من خلال المعاصرة إلى مناحٍ أخرى من التجديد والتطوير والإضافة ولكن بروح عصرنا ومنطق بيئتنا وظروفنا الخاصة، بالاعتماد على مضمون جديد في إطار الشكل المتعارف عليه رمز البلاغة والموسيقى.
نشأة البارودي وبيئته
ولد البارودي في قرية إيتاى البارود بمصر، فاتحاً عينيه على نغمات ربة الشعر حيث عاش ونما وترعرع في بيئة تعتز باللفظ الرشيق، وتميل إلى ترديد الفخم الجزل من الأبيات التي تعلم الفروسية والبطولة والنخوة والشهامة وكراهية الضيم. وما إن بلغ السابعة من عمره إلا وعانقته ربة الشعر والتحمت بكيانه.. فقد وجد متسعاً من الوقت في بيته ليطالع أمهات الدواوين من الشعر القديم حفظاً وتذوقاً ومعايشة كما وجد في أعمامه وأخواله وأسرته خير معين على تغذية شاعريته المتفجرة.
يقول البارودي صبياً:
أنا في الشعر عريق لم أرثه عن كلالة
كان إبراهيم خالي فيه مشهور المقالة
وقدر لهذا الشاعر الكبير أن يكون فارس الميدان العربي فروسية فعلية وقولية، حيث التحق بالمدرسة الحربية بمصر يريد أن يتخرج فيها ضابطاً على غرار أبيه، وكأنما كان يحن إلى استعادة أمجاد البطولة والفخار والانتصارات العسكرية المدوية في جنبات أوروبا التي سجلها عصر محمد علي باشا.
وكأن القدر اختار لهذا الفتى النابه أن يجمع بين الحسنيين معاً.. الريادة الشعرية، والمجد العسكري.
يقول الشيخ المهدي: وفى هذه الأيام من عهد عباس الأول دخل البارودي المدرسة الحربية فلم تستطع أن ترده عن مناهل الشعر العربي القديم بل مضى يعكف عليها، ويسرف في العكوف، وكأنما أصبحت جزءاً من نفسه، وكانت العروبة تتعمق في هذه النفس بحكم أسرته وبحكم بيئته المصرية العربية، وبعد تخرجه من المدرسة الحربية نراه محولاً إلى نفسه هذا السيل الغزير، وكان أكثر ما يستهويه أشعار الحماسة والبطولة والقوة وما يتراءى له في الأفق البعيد من أمجاد أسلافه المماليك الذين عصفوا بالصليبيين والمغول وطردوهم شر طردة.
هذا هو البارودي وعالمه الشعري الذي تستوحي في أجوائه معاني النضال القومي والتحرير الوطني والفروسية بأجوائها التاريخية في سياقات وأشعار المتنبي وأبى فراس الحمداني، ومن قبلها شهامة ونخوة عمرو بن كلثوم ودفاعه عن العروبة إزاء غطرسة الآخر المتجبر، وهذا هو قاموسه الشعري غير المسبوق في زمانه الذي نحته نحتاً من غير مثيل ولا شبيه، وكأنه أعاد إلينا زمن المتنبي، حيث الفحولة والمتانة والفروسية ورسالة الشاعر القومية والمجتمعية.
وبسبب فروسيته تلك شعراً وحرباً اشترك البارودي في الحرب التي قادتها مصر عندما استنجدت بها الخلافة العثمانية لإخماد الثورة التي نشبت في جزيرة كريت، وأبلى فيها بلاءً حسناً حتى هفا قلبه لرؤية بلاده، فقال:
سرى البرق مصرياً فأرقني وحدي
وأذكرنى ما لست أنساه من عهد
النضال والثورة ضد الظلم
ولما عانى الناس من الظلم والفاقة في عهد الخديوي إسماعيل ثار الغيورون، وعلى رأسهم بالقطع فارس الحلبة وشاعر العرب ومصر محمود سامي البارودي الذي قال:
حلبت أشطر هذا الدهر تجربة
وذقت ما فيه من صابٍ ومن عسل
فما وجدت على الأيام باقية
أشهى إلى النفس من حرية العمل
لكننا من رجال السوء في زمن
أهل العقول به في طاعة الخمل
ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت
قواعد الملك حتى ظل في خلل
وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة
بعد الإباء وكانت زهرة الدول
ولهذا فلا ننتظر من البارودي الثائر، الفارس المغوار، الباني للعربية مجدها الشعري في العصر الحديث سوى مجابهة الطغيان والذل والقهر، وليس الخضوع والاستسلام؛ لأن قاموسه الحياتي والشعري لا يعرف إلا لغة القوة والصمود.
قوة العزيمة
وباستقراء ديوان البارودي المكتنز بالخيال الجميل، والصور الرائعة، والألفاظ المتينة القوية ذات الجرس العالي نلحظ ميله إلى الحديث عن طلب المجد وسل السيف ونشدان الحرية مثلما كان يفعل المتنبي، وكأنه قرينه في هذا العصر:
من صاحب العجز لم يظفر بما طلبا
فاركب من العزم طرفاً يسبق الشهبا
لا يدرك المجد إلا من إذا هتفت
به الحمية هز الرمح وانتصبا
يستسهل الصعب إن هاجت حفيظته
ولا يشاور غير السيف إن غضبا
إن حل أرضاً حمى بالسيف جانبها
وإن وعى نبأة من صارخ ركبا
فاحمل بنفسك تبلغ ما أردت بها
فالليث لا يرهب الأخطار إن وثبا
يقول الدكتور شوقي ضيف عن ريادة البارودي مصرياً، وعربياً وحمله تاج الإحياء والتجديد: "وبينما يعاني الشعر العربي في كل قطر من الأقطار العربية هذه المحنة يقصد التكلس الشعري زمن المماليك والعثمانيين التي تأخذ بأنفاسه إذا مصر يقدر لها أن تكون أسبق هذه الأقطار إلى النهوض به وبث الحياة فيه من جديد لا عن طريق هؤلاء الشعراء، وإنما عن طريق البارودي الذى كان أمة وحده في عصره، والذى امتلأ طموحاً بتحقيق مجد شعري تعنو له الوجوه، وقد ملك عليه الشعر قلبه، واستهوى لبه؛ فإذا هو يرفع لواءه محرراً له من قيوده الغليظة، وإذا هو يحمل شعلته إلى الأجيال الجديدة، وسرعان ما توهجت وهجاً لا نزال نعيش فيه إلى اليوم".
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
*المصدر:
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail...sItemID=159518




رد مع اقتباس
#17  
قديم 08-27-2006, 11:52 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(14) الشعر والمتلقي

بقلم: د. وليد قصاب
..............................

بين النص والمتلقي -فرداً أو جمهورا- علاقة شائكة معقدة، وهي في الوقت نفسه علاقة متعددة الجوانب، متشعبة الأطراف ويمكن للدارس أن يتناولها من وجهات مختلفة.
إن الدرس النقدي الحديث -على أيدي الاتجاه التفككي مثلاً- يعطي المتلقي (القارئ) سلطة غير متناهية في عملية التواصل الأدبي، إذ يجعله وحده سيد الموقف، وينيط به وحده مهمة فهم النص وتوجيهه الوجهة التي يريد، مسقطاً عليه ما يشاء من فكره وأحاسيسه منقطعاً به عن مؤلفه، وظروف كتابته، وعن أية ملابسات اجتماعية، أو تاريخية، أو نفسية أحاطت به. وإن النص لمفتوح -في هذه البدعه الفكرية الغربية- على تفسيرات غير نهائية، وتأويلات مفوحة غير يقينية لا يدركها الحصر.
إن التفكيكية(1) هي سلطة القارئ (المتلقي) وحده بدلاً من سلطة المؤلف، أو سلطة النص، كما نادت بذلك اتجاهات أخرى..
ولا شك أن هذا غلو في تقدير دور المتلقي؛ لأن أركان العملية الأدبية -في الحقيقة- هي ثلاثة: المرسل (الشاعر) والمستقبل (المتلقي) والرسالة (القصيدة)، ولكل طرف مكانه الهام، ولا يمكن الغض من شأنه لحساب الآخر.
إن الشاعر يسعى أن يكون متميزاً مبتكراً باهراً، وأن يكون صادقاً ولكنه لا يمكن أن يغفل عن أنه يخاطب متلقياً معيناً، وهو يحاول أن يقيم علاقة بينه وبينه، يؤثر فيه، ويحظ عنده، من غير أن تشحب ذاته، أو يقدم تنازلاً على حساب فنياتٍ أو قيم فكرية وشعورية يؤمن بها، إنه -باختصار- يأرب أن يلج عالم المتلقي من خلال ذاته هو، فيلتقي معه ويحاوره وينال إعجابه من غير أن يتملقه، أو يهبط عن مستوى عالٍ يجب أن يكون فيه.
والمتلقي ينشد أن يكون الشعر معبراً عن أشواقه وأمانيه، أن يجد فيه ذاته وهمومه، أن يجني من روضه متعة وفائدة، أن يشوقه ويفيده، ويقدم إليه غذاء روحياً وفكرياً، ولكنه غير معض من المسؤولية، إنه مطالب أن يكون على مستوى النص، وأن يتسلح بمعطيات الفهم والتذوق، وأن يكون أهلاً للتميز والإدراك، لأنه إن افتقد آلة ذلك كان على صورة ما رسم المتنبي في قوله:
ومن يَكُ ذا فم مُرّ مريض
يجد مراً به الماء الزلالا
وقوله:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفتُه من الفهم السقيم
والقصيدة هي "الجسر" الكتابي الذي يصل بين الطرفين: المرسِل والمستقبِل، ولا بد أن تمتع بالتوهج والألق، والقدرة على الوصول والتأثير، وألا تكون عالماً مغلقاً، أو طلسما من الطلاسم.
هذه أركان ثلاثة في معادلة العمل الأدبي، وإذا كان المتلقي ركناً ركيناً فيها كما رأيت، فإنه ليس كل شيء كما تقول التفكيكية. إن تاريخ الأدب يُري شعراء صفقت لهم الجماهير المتلقية، لكن قصائدهم كانت مثل فقاعات الصابون، تقرأ مرة واحدة ثم تتلاشى. ويُري شعراء ذوي مواهب عالية، ولكنهم تعالوا على المتلقي، أو لم يراعوا حقه، فلم يصلوا إليه، ولم يُكتب لشعرهم الذيوع والسيرورة، وهنالك شعراء قبضوا على ناصية الإبداع الفني من أطرافه الثلاثة، فقدموا شعراً باهراً شائقاً، عبر عن ذواتهم ومواجدهم، ووجد الجمهور فيه ذاته، فحظي عنده.
إن الشاعر والمتلقي يحتاج أحدهما إلى الآخر. قال الأديب الروسي تولستوي مرة عن الفن: "إنه عملية إنسانية فحواها أن ينقل إنسان للآخرين -واعياً مستعملاً إشارات خارجية معينة- الأحاسيس التي عاشها، فتنتقل عدواها إليهم فيعيشونها ويجربونها..."(2).
فهو نوع من البوح، والشاعر الفنان يجد راحة في هذا البوح؛ فهو محتاج الى من يشاركه تجربته الشعورية، وإلى من يحمل إليه عدوى ما أحس به. ومهما كان أصل الإبداع الفني، والمراحل التي يمر بها غامضاً معقداً فإن للفن -في أشكاله كافة- رسالة واضحة، وهي التبليغ والتوصيل ومن هنا يحضر المتلقي- آلياً، وبشكل شعوري أو غير شعوري -في كل عمل ابداعي ينشئه الأديب، ومن هنا أيضاً كان من غير المتخيل أن ينهض أي عمل أدبي من غير ثلاثة الأركان التي ذكرناها، وهي: المرسِل، والرسالة، والمرسَل اليه، أي المؤلف، والنص، والمتلقي. ولا يتخيل شاعر لا يضع في حسبانه متلقياً معيناً إلا أن يكون يكتب لنفسه فقط. وإن من المشروع أن يكتب الأديب لنفسه مادام يحتفظ بما كتبه في أدراجه، ولا يذيعه على الآخرين، ولكنه ما إن يفكر بإخراج ما كتبه حتى يغدو من غير المشروع تجاهل المتلقي، أو نفيه، أو الاستعلاء عليه. يقول الدكتور عمر فروخ: "على الشاعر أن ينظر إلى الناس، أو أن يلغي الناس من حسبانه، فاذا ألغى الشاعر عنصر القراء عند نظمه الشعر، فلماذا ينشر شعره في ديوان؟ ولماذا يُنشد الناسَ شعره؟ يقول أنصار (الفن للفن)- مقطوعاً عن الجانب الاجتماعي من دين وخلق وعلم ومنطق، وعن كل صلة بالبشر- إن شاعرهم ينظم الشعر لنفسه ولأنداده القليلين. فما حاجة جمهور الناس بذلك الشعر إذن؟"(3).
إن الجمهور المتلقي ركن ركين في العملية الإبداعية، كما ذكرنا، وقد أُثِرَ من تراثنا النقدي أن يحسب الشاعر حساب المتلقي، وأن يراعي مقام المخاطَب، فيلوّن كلامه بما يتناسب وحالة من يتوجه إليهم بالرسالة وقد عُرّفت البلاغة بأنها "مراعاة الكلام لمقتضى الحال"(4). والحال تعني المخاطَب والموقف. وما أكثر ما عيبت معاني الشعراء لأنها لم تراع مقامات المخاطَبين وأقدارهم المختلفة(5).
إن الشعر إذن ليس خطاباً للذات، بل هو خطاب للآخرين، وهو اتصال وتواصل مع الجمهور. إن الشاعر بشر يخاطب بشراً، "وليس هناك شاعر يعيش ويكتب في عزلة، فهو شخصية حية في فترة زمنية معينة، ومكان معين، وبيئة اجتماعية معينة، إنه فرد، ولكنه -في الوقت نفسه- عضو في المجتمع، ولابد للمجتمع من أن يلعب دوره في شعره، وقد يكون الشاعر متعاطفاً مع بيئته الاجتماعية، أو ثائراً ضدها، وقد يذهب إلى حد إنكارها، ولكن تأثيرها سيظل منطبعاً على شعره"(6).
وإن لكل عمل فني بعدين: أحدهما اجتماعي، وهو ينطلق من الواقع المعيش، والآخر فردي وهو ينطلق من خيال الفنان، وينبني على ذلك افتراض وجود آخرين، لهم علاقة ما - قراءة، أو نظر، أو سماع - بالعمل، وهؤلاء هم المتلقون، وهم يتوخون من خلال هذه العلاقة إيجاد رؤية أو أفق، أو حل لمشكلة مشتركة بينهم وبين المؤلف، فالعلاقة بينهما علاقة عضوية حتمية.
لمن يكتب الشاعر؟
إن سؤال الشاعر نفسه لمن يكتب؟ هو دليل الحيوية والخصب، وهو سؤال الإحساس بالمسؤولية، واحترام الفن، وهو مع السؤالين الآخرين: ماذا يكتب؟ ولماذا يكتب؟ ثالوث محترم موقر.
وإن من حقه أن يكتب لمن يشاء، وأن يختار الجمهور الذي يخاطبه، وإن الشعراء ليختلفون- كما تقول إليزابيت درو "واحدهم عن الآخر في اهتمام الواحد منهم بجمهوره، وتختلف الحال لذلك بين عصر وعصر، ويمكن على وجه الإجمال أن نقسم الشعر قسمين: شعر خاص، وشعر عام(7)، كما يمكن أن نقسم جمهور الشعر إلى جمهور خاص وجمهور عام، أي إلى "نخبة خاصة" وإلى طائفة "عريضة واسعة" فمن الشعراء من يتجاهر بالفخر بأن شعره موجه لنخبة، ومنهم من يفتخر بجماهيرية شعره. كان نزار قباني مثلاً يدعو إلى شعر "كالخبز يدخل في كل بيت".
ونخبوية الشعر لا تعني تميزه، أو أنه يتمتع بفنية أرقى، وذلك "أن رسالة كل منهما تختلف عن الأخرى، وكلاهما يتجه إلى أذواق وملكات مختلفة عند القارئ"(8).
وتحدث بعضهم عن أنواع أخرى من المتلقين. فقسمهم من حيث طبيعتهم التكوينية إلى ثلاث فئات، هي:
1 - طبقة الجمهور المحادث: وهو ذاك الذي يستحضره كل كاتب في وعيه في أثناء الكتابة، فيقيم الكاتب- حقيقة أو خيالاً- مع جمهوره المجرد هذا- وإن كان هو نفسه -حواراً قصدياً، بهدف تحريك شعوره، أو إقناعه، أو مواساته، أو تحريره، أو حتى تيئيسه.
2 - طبقة الجمهور الوسط: أي الوسط الاجتماعي الذي ينتسب إليه الكاتب، وهو الذي يفرض على الكاتب مجموعة من التحديدات.
3 - طبقة الجمهور الواسع: وهو الذي يتخطى جميع الحدود الزمنية والمكانية والجغرافية والاجتماعية، ولا يمكنه أن يفرض على الكاتب أي تحديد(9).
إن الكاتب -كما ذكرنا- لا يكتب إلا ليُقرأ، أي ليتلقاه متلق من نوع ما، وإن الكتاب لا يوجد إلا حين يُقرأ، أي حين يصبح الدالّ- الكتاب من حيث هو مجموعة أدلة لغوية- مدلولاً، أي مضموناً فكرياً لهذه الأدلة، بواسطة حل الشفرة، أي قراءة الجمهور(10).
(يتبع)




رد مع اقتباس
#18  
قديم 08-27-2006, 11:53 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



وعلى العموم، فمهما اختلفت نوعية الجمهور الذي يتلقى الشعر فإنه جزء هام من العملية الإبداعية -كما ذكرنا- وهو حاضر -بصورة أو بأخرى- في ضمير الشاعر ووجدانه مادام هدفه التواصل مع الآخرين والبوح بتجربة شعورية معينة، ولا ينطوي الإحساس به، أو يغيَّب في أي نص ناجح إلا إذا كان الشاعر يكتب لنفسه، أو يعتزل الجماعة ليعبر عن أحاسيس ذاتية لا يهمه أن يفهمها أحد، أو تصل إلى أحد.
الحضور المكثَّف للمتلقي
على أن استحضار الشاعر للمتلقي، وإحساسه الحارّ به يتمثلان بصورة مكثفة، في ظل إيمانه بإحدى المقولات التالية:
- إنسانية الشعر.
- الدور الاجتماعي للشعر.
- غائية الشعر
- التواصل مع الآخرين.
وإذا كان النقاد -كل بحسب منهجه- قد تلمسوا في الشعر خلال مسيرته الطويلة ملامح وسمات، وافترضوا فيه أغراضاً وغايات، فإن "المتعة" و"الفائدة" ظلتا ملمحين لا يغيبان من سمائه أبداً فكي يكون الشعر مفيداً ينبغي أن يكون ممتعاً، ولكي يكون جميلاً ينبغي أن يكون مفيداً، ولقد عبر الدكتور جونسون عن غاية إنسانية للشعر بقوله: "الغاية الوحيدة للأدب هي أن يجعل القارئ يحسن الاستمتاع بالحياة، أو يحسن تحملها"، كما عبر كيتس عن هذا الجانب الإنساني في الشعر بقوله: "إن الشعر يجب أن يلفت القارئ وكأنه تعبير عما يجول في خاطره من أفكار سامية، وأن يبدو وكأنه استذكار لشيء عرفه ونسيه" كان إزرا باوند يقول: "ما من أحد يمكن أن يقرأ قصائد هاردي دون أن بحس بأن حياته ولحظات عمره التي نسيها قد عادت إليه: لمحة من هنا، وساعة من هناك..."(11).
فالشعر إذن يهبنا الإحساس بالحياة، وقد يجعلنا نعيش الحياة مرة أخرى، وهو ينبهنا إلى نقاط منها لم نكن نعرفها، يقول ماثيو أرنولد: "قوة الشعر الكبرى تكمن في قدرته على الترجمة، ولا أعني بذلك قدرته على كشف سر الكون، وإنما أعني قدرته على تناول الأشياء بطريقة توقظ فينا إحساساً كاملاً جديداً أليفاً بها..."(12)؛ فالشاعر يقترب من الجماهير بما يقدم إليهم من التجارب الإنسانية التي تمتعهم وتفيدهم، وتعمق معرفتهم بالحياة، وتفتح لهم آفاقاً جديدة إليها. ولا نزال -نحن جمهور العرب - نستحضر شعر المتنبي وأبي العلاء وغيرهما، ويعيش في ضمائرنا، ونستشهد به في كثير من المناسبات؛ لما يحمله من التجارب الإنسانية العظيمة، والحكم البليغة الرائعة.
إن الحياة الإنسانية بكل عمقها وثرائها وواقعيتها هي مادة الأدب، والأدب سجل حي لما رآه الناس في الحياة، وما عرفوه منها، وما خبروه من أحوالها، وما بلوه من شؤونها، وما كانت مواقفهم منها، ولذلك كان هدسون يقول: "إن الأدب تعبير عن الحياة وسيلته اللغة" وكان كولردج يقول: "إن الأدب نقد للحياة".
وكلما كانت صلة الشاعر بالحياة صلة عميقة حميمة كانت حظوته عند الجمهور أبلغ، وكان احتفاء الناس بشعره أعمق وأغزر. وإن انهماكه في قضايا عصره وتفهمه لمشكلات الناس وهمومهم، وعيشه في ضمير المجتمع، ينبض بقلبه، ويتنفس برئته، هو الذي يدنيه من الجمهور، ويدني الجمهور منه "ولن يكون الشاعر إنساناً إذا لم يستعمل شعره أحياناً لكي ينقد ويعارض. يقول لويس ماكنيس: ليس الشاعر مكبر صوت للمجتمع، ولكنه أقرب إلى أن يكون صوته الهادئ الخافت"(13).
ومهما ادّعى بعض النقاد أو المتذوقين للشعر أن للتجربة الشعرية قيمتها مستقلة عن الآثار النافعة التي قد تنجم عنها، أي ما يتصل بها من معنى خلقي، أو فلسفي، أو اجتماعي، أو ما شاكل ذلك، لأنها في جوهرها تجربة خيالية أو تأملية تنشأ عن طريق وضع الكلام في نسق خاص من الوزن، فإن ارتباط الشعر بالحياة- على نحو ما ذكرنا- يجعل من الصعب على الناقد مهما -ادعى الموضوعية والحيدة الفكرية- أن يحكم على التجربة الشعرية حكماً فنياً خالصاً، وهذا واحد مثل ماثيو أرنولد الذي كان يحب أن تعصمه معرفته بالشعر من الحكم عليه بناء على ما له من منفعة وهدف "كان يصر على أن المعاني الجدية هي أساس الشعر، فاستبعد شوسر من بين الأسماء الكبرى لأن شعره لا يتضمنها"(14).
وإذا كان الناقد المحصَّن بمعرفة طبيعة الشعر، وأنه في المقام الأول تجربة فنية جمالية تأملية، لا يستطيع أن ينطوي على إعجاب فني صرف، بل يبحث عن التجارب الإنسانية الحية، والمعاني الجادة؛ فهل نتوقع من الجمهور أن يعشق الشعر لا لشيء إلا لما فيه من المهارة اللفظية، وأن يُقبل عليه إذا لم يكن يقدم له شيئاً ينفعه، أو يمتعه، أو يزيده معرفة بالحياة؟
يقول برادلي: "قد يكون للشعر قيمة بعيدة أيضاً باعتباره وسيلة للثقافة والدين، لأنه قد يعلمنا شيئاً، أو قد يرقق من عواطفنا، أو يدعو إلى قضية خيّرة.. وليس هذا مما يسيء الى الشعر في شيء، وإنما الأمر على العكس.."(15).
وإن الاتجاه الشكلي، أو الفن من أجل الفن، ليقصران الشعر على القيم الحسية، مجردة عن الحياة والمجتمع، وقد أكد إليوت في أكثر من مرة أن "تحديد عظمة الأدب لا يمكن أن يكون على أساس المقاييس الأدبية وحدها، وذلك على الرغم من أننا لابد أن نتذكر أن معرفة ما إذا كان الذي أمامنا أدباً أم لا، يمكن أن يحدد بالمقاييس الأدبية فحسب..."(16).
وإذا ما أراد الشاعر أن يكون له جمهور فلا بد أن يقدم له ما يمتع ويفيد، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمعت في الشعر قيم فنية باهرة، وقيم فكرية إنسانية اجتماعية راقية، وإن فاعليته لا تتحقق إلا بتآزر هذه القيم جميعها، فالأدب تعبير عن (الأنا) الفردية، و(الأنا) الجماعية بطريقة فنية رفيعة، فهو من ثم تعبير عن النفس البشرية، ولذلك لابد من التساؤل فيه عن القصد والوظيفة، وعن صلته بالمجتمع والجمهور. "إن رسالة الشعر هي أن تكشف عن قيمة هذا العالم، عالم تجربة الإنسان الحي. ولكن الشعر يعيش في ألفاظه، ولا يمكن فصله عن ألفاظه الأصيلة التي كتب بها..."(17).
الجمهور والشعر العربي المعاصر
لنقل- على رأي فريق من الباحثين -إن الشعر العربي المعاصر يمتد من أوائل القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، ليبدأ بعد ذلك الشعر الحديث مع انطلاق موجاته الأولى على يدي نازك، والسياب، وعبدالصبور وغيرهم، وأنا أستطيع أن أقول بكل اطمئنان: إن الشعر العربي المعاصر -على اختلاف اتجاهاته ومذاهبه الفكرية والسياسية والفنية- كان ذا صوت مسموع، وكان حاضراً حضوراً باهراً في ضمائر الجماهير العربية، وكان تأثيره قوياً فعالاً. وصدق شوقي إذ قال:
كان شعري الغناء في فرح الشرق 00وكان العزاء في أحزانه
ولا يستطيع أحد أن ينكر ما كان يُستقبل به شعر البارودي، وشوقي، وحافظ، والرصافي، وبدوي الجبل، والجواهري، والشابّي، وأبي ريشة وغيرهم من حظوة القوم واحتفائهم، وما كان يشعله من الحماسة، ويلهبه من الأحاسيس. وعلى الرغم من الخصومات الكثيرة التي نشبت بين المحافظين والمجددين، كان الجميع - على مختلف انتماءاتهم- يعرفون طبيعة الشعر، ويحظون باحترام المتلقي وقناعته.
واستمر صوت الشعر العربي كذلك مسموعاً عند أصحاب الموجات الأولى من الشعر الحديث، كنازك، والسياب، والبياتي، وعبدالصبور، ومحمود درويش وغيرهم، ولكن ما إن انحسرت هذه الموجات الأولى في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن -بعد أن خلفت آثاراً سلبية مدمرة فيمن جاء بعدهم من الشعراء الذين ركبوا موجة الحداثة المتطرفة- حتى بدأ عهد سقوط الشعر العربي وترديه.
واستمع إلى واحد مثل فاروق شوشة يتحدث عن جيل السبعينيات من الشعراء قائلاً: "إن جيل السبعينات صراصير يجب أن يداسوا بالأحذية"(18).
وإن أسباب هذا التردي كثيرة، فهي أولاً جزء من أزمة الثقافة العربية عامة، متمثلاً ذلك في مجموعة عوامل لا يتسع المقام لتفصيل القول فيها، منها مثلاً طغيان الحياة المادية وانحسار دور الفكر أمامها، ومنها تلك الهزائم، وذلك التحدي والتشكيك، اللذان تتعرض لهما الحضارة العربية الإسلامية في كثير من صورها وأشكالها، مما أحدث تصديعاً وتشويشاً في كثير من المفاهيم، ومنها مفهوم الشعر، ودوره، وطبيعته، ومنها ذلك الإعراض الذي نجده بين الجماهير العربية عامة عن كل ما هو ثقافي فكري، معمِّقاً هذا الانصرافَ شبهُ أمية ثقافية تحكم قبضتها عليهم فتحرمهم من متعة الاستمتاع بالشعر وتذوقه إن أحسنوا قراءته أصلاً..
ولكن على رأس الأسباب -في رأيي- ما حُمل عليه الشعر العربي وما يزال يُحمل على أيدي الحداثيين- من تغريب وإغماض، وتحديث غير أصيل، يدعو إلى تجريد الشعر من الغاية، وجعله نصاً مغلقاً، وتعتيمه -بشكل متعمد- حتى لا يصل إلى المتلقي، وفتح باب التجريب على مصراعيه أمام من هب ودب، وسلخ الشعر من المعايير التي تضبطه، فاقتحم ساحة الشعر ناس لا علاقة لهم بالشعر ولا بالنثر، وطفا هؤلاء- بسبب علاقات عامة، وانتماءات معينة- على السطح، فصاروا الأصل، ووجدوا من يعملقهم، فانحجب المجيدون، حتى رسخ في أذهان عامة الجمهور- ولا سيما من لا غوص لهم، أو يبهرهم طبل الدعاية الرنان- أن الشعر هو هذا الغثاء المستشري، فزهدوا فيه، وانصرفوا عنه، وقام بينهم وبينه حجاب ضيق، زاد من أزمة هذا الشعر وعزلته..
إن الشعر العربي الحديث يتقلص دوره في التعبير عن أزمة الأمة شيئاً فشيئاً، لقد صار -في غالبية نماذجه الذائعة المشهورة- عالماً مغلقاً، لم يعد نابضاً بالحياة، كما كان حاله في القرن الماضي، ولم يعد يحمل هم الجماهير ولا نبض حياتها اليومية. إنه يمر بأزمة توحي إلى المتابع أن عصر الشعر قد انتهى أو كاد. هناك انصراف عن قراءة الشعر، وزهد في طباعة الدواوين. واسأل أي شاعر مشهور عما يطبع من ديوانه فستجد ذلك مخجلاً، فما بالك بالمغمورين والشباب الصاعدين؟ إن أحداً لا يكاد يتحمس لطباعة شعرهم أو اقتنائه.
يقول نزار قباني في تصوير موقف الجمهور من شعراء الحداثة في هذه الأيام: "أزمة الشاعر العربي الحديث أنه أضاع عنوان الجمهور، فهو يقف في قارة والناس يقفون في قارة ثانية، وبينهما بحار من التعالي والصلافة وعقد العظمة، وبدلاً من أن تكون ثقافة الشاعر وسيلة للتفاهم والاقتراب أصبحت قلعة من الغرور لايدخلها أحد.. لماذا يعيد موزع البريد قصائد أكثر شعرائنا إليهم؟ لأنهم نسوا عنوان الشعب أو تناسوه.."(19).
لقد أقام الغموض السلبي الذي فشت فاشيته في كثير من نماذج الشعر الحديث، جداراً صفيقاً بينه وبين الجمهور العربي، فعمت الشكوى منه وطمت.
ولكن أصحاب الحداثة مضوا يحمّلون القارئ العربي مسؤولية العجز عن فهم إنتاجهم، فالجماهير العربية عند أدونيس لا تفهم هذا الشعر الحديث لأنها أمية، وغير ثورية(20). وهو يفتخر بأن من سمات هذا الحديث ذلك التنافر بين الشاعر والقارئ(21).
ولكي تسوّغ الحداثة عجزها عن الوصول إلى المتلقي العربي، أو لإيمانها الفعلي بغباء هذا المتلقي وعدم ثوريته؛ مضت تستهين به، وتحتقر ذوقه الفني، حتى بلغ الأمر أن قال قائل منهم: لسنا طالبي حداثة، وإنما نحن حديثيون. لهذا لا يمكننا التراجع أو التساهل، أو المساومة. الغموض؟ فليكن، وليكن الهذيان والجنون.."(22).
وراح الشاعر الحديث -بتعبير أحد الدارسين- يتعالى على المتلقي وينفيه "من معادلة العمل الفني ليصير النتاج الشعري نتاجاً في ذاته ولذاته. لا وجود للآخر. الأنا وحدها هي الموجودة. هي العالم.."(23).
وبدا هذا التعالي وهذا النفي مقصودين، معموداً إليهما عمداً اذ راح بعض الحداثيين "يتطيّرون من أي تواصل، حدث أو يحدث، بين الشعر والقراء والقضية، ويريدون لهذا التواصل -شبه المقطوع- ألا يعود أبداً، حفاظاً على نقاء الشعر ونظافته، أي عدم تلوثه بما يجري على الأرض. فلكي نظل في الشعر -كما يقول جاك الأسود- لا مفر للشاعر، ولشعره تحديداً، أن يظل خارج العلاقات الاجتماعية، خارج الصراع، وبدون موقف.."(24).
وهو كلام يجرد الشعر من أي وظيفة اجتماعية، ويقطع صلته بالجمهور. على أن انعدام التواصل بين الشعر الحديث والمتلقي العربي، الذي يحتج أصحاب الحداثة -في غمرة الدفاع عن قضية خاسرة- بقزامته وجهله، لم يقتصر على المتلقي العادي، بل عمّ المتخصصين والأدباء، وبعض رادة الحداثة أنفسهم ممن أوتوا شجاعة الاعتراف.
واستمع إلى أستاذ جامعي وناقد مرموق لا يُغمظ علمه وأثره، وهو الدكتور عبدالقادر القط يقول: "أعتقد أن التيار الجديد الذي يطلقون عليه مصطلح "الحداثة" سينحسر، ذلك أن الشعراء سيدركون أن صلتهم بالمتلقي توشك أن تنقطع تماماً..."(25).
واستمع كذلك إلى بلند الحيدري -وهو من كبار شعراء هذا التيار- يقول عن أدونيس، لا عن شاعر من شعراء هذه الأيام:"أنا لا أفهم أدونيس، وهو أقرب أصدقائي، وأصدق أصدقائي، أعرف كل دخائل حياة أدونيس لكن ما عدت أفهم قصيدته. يجب أن نجد العلاقة التي تؤكد عدم الانفصال ما بين المتلقي وبين المبدع.."، ثم يقول عن أدونيس: "يعتز بأن الآخر لا يفهمها- أي قصيدته- ويلتذّ بأن هذا الآخر ربما جاهل، أو قاصر عن استيعاب تجربته..."(26).
كما يقول عنه في موضع آخر: "مهّد أدونيس لهذا الاغتراب، فصار المرء لا يعرف ماذا يريد الشاعر أن يقول..."(27).
وهكذا قطع الغموض المقيت -الذي دعت إليه الحداثة، وأسرفت فيه- الأدب عن أداء رسالته، إذ تحول إلى طلاسم، بل آل -على حد تعبير الحداثيين أنفسهم- "إلى هلوسات لا تعرف لها رأساً من ذيل، ولا ذيلاً من رأس، لأنها بكل بساطة لا ذيل لها ولا رأس..."(28).
وانقطع التواصل بينه وبين المتلقي العربي، عاشق الشعر الأول، إذ راح الشاعر الحديث يكتب- في أغلب الأحيان- لنفسه، لا لأداء رسالة، أو التعبير عن قضية، إذ "لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع"(29). كما يقول أدونيس، والقصيدة "ليس لها هاجس سوى وجودها الذاتي"(30). كما يقول جابر عصفور، والأدب "عملية إبداع جمالي من منشئه، وهو عملية تذوق جمالي من المتلقي، وهدفه ليس نفعياً بل جمالياً"(31) كما يقول عبدالله الغذامي.
ونفي المتلقي من الحسبان، ونسب إلى العجز والجهل والأمية، مهما كان موقعه الثقافي: ناقداً، أو أستاذاً جامعياً، أو أديباً، أو شاعراً، فهؤلاء جميعاً جهلة أقزام ما عجزوا عن الولوج إلى عالم الشاعر الحديث.
وأخيراً... أقول:
إن عصر الشعر لم ينته، كما يحاول أن يذيع ذلك قوم. وإن الحياة- إذا خلت من الشعر- فقد خلت من جانب إنساني هام. سيبقى الشعر ما بقي الإنسان، وما دامت المشاعر تنبض، ولكن الشعر العربي اليوم غير معافى، إنه موجع مأزوم، فَقَدَ احترام الجمهور وعشقه. ولكي يستعيد تلك العلاقة الحميمة القديمة به، ينبغي أن يعرف عنوانه، وأن يعبر عنه، ويصدر عن همومه، ويكف عن صلفه واستعلائه عليه..
المراجع:
1- انظر: نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر: ص76 وما بعدها، وانظر لذلك: المرايا المحدبة ص291، وما بعدها.
2- الشعر: كيف نفهمه ونتذوقه؟ 29.
3- هذا الشعر الحديث: 26.
4- انظر مثلاً كتاب الإيضاح: 80.
5- انظر بعض أمثلة على ذلك في كتاب الموشح:189، 191، 226، 424. وانظر تفصيل بعض ذلك في كتابنا "دراسات في النقد الأدبي" 124-128.
6- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 189.
7- السابق: 190.
8- السابق: 191.
9- من مقال (قراءة في القراءة) لرشيد بنحدو، مجلة الفكر العربي المعاصر، العددان (48-49) شباط 1918، ص15.
10- السابق نفسه.
11- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 37.
12- السابق.
13- السابق 191.
14- السابق: 33.
15- الشعر والتأمل: 132، لهاملتون، ترجمة: د. محمد مصطفى بدوي.
16- من كتاب (حاضر النقد الأدبي) للدكتور محمود الربيعي: 58
17- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 335
18- مجلة الناقد، عدد تشرين الثاني (نوفمبر: 1992) ص27.
19- ما هو الشعر؟:46-48.
20- انظر: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، للدكتور عبدالحميد جيدة: ص23.
21- قضايا وشهادات (الحداثة: 2) دار عيبال، قبرص. بحث محمد دكروب: ص208.
22- مجلة أدب، العدد الأول، المجلد الثاني: 1963، ص6.
23- قضايا وشهادات (الحداثة:2) ص208-209.
24- السابق: 209.
25- مجلة الناقد، العدد السادس عشر، تشرين الأول: 1989) ص82
26- لقاء له مع مجلة المنتدى الإمارتية (العدد: 111) اكتوبر: 1992، ص6.
27- لقاء له مع جريدة الخليج الإمارتية (العدد: 5015) الاثنين 1-2-1993م.
28- مجلة الناقد، العدد الرابع عشر (آب: 1989) ص82.
29- مجلة فصول (4-4-1984م) ص20.
30- السابق: ص43.
31- السابق: ص97.
مصادر البحث
أولاً: الكتب:
1 - الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: د. عبدالحميد جيدة، مؤسسة نوفل، بيروت: 1980.
2 - الإيضاح: القزويني، تحقيق د. محمد عبدالمنعم خفاجي، دار الفكر اللبناني، بيروت.
3 - حاضر النقد الأدبي: د. محمود الربيعي، مصر.
4 - دراسات في النقد الأدبي: د. وليد قصاب، دار العلوم، الرياض: 1983م.
5 - الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: إليزابيث درو، ترجمة د. محمد إبراهيم الشوش، مكتبة منيمنة، بيروت: 1961.
6 - الشعر والتأمل: روستريفور هاملتون، ترجمة د. محمد مصطفى بدوي، وزارة الثقافة، مصر.
7 - قضايا وشهادات (الحداثة: 2) دار عيبال، قبرص: 1991م.
8 - ما هو الشعر؟: نزار قباني منشورات نزار قباني، بيروت.
9 - المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك: د. عبدالعزيز حمودة، عالم المعرفة، العدد (232) الكويت: 1998م.
10- الموشح: المرزباني، تحقيق علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر: 1965.
11- نظرية الأدب المعاصرة وقراءة الشعر. ديفيد بشبندر، ترجمة عبدالمقصود عبدالكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة: 1966.
12- هذا الشعر الحديث: د. عمر فروخ، دار لبنان، بيروت: 1978م.
ثانياً: الصحف والمجلات:
- جريدة الخليج: الإمارات العربية المتحدة.
- مجلة أدب: بيروت.
- مجلة الفكر العربي المعاصر: بيروت.
- مجلة المنتدى. الإمارات العربية المتحدة.
- مجلة الناقد: تصدر في لندن.




رد مع اقتباس
#19  
قديم 08-27-2006, 11:54 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(15) يوم العيد

بقلم: مصطفى لطفي المنفلوطي (1)
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــ

أفضل ما سمعتُ في باب المروءة والإحسان أنَّ امرأةً بائسةً وقفت ليلة عيد من الأعياد بحانوت تماثيل في باريس يُطوِّقه الناس في تلك الليلة لابتياع اللعب لأطفالهم الصغار، فوقع نظرها على تمثال صغير من المرمر هو آية الآيات في حسنه وجماله، فابتهجت بمرآه ابتهاجاً عظيماً، لا لأنها غريرةٌ بلهاء يستفزها من تلك المناظر الصبيانية ما يستفزُّ الأطفال الصغار، بل لأنها كانت تنظر إليه بعين ولدها الصغير الذي تركته في منزلها ينتظر عودتها إليه بلعبة العيد، كما وعدته، فأخذت تُساوم صاحب الحانوت فيه ساعة، والرجل يُغالي به مغالاة شديدة، حتى علمت أنها لا تستطيع الوصول إلى ثمنه، وأنها لا تستطيع العودة بدونه، فساقتها الضرورة التي لا يُقدِّرها إلاّ من حمل بين جنبيه قلباً كقلب الأم، وفؤاداً مُستطاراً كفؤادها، إلى أن تمدَّ يدها خفية إلى التمثال فتسرقه من حيثُ تظنُّ أن الرجل لا يراها، ولا يشعر بمكانها، ثم رجعتْ أدراجها وقلبها يخفق في آن واحد خفقتين مختلفتين: خفقةَ الخوف من عاقبة فِعلتها، وخفقة السرور بالهدية الجميلة التي ستُقدِّمها بعد لحظات قليلة إلى ولدها.
وكان صاحب الحانوت من اليقظة وحِدَّة النظر بحيث لا تفوته معرفة ما يدور حول حانوته، فما برحت مكانها حتى تبعها يترسَّم مواقع أقدامها حتى عرف منزلها، ثم تركها وشأنها، وذهب إلى مخفر الشرطة فجاء منه بجنديين للقبض عليها، وصعدوا جميعاً إلى الغرفة التي تسكنها، ففاجأوها وهي جالسة بين يدي ولدها تنظر إلى فرحه وابتهاجه بتمثاله نظرات الغبطة والسرور، فهجم الجنديان على الأم واعتقلاها، وهجم الرجل على الولد فانتزع التمثال من يده، فصرخ الولد صرخةً عظمى، لا على التمثال الذي انتُزع منه، بل على أمه المرتعدة بين يديه، وكانت كلمة نطقَ بها وهو جاثٍ بين يدي الرجل: رُحماكَ بأمي يا مولاي!، وظل يبكي بكاءَ شديداً.
جمد الرجلُ أمام المنظر المؤثِّر، وأطرق إطراقاً طويلاً، وإنه لكذلك إذ دقَّت أجراسُ الكنائس مُؤذنةً بإشراقِ فجر العيد، فانتفض انتفاضةً شديدةً، وصعب عليه أن يترك هذه الأسرة الصغيرة المسكينة حزينةً منكوبةً في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعاً، فالتفت إلى الجندييْن وقال لهما: أظن أنِّي أخطأتُ في اتهام هذه المرأة، فإني لا أبيعُ هذا النوعَ من التماثيل، فانصرفا لشأنهما، والتفتَ هو إلى الولد فاستغفرهُ ذنبَه إليه وإلى إمه، ثم مشى إلى الأم فاعتذر إليها عن خشونته وشدته، فشكرت له فضلَه ومروءته، وجبينها يرفضُّ عَرقاً حياءً من فعلتها، ولم يُفارقْهما حتى أسدى إليهما من النعم ما جعلَ عيدهما أسعدَ وأهْناَ ممّا كانا يظُنَّان.
*
لا تأتي ليلةُ العيد حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان، نجم سعود ونجم نحوس؛ أما الأول فللسعداء الذين أعدوا لأنفسهم صنوف الأردية والحلل، ولأولادهم اللعب والتماثيل، ولأضيافهم ألوان المطاعم والمشارب، ثم ناموا ليلتهم نوماً هادئاً مطمئنا تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول أسرتهم، تطاير الحمائم البيضاء حول المروج الخضراء، وأما الثاني فللأشقياء الذين يبيتون ليلهم على مثل جمر الغضا، يئنون في فراشهم أنيناً يتصدَّع له القلب، ويذوب له الصخر، حزناً على أولادهم الواقفين بين أيديهم، يسألونهم بألسنتهم وأعينهم: ماذا أعدوا لهم في هذا اليوم من ثياب يُفاخرون بها أندادهم، ولعب جميلة يُزينون بها مناضدهم؟ فيُعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها.
فهل لأولئك السعداء أن يمدُّوا إلى هؤلاء الأشقياء يد البرِّ والمعروف، ويُفيضوا عليهم في ذلك اليوم النزر القليل ممّا أعطاهم ليُسجِّلوا لأنفسهم في باب المروءة والإحسان ما سجِّل لصاحب حانوت التماثيل.
إنَّ رجلاً لا يؤمنُ بالله ورسله، وآياته وكتبه، ويحمل بين جنبيه قلباً يخفق بالرحمة والحنان، لا يستطيعُ أن يملك عينه من البكاء، ولا قلبه من الخفقان عندما يرى في العيد، في طريقه إلى معبده، أو منصرفه من زياراته، طفلة مسكينة بالية الثوب كاسفة البال، دامعة العين أن تتوارى وراء الأسوار والجدران خجلاً من أثوابها وصواحبها أن تقع أنظارهنَّ على بؤسها وفقرها، ورثاثة ثوبها، وفراغ يدها من مثل ما تمتلئ به أيديهن، فلا يجد بدا من أن يدفع عن نفسه ذلك الألم بالحنوِّ عليها، وعلى بؤسها ومتربتها، لأنه يعلم أن جميع ما اجتمع له من صنوف السعادة وألوانها لا يُوازي ذرة واحدة من السعادة التي يشعر بها في أعماق قلبه، عندما يمسح بيده تلك الدمعة المُترقرقة في عينيها.
حسب البؤساء من محنِ الدهر وأرزائه أنهم يقضون جميع أيام حياتهم في سجن مظلم من بؤسهم وشقائهم، فلا أقلَّ من أن يتمتَّعوا برؤية أشعة السعادة في كل عام مرة أو مرتين.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
(1) من كتاب: د. حسين علي محمد (بالاشتراك): فن المقالة: دراسة نظرية ونماذج تطبيقية، سلسلة "أصوات مُعاصرة"، العدد 114، دار هبة النيل العربية، القاهرة، 2003م، ص87 فما بعدها.




رد مع اقتباس
#20  
قديم 08-27-2006, 11:55 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



(16) عصام الغزالي.. هارب من الأضواء!

بقلم: د. حلمي محمد القاعود
.........................................

هذا شاعر من طراز خاص، درس الهندسة، وتخرج في جامعة القاهرة، 1972م، ثم درس علوم الدين والشريعة الإسلامية، وتخرج في كلية أصول الدين بالرياض عام 1398هـ 1978م، فهو يمزج في ثقافته بين العلم والدين، وبين التجربة والوحي، ويملك بهذا أفقاً عريضاً ومتسعاً للرؤية والتصور، وإذا أضيف إلى ذلك حس فني مرهف وموهبة شعرية ساطعة، أدركنا لماذا هو شاعر من طراز خاص.
وأحمد عصام الدين الغزالي خليل، أو عصام الغزالي، كما يعرف بين الأدباء والشعراء، من شعراء السبعينيات في مصر، وينتمي إلى الشعراء الذين سميتهم "بالورد" في مقابل من سميتهم "بالهالوك"، وكان بودي أن أخصص له فصلاً في كتابي "الورد والهالوك" ـ صدرت منه طبعتان: 1993م، 1994م ـ لولا ظروف حالت دون أن تكون دواوينه تحت يديَّ.
وقد أنتج عصام الغزالي شعراً كثيراً ضمته خمس مجموعات طبعها جميعاً على نفقته الخاصة وهو من المميزات التي تجعله طرازاً خاصاً مع أن هناك من دور النشر فيما أعلم من يرحب بنشر إنتاجه، ولكنه آثر أن يوزع شعره من خلال دار الوفاء في المنصورة، وهي المدينة التي ولد فيها عام 1945م، ويعيش فيها حتى الآن.
ومجموعاته الخمس هي "الإنسان والحرمان" 1970م، "لو نقرأ أحداق الناس" 1978م، "أهددكم بالسكوت" 1994م، "دمع في رمال" 1995 (إصدار ثان) ثم "هوى الخمسين" 1999م.
وعصام الغزالي يأخذ موقفاً من الحركة الأدبية، أو تأخذ منه الحركة الأدبية موقفاً، فهو يعيش مثلي بعيداً عن أضواء القاهرة وصحافتها ونقادها، ويستشعر تبعاً لذلك أنه مظلوم، ومعه حق، مع أن كاتباً صحفياً كبيراً كتب عنه في عموده اليومي، ولكنه يحتاج مع ذلك إلى ناقد متخصص يغازل شعره أو يطارحه الدرس والنقد، ثم إن رؤيته الإسلامية التي تتضح في شعره تجعل الحركة الأدبية
ومعظمها مشدود إلى تصورات مغايرة تتجاهله ولا تحتفي بموهبته، وفي داخل هذه الحركة من لا يلتفت إلى التصورات أو القيمة الفنية أساساً، بل يعتمد على ما يمكن تسميته بالعلاقات العامة وخاصة في مجال النشر والتعريف، وعصام الغزالي من النوع الذي ينفر من هذه العلاقات... فهو يعتز بذاته اعتزازاً كبيراً، يجعله يترفع عن استجداء الاهتمام بشعره وطلب التعريف به.. هذا وغيره من الأسباب جعل شعر عصام الغزالي بعيداً عن قطاعات عديدة من الجمهور، وإن كانت القطاعات التي قرأته وعرفته قد تمسكت به شاعراً مرموقاً له خصائصه الشعرية، وسماته الفنية.
وبصفة عامة، فإن شعر عصام الغزالي يدور حول محاور عديدة، منها ما هو تقليدي مثل الغزل والرثاء والإخوانيات والتوبة والاستغاثة والهجاء والغربة، ومنها ما هو مستجد ومستحدث مثل المواجهات الثائرة الغاضبة الحالمة ضد عناصر القهر والاستبداد والطغيان ثم مطالبته بالعدالة الاجتماعية، ورفض العنصرية، ولا ريب أن الشاعر يعالج محاوره معالجات متفاوتة، منها ما هو أقرب إلى الرصد والتسجيل، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى طرح الحلول والإجابات، ولكن الرؤية بشكل عام محكومة بالتصور الإسلامي، الذي يصل بالشاعر أحياناً إلى حد الزهادة في الحياة. ويصوغ الشاعر تصوره أحياناً في إطار يذكرنا بشعراء الزهد في العصر العباسي، خاصة شعر أبي العتاهية، في قصيدته "قالت لي الريح" يقول:
لا شيء تحميه البيوت
الكل: من يحيا يموت
المد يتبعه انحسار والبريق له خفوت
الحال ظل، يستحيل له دوام أو ثبوت
في آخر اللحن المغرد سكتة.. قبر صموت
الرزق في بحر تصارع فيه ملاح وحوت
وكلاهما في البحر مبتلع وللأمواج قوت
والرؤية الإسلامية في شعر عصام الغزالي تستوجب دائماً الاستعانة بالحق سبحانه وتعالى، والتوبة والرجوع إليه، وما أكثر القصائد التي يبتهل فيها الشاعر إلى البارئ سبحانه أن يعينه ويلطف به، وأن يحميه من الفتنة، وأن يساعده على العفة، وأن يتمم له ومن معه النور:
غريبان طوبى لنا يا أبي
وفي عالم الظفر والمخلب
تعبنا وجئنا نريح الخطى
ونستاف عطراً بأرض النبي
فيا رب أتمم لنا نورنا
بأيماننا ساطع الكوكب..
وفي قصيدته "في نور التوبة" يقف أمام ملك الملوك، ويهرول ملبياً ويقول:
ملك الملوك أتيته ومهرولاً لبيته
من سار في طلب الهدى فالله هذا بيته
ألقٌ توضأ بالجلال من المهابة سمته
إنا يبشرنا كتابك، والكتاب تلوته
ودنوت للحجر الذي لولاك ما قبلته
وغمرت صدري من تدفق زمزم وعمرته
فاقبله سعياً في سبيلك دون ذنبي سقته
وانفحه نوراً ملء قبر موحد.. لك موته
واجعله عوناً للضعيف على صراطك فوته
ولا يعني ذلك أن الشاعر يعتزل الناس أو المجتمع، فزهده والتزامه باب الله، لا يمنعانه أن يغوص في أعماق الواقع غضباً وسخطاً وتمرداً وثورة، ولعل مجموعته "لو نقرأ أحداق الناس" تعطينا دليلاً على هذا الغوص، فقد كانت قصائد المجموعة قبل حرب رمضان 1393ه، تضج بالرفض للهزيمة العسكرية في جبهات القتال، والهزيمة الداخلية في الوطن، فضلاً عن هجاء المهزومين وتعرية سلبيتهم، وفضح تخاذلهم، ولنقرأ على سبيل المثال قصيدته: "برقية إلى ربان سفينة تغرق" التي كتبها ضمن منشورات اتحاد طلاب هندسة القاهرة عام 1972م يقول فيها:
زميلك وسَّع شرخ القنوط
و"مات" وعقّد كل الخيوط
وخلَّى الحمولة وشك السقوط!
إذا كان يمكن فتح الخطوط
توجّه سريعاً لأدنى الشطوط
تماسك.. تحرك قبيل الهبوط
أخاف عليك من "الأخطبوط"
وبالطبع، فإن الشاعر يعيش مثل جيله، غربة زمانية حادة، قسوتها تفوق قسوة الغربة المكانية، ويزيدها قسوة غربة الشعر أيضاً في "زمان غريب" فالشاعر يمزج بينه وبين الشعر حتى يصيرا كياناً واحداً:
أنا الشعر، أرخوا عليَّ الستارا
فإن الزمان الجميل استدارا
غريب أنا، في زمان غريب
كطفل رأى وجهه المستعارا
فبيني وبين المرايا قناع
وبيني وبين العيون الحيارى
فهذا زمان "الجناة الضحايا"
وهذا زمان "البغايا العذارى"!!
ولعل في النماذج السابقة، ما يكفي لبيان رؤية الشاعر وتصوره للعالم والكون من حوله، حيث يقدم لنا الشاعر القابض على الجمر الذي يدفع ثمن قبضة حريقاً وألماً، ولكنه لا يتراجع، في الوقت الذي نجد فيه من ينكرون شيئاً اسمه الوطن أو القيم، تفتح لهم أبواب النشر والمؤتمرات الخارجية والداخلية، ويحظون أيضاً بالدعاية الإعلامية!.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
*المصدر: لها أون لاين.
الرابط: http://www.lahaonline.com/index.php?...onid=1&id=9082




رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عشرون عاماً ... قتيبة بن محمود كعكة الإشراقات الشعرية 4 12-18-2010 11:06 PM
أوراق خضراء: مقالات مُختارة (عشرون مقالة) د.حسين علي محمد د. حسين بن علي محمد 23 05-06-2009 12:45 PM
!! دراسة المقالات كيف تكون ؟؟ ؟؟ ؟؟ أبو يزيد العبار لمحات نقدية 0 11-24-2007 12:02 AM
مقالة المرسومي وحي القلم 1 05-02-2005 01:50 PM
هنا تجد أجمل المقالات لأئمة الأدب الحديث شراع المنتقى النثري 8 08-11-2004 07:33 PM

أقسام المنتدى

ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) @ وحي القلم @ لمحات نقدية @ فضـاءُ الّلغـة @ ثمراتُ الأوراق @ واحةُ القصة @ أهيلُ الكوكب (مجتمع رواء) @ قافلة الأعلام @ رِحــــابُ الأدب @ قافلةُ الضّيـاء @ المحذوفات @ مدرسةُ العَروض @ شؤونٌ إداريـة @ أدبُ الفلذات @ لمحاتٌ تطويريّة @ ديوانيـّـة رُِواء @ حديثُ الرّيشة @ أ . محمد بن علي البدوي @ علم النَّحْو @ فنون البلاغة @ الإملاء @ العَروض @ القافيــة @ ملتقى صفحات مجلة أسرتنا @ الرّقْمي @ مرافئ الوصول @ علم الصرف @ أيام عشر ذي الحجة / روحانية الأدباء @ جسور أدبية ( لقاءات وحوارات) @ ملتقى المؤسسين @ المعاني @ البيان @ البديع @ أكاديمية رواء @ المعجم @ الأصوات @ الإنشاء @ الأدباء الصغـار @ دفاعاً عن مقام النبوة @ الإشراقات الشعرية @ الدعاية والإعلان @ الدوائر الحمراء @ منقولات التصاميم والصور والرسوم اليدوية @ رسائل الكاشف @ المجلس الرمضاني / روحانية الأدباء @ قسم المنقولات ... @ منتقى القصص @ المنتقى النقدي @ أزهار الرّوض @ الملتقى الفني @ المنتقى الشعري @ المنتقى النثري @ التأصيل الأدبي @ إعراب الكتاب @ قواعد الإعراب @ إيــــــلاف ! @ البلاغة في القرآن الكريم @ البلاغة في الحديث النّبوي @ منبر الخطباء @ علم أصول النحو @ مخيم رواء الصيفي @ سحر القوافي (الباقة الشعرية) @ من الدفتر الأزرق (الباقة النثرية) @ حكايا (باقة القصة والرواية) @ تحف أدبية (باقة الشوارد الأدبية) @ رنين الضاد (الباقة اللغوية والبلاغية) @ نادي الرواية العربية @ صَرْف الأسماء @ صَرْف الأفعال @ النقد اللغوي @ علامات الترقيم @ المرفوعات @ المنصوبات @ المجرورات والمجزومات @ مملكة الرواية .. @ بلاغة الوحيين @ رواء الروح (الباقة الإيمانية) @ ألوان الطيف (باقة منوعة) @ الإشراقات النثرية @ الإشراقات القصصية @ فريق التصميم @ مشاركات الأدباء الخاصة بالموقع .. @ د. حسين بن علي محمد @ الرّاحلـــــون @ إدارة موقع رواء وقسم الأخبار .. @ نوافذ أدبية @ - الوجوه والنظائر (معجم ألفاظ القرآن الكريم) @ علم الدّلالة @ المنتقى من عيون الأدب وفنونه @ الأقسام الموسمية @ الأديب إسلام إبراهيم @ عن الأدب الإسلامي @ الإدارة المالية @ تغريدات رواء @ معلم اللغة العربية @



Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi