دورة علم القوافي
عدد الضغطات : 122
سجال شعري شهري
عدد الضغطات : 96
آخر 10 مشاركات
سجال شهري ثابت / أهلا بكم (الكاتـب : أشرف حشيش - آخر مشاركة : سليلة الغرباء - )           »          انكسار . . . (الكاتـب : ياسر سالم - )           »          الهوى.. (الكاتـب : على خيطر جمال الدين - آخر مشاركة : متسلق عصور - )           »          واقع الأمة (الكاتـب : ملاد الجزائري - آخر مشاركة : جليلة - )           »          وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان !؟ (الكاتـب : ملاد الجزائري - آخر مشاركة : جليلة - )           »          قَطَرَاتٌ.. (الكاتـب : جليلة - )           »          :: نِدَاءَاتُ مِدَاد :: (الكاتـب : جليلة - )           »          هامش السجال الشعري الأوّل (الكاتـب : أمة الله الواحد - آخر مشاركة : أحمد عبد الكريم زنبركجي - )           »          اسرجت الذكريات خيلها ،،،، (الكاتـب : محمد مختار - آخر مشاركة : جليلة - )           »          ارجو النقد على أول قصة اكتبها في حياتي! (الكاتـب : البحث عن مهارتي - آخر مشاركة : أمة الله الواحد - )

الإهداءات


الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)

زاوية تضمّ العطاء اللغوي والأدبي الذي سطّره الدكتور حسين بن علي محمد - رحمه الله - على صفحات رواء الأدب ، والراحل كان يعمل أستاذًا في قسم الأدب بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام ، وعضوًا في رابطة الأدب الإسلامي العالمية ..


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 12-14-2007, 11:01 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)
(1910-2005م)

ولد أحمد شوقي ضيف في مصر عام 1910م. واصل تعليمه حتى نال شهادة الدكتوراه من كلية الآداب في جامعة القاهرة. وظل ثلاثين عاماً محاضراً فيها، ومشرفاً على عشرات من طلاب الدراسات العليا من مصر وخارجها، وقد حصل على الجائزتين التشجيعية في الآداب، ثم التقديرية في الآداب من مصر، واختير عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، واستعانت به جامعة الكويت في إنشائها، كما أختارته جامعات عربية وإسلامية وعالمية عضواً محكماً في اللجان العلمية لترقية الأساتذة في الأدب العربي.
وللدكتور ضيف أكثر من ثلاثين كتاباً في الادب العربي وما يتصل به من نحو وبلاغة وتفسير؛ إضافة إلى تحقيقه عدداً من المخطوطات المهمّة، وتشهد له مؤلفاته وتحقيقاته بالدأب والأمانة العلمية وصدق الروح الإسلامية.
وكتابه : الفن ومذاهبه في الشعر العربي بداية اهتمام علمي جاد للتعرف على المذاهب الفنية في تاريخ الشعر العربي في عصوره المختلفة، أما كتابه: التطور والتجديد في الشعر الأموي فهو بإجماع الرأي بين الدارسين – أهم كتاب رائد في هذا الموضوع. وهو ثمرة دراسة جادة واعية، وقد أثار الاهتمام وقت صدوره، وظل مؤثراً في فكر الباحثين وموجهاً للدارسين في هذا الموضوع.
على أن للدكتور شوقي ضيف دراسات أخرى كثيرة ومتنوعة، وفي طليعتها: سلسلة تاريخ الأدب العربي بأجزائها المتتابعة: العصر الجاهلي والعصر الإسلامي والعصر العباسي الثاني وعصر الدول والإمارات، و قد أصبحت هذه المجموعة منذ صدورها عمدة الدارسين والباحثين، إذ توافرت لها مقومات النجاح، من خبرة للمؤلف، ورؤية شاملة وواضحة، ومنهج متوازن في عمق وهدوء وفي بعد عن الاندفاع والرأي الفطير.
وكل ما سبقت الإشارة إليه يثبت أن الأستاذ الدكتور شوقي ضيف قد استمر على مدى أربعين عاماً باحثاً جاداً وأستاذاً موجهاً، ومرشداً لجيل من الباحثين في الأدب العربي.
وفي عام 1403هـ/1983م فاز بجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي وكان موضوعها (الدراسات التي تناولت الأدب العربي في القرنين الثاني والثالث الهجري).




رد مع اقتباس
#2  
قديم 12-14-2007, 11:02 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



رحيل الدكتور شوقي ضيف (1910-2005م) رئيس مجمع اللغة العربية
.................................................. ......................

رحل العلامة الأستاذ الدكتور شوقي ضيف أمس إلى رحاب الخلد ـ إن شاء الله ـ وهذه هي صفحته في أرشيف مجمع اللغة العربية ـ بمصر:
ـــــــــــــــــــــــــ ـ
ولد أحمد شوقي عبد السلام ضيف ببلدة أولاد حمام محافظة دمياط فى13 من يناير سنة 1910م، وتعلم في المعهد الديني بدمياط والزقازيق فتجهيزية دار العلوم فكلية الآداب بجامعة القاهرة. وفي عام 1935م حصل على ليسانس الآداب بترتيب الأول ، فدرجة الماجستير بمرتبة الشرف سنة 1939م وكان موضوعها ( النقد الأدبي في كتاب الأغاني للأصفهاني)، ثم حصل على درجة الدكتوراه بمرتبـة الشرف الممتازة 1942م وكان موضوعها( الفن ومذاهبه في الشعر العربي) بإشراف الأستاذ الدكتور طه حسين . عمل محررا بمجمع اللغة العربية ثم عين معيدا بكلية الآداب فى جامعة القاهرة سنة 1936م فمدرسا سنة 1943م فأستاذا مساعدا سنة 1948م فأستاذاً لكرسي آداب اللغة العربية في سنة 1956م فرئيسا للقسم سنة 1968م فأستاذا متفرغا عام 1975م فأستاذا غير متفرغ. انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية سنة 1976 فأميناً عاماً له سنة 1988م فنائباً للرئيس 1992م فرئيساً للمجمع ولاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية 1996م0 من إنتاجه العلمي : ألف سلسلة كتب عن ( تاريخ الأدب العربي) شملت تاريخه في مختلف عصوره وأقاليمه (في عشرة مجلدات)، وله أكثر من أربعين كتابا في الدراسات القرآنيـة والأدبية والنقدية والبلاغيـة مع بحوث تحليليـة عن البارودي وشوقي والعقاد وابن زيدون، وله تحقيقات لكتب أدبية قيمة0 وكثير من كتبه مراجع في الجامعات المصرية والعربية . وقد ترجمت بعض أعماله، مثل كتابه (عن النقد) الذي تُرجم إلى الإيرانية، كما تُرجم كتابه ( الأدب العربي المعاصر) إلى الصينية، وكتابه عالمية الإسلام إلى الإنجليزية والفرنسية. وصدرت عنه مؤلفات ثلاثة هي : 1- شوقي ضيـف: رائـد الدراسة الأدبية والنقد العربي للدكتورعبد العزيز الدسوقى0 2- شوقي ضيف : سيرة وتحية للدكتور طه وادي. 3 - قراءة أولية في كتابات د0 شوقي ضيف للأستاذ أحمد يوسف على 0 كما أن هناك رسالة أكاديمية عنه قدمتها الجامعة الإسلامية الحرة بطهران الباحثة الإيرانية ( شكوه السادات حسيني ) نالت بها درجة الماجستير بامتياز، وكان موضوعها ( الآراء النقدية في النحو والبلاغة للدكتور شوقي ضيف ). وكتبت دائرة معارف الأدب العربي الصادرة في لندن ونيويورك بمجلدها الأول ترجمةً لـه وقالت فيها عنه: إنه أحد الشخصيات المؤثرة بشكل واضح في الدراسات العربية المعاصرة0 الجوائز والأوسمة والدروع التى حصل عليها: 1- جائزة الدولة التقديرية في الآداب 1979 0 2- جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي 1983م0 3- منح وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى. 4- حصل على دروع جامعــات القاهـرة والأردن وصنعاء والمنصورة والمجلس الأعلى للثقافة. 5- كما حصل على درع الريادة في ملتقى القرضابية الليبي في حفل حضره نائب رئيس مجلس الوزراء ووزيرا الزراعة ووزيري التعليم العالي والتربية و التعليم وفضيلة مفتى الجمهورية ونيافة البابا شنودة الثالث وسفير ليبيا بمصر ورئيس مجلس إدارة دار المعارف . 6- حصل على جائزة مبارك فى الآداب عام 2003م وهوعضو في مجمع سورية، وعضو شرف في مجمع الأردن والمجمع العراقى0




رد مع اقتباس
#3  
قديم 12-14-2007, 11:03 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



في وداع أستاذ عظيم

بقلم‏:‏ رجاء النقاش
.................

في يوم الخميس العاشر من مارس الحالي توفي إلي رحمة الله أستاذ الأساتذة وسيد علماء الأدب واللغة العربية في العصر الحالي الدكتور شوقي ضيف‏1910‏ ــ‏2005,‏ وجاء رحيل هذا الأستاذ العظيم بعد أن ترك وراءه مجموعة فريدة من الدراسات الخصبة المتنوعة‏,‏ وقد أقترب عدد هذه الدراسات من الخمسين‏,‏ ولكن أهميتها ليست في عددها الكبير‏,‏ وإنما تعود هذه الأهمية إلي القيمة العلمية التي تتميز بها هذه الدراسات‏,‏ فالدكتور شوقي ضيف في دراساته جميعا هو مثل أعلي للعالم المخلص الأمين الذي لايدخر جهدا في البحث عن الحقائق الصحيحة الدقيقة أينما كانت‏,‏ وهو واحد من كبار العلماء الذين يفرقون بين المعلومات والرأي والتحليل‏,‏ ولذلك فإن الذين قد يختلفون مع الدكتور شوقي ضيف في آرائه وتحليلاته لايفوتهم أن ينتفعوا أعظم الانتفاع بما يقدمه من معلومات‏,‏ وقد وفق الله هذا الأستاذ العظيم إلي أن يكتب كل دراساته بأسلوب واضح مشرق لاتعقيد فيه‏,‏ بحيث يلتقي المتخصصون وغير المتخصصين علي محبته والاستمتاع به والانتفاع بما يقدمه من أفكار ومعلومات‏.‏
من بين كتب الدكتور شوقي ضيف كتاب عنوانه مع العقاد انتهي من كتابته في أول يونيو سنة‏1964,‏ أي بعد وفاة العقاد في‏12‏ مارس‏1964‏ بما لا يزيد علي شهرين ونصف الشهر‏,‏ وهذا الكتاب هو من أجمل كتب شوقي ضيف وأكثرها تركيزا ومتابعة علمية لحياة العقاد وأدبه‏,‏ وفي هذا الكتاب معني مهم وكبير‏,‏ فشوقي ضيف هو من التلاميذ المقربين جدا إلي طه حسين‏,‏ وقد كان بين العقاد وطه حسين مايشبه المنافسة حول المكانة والقيمة والتأثير‏,‏ وهي منافسة لم تكن ظاهرة‏,‏ ولم تتحول إلي حرب أدبية معلنة‏,‏ ولكنها كانت منافسة موجودة‏,‏ وكانت الحياة الثقافية تشعر بها شعورا واضحا‏,‏ في الجامعة وخارج الجامعة‏.‏ وبرغم هذه المنافسة‏,‏ فإن موضوعية شوقي ضيف وارتفاعه التام فوق أي تعصب أو حزبية أدبية دفعه إلي أن يكون أول من يقدم دراسة شاملة عن العقاد بعد رحيله‏,‏ وهذه الدراسة لا تزال حتي اليوم من أفضل ماظهر عن العقاد منذ رحيله قبل أربعين سنة حتي الآن‏,‏ وهكذا يرتفع شوقي ضيف في دراسته للعقاد عن أي خصومات ظاهرة أو خفية‏,‏ ويهتم بالحقيقة وحدها شأن العالم المخلص الأمين صاحب الضمير الحي الذي لايعرف الظلم للآخرين ولايستسلم أبدا للأهواء الشخصية‏.‏
وفي السطور الأولي من كتاب مع العقاد يقول شوقي ضيف‏:‏ لم يكتسب العقاد مكانته الأدبية الرفيعة من جاه ولا من وظيفة ولامن لقب علمي‏,‏ وإنما اكتسبها بكفاحه المتصل العنيف الذي يعد به أعجوبة من أعاجيب عصرنا النادرة‏.‏
ولو أننا درسنا حياة شوقي ضيف وجهاده الأدبي والعلمي دراسة دقيقة لوجدنا أن ماكتبه عن العقاد في السطور السابقة يكاد ينطبق عليه نفسه‏,‏ فقد اكتسب شوقي ضيف مكانته العلمية والأدبية بكفاحه المتصل الذي لم يتوقف ولم يهدأ ولم يلتفت فيه إلي شيء آخر خلال سبعين سنة متصلة‏,‏ وفي كتابه الجميل الذي جعل عنوانه معي‏,‏ يروي لنا شوقي ضيف قصة حياته ويصل في هذا الكتاب إلي قمة الوعي والموضوعية‏,‏ فنجد أن قصة حياته الشخصية مرتبطة أشد الارتباط بتاريخ الحركة الوطنية في مصر‏,‏ خاصة في مرحلة ثورة‏1919‏ ومابعدها‏,‏
وهذه الحياة الشخصية مرتبطة كذلك أشد الارتباط بتاريخ التطور الثقافي في مصر في نفس الفترة‏,‏ فالحياة الشخصية والحياة الوطنية والتطور الثقافي ترتبط كلها ببعضها البعض ارتباطا وثيقا سهلا طبيعيا ليس فيه أي افتعال‏,‏ وهذا دليل حي قوي علي أن شوقي ضيف كان ينظر إلي نفسه وإلي عمله وتطوره الشخصي علي أنه جزء من إطار كبير يضم تاريخنا الوطني وتطورنا الثقافي في الوقت نفسه‏,‏ ولا أكاد أعرف بين كتب السيرة الذاتية المهمة في تاريخنا الأدبي المعاصر من كان حريصا كل هذا الحرص علي الجمع بين العناصر الثلاثة‏,‏ أي الشخص والوطن والثقافة‏,‏ كما فعل شوقي ضيف في كتابه معي‏,‏ وفي هذا كله دليل علي الموضوعية الشديدة‏,‏ وفيه دليل علي التواضع وعلي آصالة الجانب الانساني في شخصية شوقي ضيف‏,‏ فهو لم يكن في سيرته الذاتية يقدم صورته الشخصية الخاصة علي أنها صورة للنبوغ الفردي‏,‏ بقدر مايقدمها للناس أجمعين علي أن هذه الشخصية كانت ثمرة للحركة الوطنية والتطور الثقافي في مصر‏.‏
ومن خلال هذه السيرة الذاتية لشوقي ضيف كما صورها لنا هذا الأستاذ العظيم في كتابه معي سوف نجد صورة واضحة بديعة لعالم مجتهد مثابر صبور علي البحث الجاد والدراسة العميقة منذ فجر شبابه‏,‏ فهو رجل لم يلتفت أبدا إلي المناصب الإدارية في الجامعة أو خارج الجامعة‏,‏ وأعلي منصب وصل إليه داخل الجامعة هو منصب رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة‏,‏ أما أعلي منصب وصل إليه خارج الجامعة فهو المنصب الذي وصل إليه بالانتخاب‏,‏ وأعني به منصب رئيس مجمع اللغة العربية‏,‏ وكان شوقي ضيف ـ لو أراد ـ جديرا بأن يصل في الجامعة وخارج الجامعة إلي أعلي المناصب‏,‏ فزملاؤه بل وتلاميذه قد أصبحوا عمداء للكليات ورؤساء للجامعات‏,‏ بل وصل البعض منهم إلي مناصب الوزارة‏,‏ لكن شوقي ضيف لم يسع إلي شيء من ذلك‏,‏ واختار دون تردد أن يكون عالما وباحثا وأستاذا للأدب في الجامعة‏,‏ وقد ظل وفيا لذلك لايحيد عنه‏,‏ ولايرضي لنفسه أن يخرجه أحد عن هذا التركيز التام علي العمل العلمي والاخلاص له والتفاني فيه‏,‏
وبرغم مانجده في كتابه معي من وعي سياسي كبير ومتابعة دقيقة لتطور الحركة الوطنية في مصر‏,‏ وبرغم اقتناعه وميله الواضح إلي حزب الوفد القديم إلا أن شوقي ضيف لم ينضم إلي حزب‏,‏ ولم يشتغل بالسياسة العملية‏,‏ ولم يدخل إلي ميدانها الصاخب المليء بالصراعات‏,‏ ولعل ذلك يعود إلي طبيعته الهادئة ونفسيته التي لاتطيق الدخول في معارك وحروب مختلفة‏,‏ فقد كان يريد أن يتفرع للعلم وحده‏,‏ ولايريد أن ينصرف عن ذلك تحت أي نوع من الإغراء‏,‏ خاصة إغراء السياسة العملية التي هي في العالم الثالث علي الخصوص مليئة بالأزمات والصعوبات والتقلبات‏,‏ ونحن مازلنا جزءا من هذا العالم الثالث والسياسة العملية هي عبء شديد وثقيل علي العلم والعلماء‏,‏ وكثيرا ماتعرض العلماء الذين يسمحون لأنفسهم بأن يشتغلوا بالسياسة العملية إلي مشاكل تعصف بهم وتربكهم وتحرمهم من التفرغ للبحث والدراسة‏,‏ ولعل هذا الإخلاص الشديد للعلم‏,‏ مع عدم الاستجابة لأي إغراء‏,‏ أو التطلع لأي شيء آخر بعيد عن العمل العلمي‏,‏ هو الذي أعطي لشوقي ضيف ما كان معروفا عنه من هدوء ونفس راضية وحياة خالية من أي اضطرابات أو ارتباكات‏.‏
ولقد بدأ شوقي ضيف حياته العلمية والعملية معا نحو سنة‏1937‏ حينما اختاره طه حسين ليكون معيدا في كلية الآداب في جامعة القاهرة التي كان أسمها في ذلك الوقت جامعة فؤاد الأول وقد أنهي شوقي ضيف حياته وهو حريص علي موقعه كأستاذ في نفس الجامعة‏,‏ إذ أنه ـ فيما أعلم ـ لم يتخل عن عمله الجامعي حتي بعد أن أصبح رئيسا للمجمع اللغوي‏,‏ ومعني ذلك أن شوقي ضيف قد قضي نحو سبعين سنة متصلة في موقعه العلمي دون أن يلتفت إلي شيء سواه‏,‏ وعندما كان يضطر إلي الابتعاد عن الجامعة لسبب من الأسباب فانه كان لايتوقف عن عمله العلمي الذي أخلص له وأعطاه حياته كلها‏,‏ وهذا هو سر من أكبر أسرار تفوق هذا الأستاذ العظيم وهو الذي يفسر لنا انتاجه الغزير والمنظم والمهم الذي لامثيل له في المكتبة العربية الحديثة‏,‏ فكتابات شوقي ضيف هي مرجع أساسي متكامل موثوق به لتاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة وهي‏:‏ العصر الجاهلي والعصر الإسلامي والعصر الأموي والعصر العباسي الأول والعصر العباسي الثاني وعصر الدول الإمارات وبدايات العصر الأدبي العربي الحديث في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏.‏
علي أننا نجد في سيرة شوقي ضيف الشخصية جانبا مهما هو علاقته الوثيقة باساتذته الكبار مثل طه حسين وأحمد أمين ومصطفي عبد الرازق وعبد الوهاب عزام فقد كان شوقي ضيف ينظر إلي هؤلاء الاساتذة الكبار في احترام شديد‏,‏ ويعرف ما كان عليه هؤلاء الأساتذة من فضل‏,‏ وما كانوا يمثلونه من قيمة علمية وأخلاقية عالية‏,‏ وعلاقة شوقي ضيف بأساتذته الكبار هي نموذج حي للعلاقة المثمرة بين كبار العلماء وبين تلاميذهم المتعطشين للفهم والمعرفة‏,‏ والذين لا يعانون من الرغبة المريضة في هدم السابقين والتقليل من شأنهم وإنكار فضلهم والنظر إليهم نظرة متعالية وغير منصفة‏.‏
وحديث شوقي ضيف عن أساتذته الكبار فيه وفاء جميل وفيه فهم عميق ومحبة غامرة وتفسير دقيق لجوانب العظمة في هؤلاء الأساتذة السابقين‏,‏ ولعلنا نعود إلي علاقة شوقي ضيف بأساتذته في حديث آخر‏,‏ فهي علاقة أستاذ عظيم بأساتذة عظماء أيضا‏.‏
..............................
الأهرام ـ في 20/3/2005م.




رد مع اقتباس
#4  
قديم 12-14-2007, 11:05 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف‏:‏ المعني والقيمة

بقلم‏: د.‏ جـابر عصـفور
...........................

عرفت أستاذي شوقي ضيف‏(1910-2005)‏ منذ أربعين سنة‏,‏ أيام التلمذة في قسم اللغة العربية العريق بكلية الآداب بجامعة القاهرة‏,‏ وكنت دخلت هذا القسم مدفوعا بحبي لكتب طه حسين التي التهمتها في المرحلة الثانوية‏,‏ ومفتونا بكتابه الأيام الذي أوقعني في دائرة طه حسين التي لم أخرج منها إلي اليوم‏.‏ وقد قررت‏-‏ نتيجة محبة طه حسين والأفق الذي أدخلني إليه‏-‏ أن التحق‏-‏ بعد الثانوية العامة‏-‏ بالكلية التي ظل طه حسين عميدها لسنوات عديدة‏,‏ وبالقسم الذي أثار منه طه حسين العواصف الفكرية الربيعية التي أزالت جمود الحياة الثقافية‏,‏ ودفعت بالحركة الفكرية إلي مجالات لم تعرفها قبله‏,‏ مكتسبة منها الجرأة التي أشاعها فيمن حوله‏,‏ والتجديد المنهجي الذي جعل من قسم اللغة‏-‏ بحق‏-‏ طليعة المنهج الحديث في دراسة التراث وإعادة قراءته‏,‏ بعيدا عن قيود التقاليد الجامدة وأعراف الاتباع الخامدة‏.‏ وكنت أعرف‏-‏ من القراءة‏-‏ أخبار العاصفة المبكرة التي أثارها طه حسين عندما درس أبا العلاء درسا جديدا متفردا في جذريته‏,‏ سنة‏1914‏ كما كنت أعرف المعارك الفكرية الشرسة التي خاضها طه حسين‏,‏ وأكبرها معركة الشعر الجاهلي سنة‏1926,‏ وهي المعركة التي أخرجته
توابعها من منصب عمادة كلية الآداب سنة‏1932,‏ وظل خارج الجامعة ثلاث سنوات إلي أن سقطت وزارة الاستبداد‏,‏ وعاد هو إلي الجامعة سنة‏1935‏ محمولا علي أعناق طلابه‏.‏ وتواصلت معارك الرائد الفكرية في الأربعينيات التي كتب فيها عن المعذبين في الأرض‏,‏ ثم في مطلع الخمسينيات حين نجح في تحقيق حلمه وحلم الوفد بمجانية التعليم‏,‏ وأن يكون التعليم والثقافة كالماء والهواء حقا لكل مواطن ومواطنة‏.‏
هكذا‏,‏ دخلت قسم اللغة العربية‏-‏ قسم طه حسين‏-‏ الذي ورثه عنه الجيل الأول من تلامذته‏:‏ شوقي ضيف وسهير القلماوي وعبد العزيز الأهواني وعبد الحميد يونس وخليل نامي وغيرهم من الذين تشرفت بالتلمذة عليهم‏,‏ وتعلمت منهم العلم النافع والمنهج الجسور والخلق الكريم ورغبة المعرفة التي لا تنطفئ وقدتها في النفس‏,‏ وتدفع صاحبها إلي التزود المستمر من المعرفة العلمية التي لا تعطيك بعضها إلا إذا أعطيتها‏,‏ حسب تلك الحكمة الدالة التي أورثنا إياها هؤلاء الأساتذة العظام الذين ازدانت بهم الجامعة المصرية‏,‏ واكتسبت قيمتها الكبري‏,‏ وذلك قبل أن يرحل الكبار ولا يبقي سوي الصغار الذين أساءوا إلي الجامعة‏,‏ وشوهوا صورتها النبيلة‏.‏
وكان شوقي ضيف‏-‏ وظل كذلك إلي آخر أيامه‏-‏ نموذجا مضيئا من النماذج التي تسطع بالقيمة في تاريخ الجامعة‏,‏ أخذ عن أستاذه طه حسين‏-‏ أول ما أخذ‏-‏ منهجه الذي كان جديدا في ذلك الوقت‏,‏ سواء من منظور التاريخ الأدبي أو منظور التذوق الأدبي‏.‏ ولذلك كانت أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة سنة‏1942‏ عن الفن ومذاهبه في الشعر العربي تلخيصا لتاريخ الشعر العربي في أربع حركات كبري‏:‏ أولاها حركة الطبع التي انفرد بها الشعر الجاهلي الذي لم يكن يعرف الصنعة في أغلبه‏,‏ وثانيتها حركة الصنعة التي بدأت جذورها من شعر زهير بن أبي سلمي ومدرسته‏,‏ واستمرت تكبر عبر العصور‏,‏ وثالثتها حركة التصنيع التي ازدهرت في العصر العباسي‏,‏ ومع شعر أبي تمام وأضرابه من أصحاب البديع‏,‏ ورابعتها حركة التصنع التي صعدت إلي ذروتها الإبداعية مع أبي العلاء في لزوم ما لا يلزم‏,‏ وانحدرت بعده إلي بديعيات فقد فيها الشعر روحه ومعناه‏.‏
وكان واضحا من النهج المتبع في الفن ومذاهبه أن شوقي ضيف يكتب كتابا في تاريخ الشعر‏,‏ لكن من زاوية التقنية علي وجه التحديد‏.‏ ويسعي إلي أن يكتشف وجود تيارات أو مذاهب فنية متعاصرة أو متعاقبة في الشعر‏,‏ تأكيدا لمعني التنوع الذي لم ينقض الوحدة‏.‏ ولعل حرصه علي المصطلحات المضفورة من أصل صرفي واحد‏(‏ صنعة‏,‏ تصنيع‏,‏ تصنع‏)‏ كان تأكيدا لمعني التنوع المنطوي في وحدة الشعر العربي‏.‏ وبالطبع‏,‏ لن يعجز القارئ لهذه الأطروحة‏(‏ التي صارت كتابا شهيرا أعيد طبعه وتوسيعه عشرات المرات‏)‏ أن يعثر علي منظور تطوري مضمر‏,‏ مأخوذ من منهج طه حسين في زاوية من زاوياه‏.‏ وهو منظور يري مبدأ التطور في تعاقب الشعر كما يراه في تعاقب الكائنات التي تبدأ من البسيط وتصعد إلي المركب‏,‏ عابرة درجات سلم التطور الذي يصل إلي غايته‏,‏ ثم تهبط عن أقصي درجات التطور إلي نقيضها خطوة خطوة‏.‏ وهكذا بدأ الشعر العربي بسيطا كالطبع الذي يصدر عن الفطرة السليمة‏,‏ ويصدر فيه المبدع عن نفسه كما لو كان يمتح من بئر لا يبخل بما فيه‏,‏ ثم يصعد الشعر درجة أعلي في سلم التطور‏,‏ فيغدو صنعة‏,‏ وتتعقد الحضارة المحيطة فتصيب بتعقيدها الشعر الذي يغدو تصنيعا‏,‏ ولكن يبدأ اله
بوط من الذروة التي ينقلب فيها التصنيع إلي تصنع‏.‏
هذه النظرة التطورية نفسها هي التي نقلها شوقي ضيف من الشعر إلي النثر‏,‏ فأصدر كتابه الموازي لأطروحته والمكمل لها عن الفن ومذاهبه في النثر العربي ماضيا في النهج التاريخي التطوري نفسه‏,‏ ومتنقلا مع فنون النثر عبر درجات الصعود والهبوط‏:‏ طبع‏,‏ صنعة‏,‏ تصنيع‏,‏ تصنع‏.‏ ولم يكتف بذلك بل امتد بالنهج التاريخي التطوري إلي دراسة البلاغة التي خلف فيها كتابه الموسوعي البلاغة‏:‏ تطور وتاريخ‏.‏ ولعله قدم مصطلح التطور علي التاريخ ليجعل من الثاني مفهوما من منظور الأول الذي يتكامل معه في الرؤية المنهجية وممارسة العمليات الإجرائية نفسها في كل محاولة تطبيق‏,‏ تضيف إلي المنظور المنهجي ما يكمله‏.‏
وظل هذا المنطلق المنهجي عماد شوقي ضيف الذي يمكن أن نعده مؤرخا للأدب بأوسع وأرقي معاني هذه الكلمة‏.‏ ولا أظن أن أحدا في ثقافتنا العربية الحديثة فعل ما فعله شوقي ضيف في هذا المجال‏,‏ حتي أستاذه طه حسين تظل كتبه قليلة في هذا المجال بالقياس إلي كتب تلميذه الذي التقط منظار الرؤية المنهجية من أستاذه‏,‏ ومضي به في كل اتجاه ومجال‏.‏ وساعد شوقي ضيف علي التفوق في الإنجاز الكمي أنه لم يكن مثل أستاذه رجل معارك‏,‏ ميال إلي الاقتحام وتدمير المسلمات في كل اتجاه‏,‏ ولم تشغله السياسة مثلما شغلت طه حسين‏,‏ فانطوي علي نفسه‏,‏ متوحدا‏,‏ مؤثرا عزلة العلم التي أتاحت له تقديم إنجاز يبدو معجزا من النظرة الأولي‏,‏ فهناك موسوعته الضخمة تاريخ الأدب العربي بمجلداتها التسعة التي استغرق العمل فيها ما يقرب من عشرين عاما‏,‏ وهي المجلدات التي ألقت الضوء علي بيئات ظلت مجهولة في تاريخ الأدب العربي‏,‏ وظلت أدوارها بعيدة عن اهتمام دارسي الأدب العربي‏,‏ مثل ليبيا وتونس وصقلية وإيران وإفريقيا وغيرها من البيئات التي أسهم إلقاء الضوء عليها في استكمال اللوحة البانورامية الكبري لمسيرة الأدب العربي في بيئاته المعروفة وغير المعروفة‏,‏ وذلك علي نحو غير م
سبوق في شموله وثرائه ودقته‏.‏ وهناك‏-‏ إلي جانب هذا الجهد الاستثنائي‏-‏ العشرات من كتبه في مجالات الأدب العربي وفنونه‏.‏
وقد كشفت مسيرة شوقي ضيف العلمية عن اهتمامه بمجالات اللغة والنحو‏,‏ ولذلك كتب كتبه المرجعية في هذه المجالات التي بدأ اهتمامه بها عندما عمل في مطلع حياته العملية‏-‏ سنة‏1935-‏ محررا بمجمع اللغة العربية عقب تخرجه سنة‏1936,‏ وظلت الاهتمامات نفسها تعاوده في عمله الجامعي‏,‏ وزاده قربا منها تعيينه عضوا في مجمع اللغة العربية ثم رئيسا له‏.‏ وقد دعمت أصوله الريفية ونشأته الأزهرية الأولي اهتماماته الدينية‏,‏ وهي الاهتمامات التي كشفت عن إيمان سني مستنير راسخ في أعماق الوعي الذي أعاد تأمل الإسلام في أخريات العمر‏,‏ فأصدر العديد من الكتب في غزارة لم أعرفها في أحد غيره من أساتذتي الذين أفخر بالانتساب إليهم‏:‏ معني وقيمة‏.‏
ـــــــــــــــ
الأهرام 21/3/2005م .




رد مع اقتباس
#5  
قديم 12-14-2007, 11:07 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف .. آخر الموسوعيين وأكبر شرّاح الأدب العربي ومصنفيه
.................................................. ....................

كان الخميس الماضي يوما حزينا على اللغة العربية ، إذ فقدت واحدا من أهم روادها وشيوخها، وأحد أكبر عاشقيها، الدكتور شوقي ضيف ، رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، ورئيس اتحاد المجامع اللغوية العربية عن عمر يناهز 95 عاما، وقد توفي ضيف إثر أصابته بمضاعفات مرض الالتهاب الرئوي الذي عانى منه سنوات.
ولضيف مؤلفات تجاوزت الخمسين، أثرت المكتبة العربية خاصة في مجال الدراسات العربية والإسلامية وتاريخ الأدب العربي، وكرم تقديرا لهذه المؤلفات في عدد من العواصم العربية وفي مصر، ونال جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1979 وجائزة مبارك أرفع الجوائز المصرية عام 2003 ، كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام 1983 . يعد ضيف الذي ولد عام 1910 أحد أبرز تلاميذ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وتخرج على يديه بالجامعة، وفي نفس العام التحق بمجمع الخالدين الذي أصبح أمينه العام سنة 1988 ونائبا لرئيسه عام 1992 ثم رئيسا له منذ عام 1996 وحتى رحيله. ومن أهم مؤلفاته «الفن والمذاهب في الشعر العربي» وكان هذا الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه تحت إشراف أستاذه طه حسين وكتاب «الفن ومذاهبه في النثر العربي» الذي اكمل به مع الكتاب السابق عملية تأريخه الفني الخاص للأدب العربي.
كما عمل ضيف على مدار ثلاثين عاما لكي ينجز موسوعتين عن الأدب العربي في عشرة أجزاء. ولشوقي ضيف عشرات من الكتاب الأخرى في البلاغة والنحو واللغة والتفسير القرآني والحضارة الإسلامية والشعر والنقد التطبيقي وغير ذلك.
هنا يدلي كتاب وباحثون ومثقفون عرب بشهاداتهم عن رحيله:

***

نقاد وكتاب مصريون: كرس حياته لعصور الأدب العربي
القاهرة: محمد أبو زيد

فاروق عبد القادر*: آخر الموسوعيين الكبار

يبقى من الدكتور شوقي ضيف الكثير، لكن اكثر ما سيبقى هو دراساته في الأدب العربي ودراساته في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي ثم الأموي والعباسي وصولا إلى الشعر الحديث ، وتتميز دراساته هذه بوفرة المعلومات، فهو يقدم من خلالها معلومات مهمة جدا، ويستطيع أي باحث تال له أن يعتمد عليها ويخرج منها بوجهة نظر. ولم يكن شوقي ضيف يقدم وجهات نظر في كتاباته وانما كان يهتم اكثر ما يهتم بتقديم المعلومات.
شوقي ضيف برحيله فقدت الأمة العربية آخر الموسوعيين الكبار في ما يتعلق بالأدب العربي شعره ونثره ودوره في حياتنا الثقافية دور كبير لا يمكن إنكاره ، لأنه دور الأكاديمي المتفرغ لدراساته الشاملة لعصور الأدب العربي.
ـــــــــــــــــــــــــ
* ناقد

***

محمد الجوادي*: عميد الأدب القومي

ان رحيل الدكتور شوقي ضيف هو رحيل لعميد الأدب العربي في العصر الحالي، وأستاذ الأدب والذي تتبع تاريخه منذ أول حرف كتب في الأدب العربي في العصور الجاهلية حتى الآن، وتكفي موسوعته التي قدمها عن الأدب في 14 جزءا منذ عرفت العربية الأدب حتى يومنا هذا ، وهذا إنجاز كبير بلا شك.
ولا يوجد كاتب يعتبر عميدا للأدب القومي وسعى لجمعه مثل شوقي ضيف ، حيث هو الوحيد الذي يصلح لان يطلق عليه هذا اللقب، فضيف لم يكتف بكتابة التاريخ الأدبي العربي بل درس مذاهب فكرية عديدة وكتب عن الوطنية والفكاهة وقدم دراسات في التراجم لشوقي والبارودي وكتب سيرته الذاتية بعنوان «معي».
وبرحيل شوقي ضيف فقدنا ركنا من أركان الثقافة العربية وفقدنا شخصية بارزة لا يمكن تعويضها بسهولة ، ضيف هو نموذج بارز للأستاذ الجامعي المحترم الجاد استمر قرابة 70 عاما متواصلة في البحث والدراسة والتنقيب. وقد زرته يوم الأحد الماضي وتجاذبت معه أطراف الحديث لمدة نصف الساعة ، وكان آخر ما قاله لي «سلم لي على الذين في المجمع». وصحبته يوم الأربعاء الماضي الى البيت ليلا وبعد ان كان قد تماثل للشفاء أصيب بانصمام رئوي جعل حالته تزداد سوءا بعد ان كان قد تحسن ، وهو ما أدى الى وفاته.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
* عضو مجمع اللغة العربية

***

حسن فتح الباب*: كان نموذجا للعالم المتواضع

هو علم من أعلام الثقافة والفكر في مصر ولا شك أنه سيترك فراغا لدى أبنائه وقادة الثقافة في مصر، بل في العالم العربي أجمع.
لقد أحزنني رحيله ولو أنه سيبقى حيا بالتراث الكبير والمجيد الذي خلفه ، إذ يبلغ عدد مؤلفاته اكثر من مائة وعدد تلاميذه الآلاف من أبناء مصر والدول العربية. وكان نموذجا للمثقف والعالم المتواضع الذي يعطي في صمت دون أن ينتظر أجرا، وهذه سمة العظماء في عالمنا العربي، وفي العالم أجمع، وحبذا أن يهتدي به تلاميذه ولا سيما من أبناء الجيل الجديد وأن يعاد نشر مؤلفاته في مكتبة الأسرة فهي معين لا ينضب من الثقافة العميقة. وأما ما أسداه إلى الأدب العربي من خلال كتبه الموسوعية فسوف يظل زادا لكل من يرغب في المعرفة.
أن عطاءه عطاء لمصر وللعرب وللإسلام والعروبة..
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
* شاعر

***

مغاربة يبرزون إسهام الفقيد العلمي ويثمنون مناقبه
الرباط: محمد بوخزار

من المؤكد انه لا يوجد قارئ في المغرب، كيف ما كان مستواه التعليمي، لم يسمع على الاقل باسم الدكتور شوقي ضيف، من معلمه في القسم او رآه في جريدة سيارة او التقطته اذنه من برنامج ثقافي في الاذاعة والتلفزيون. وذيوع اسم الراحل وشهرته مبرران بأكثر من سبب، فمؤلفاته العديدة عن الادب العربي وقضاياه وعصوره واعلامه تميزت بلغة واضحة تعليمية لا اثر فيها لما يمكن تسميته بظاهرة التعالم او التعالي على القراء، بل إنه يبسط المعرفة الادبية واللغوية ويجعلها في متناول قارئه، مهما تنوعت اهتماماته وانشغالاته، فقد كان للراحل باع ونصيب في مجهود التأْريخ للادب العربي، كما أفاد الطلاب بإسهاماته في دراسة الادب الحديث، ووضع سيرا ادبية وتراجم شخصية للقدماء والمحدثين، مثلما صاغ كتبا في مسائل النحو واللغة والبلاغة.
وفي كل تلك الميادين، لم يتخل شوقي ضيف عن وضوح القصد من التأليف وسلاسة العبارة ووضوح العرض، لذا يمكن القول بدون مبالغة انه احد كبار الشرّاح في الثقافة العربية، بما تحمله هذه الصفة من عمق الفكر وجمال الإحساس باللغة وأثرها في نفس القارئ، وكلها صفات لا شك انها متأصلة فيه، صقلها وطورها على يد أساتذته الذين نهل منهم العلم والعرفان، أمثال الدكتور طه حسين، الذي أشرف على اطروحته الجامعية «الفن ومذاهبه في الشعر العربي»، وهي الرسالة المرجع التي طبقت شهرتها كليات آداب الوطن العربي ومؤسساته التعليمية ومحافله الادبية، وبسبب ذلك النجاح طبق الراحل على النثر العربي، نفس المنهج الذي ارتضاه حينما درس الشعر.
وإذا ما فحصنا تراث الراحل بمنظار نقدي حديث، فسيتم تصنيفه لا محالة في خانة الدارسين الكلاسيكيين، وهذا نعت لن يضيره ابدا، حيا وميتا، لأن التحديث في المناهج الادبية والفكرية لا يمكن ان يقوم الا على اعمدة المناهج التقليدية بما تعنيه من تبحر الدارس وسعة اطلاعه على الخلفيات اللغوية والتاريخية والاجتماعية وهي سمات تحفل بها الدراسات والابحاث التي خلفها الراحل والتي تنوعت مجالاتها وحقولها.
هناك جانب آخر، يقف وراء إقبال القراء على مؤلفات الراحل الكبير، ألا وهو تسامحه العلمي وأمانته الفكرية. كان يعرض آراءه، ويدافع عنها ويبرهن عليها بالتي هي أحسن، لم يكن متعصبا لمذهب او لتيار او لمنهج دون آخر، ونادرا ما تجد في كتبه تنقيصا او تقليلا من جهود الآخرين، فإذا لم يكن مقتنعا بها يتجنبها بكل بساطة، وفي المقابل، لم يركب الموجات الجديدة ولا لعب ادوارا فكرية لا تناسب مقامه الرمزي. ومن حسن حظ اللغة العربية ان العمر امتد به، ليستمر في خدمتها وإبراز قيمتها.
ويحكي المغاربة الذين عاشروه في مجمع اللغة العربية، عن نشاطه الدائب وقد تقدم به العمر، كما كان حريصا على تمثيل كل الدول العربية في المجمع، يسمع بكل الاحترام للآراء التي تعرض عليه، يدرسها ويدقق فيها مثلما يتعامل معها في كتبه.
أحمد المديني: قرأ التراث قراءة حديثة
يضع الروائي احمد المديني، رئيس رابطة ادباء المغرب، شوقي ضيف في مرتبة كبار الرواد الاعلام الذين تتلمذت عليهم أجيال من الطلاب في المغرب واهتدوا بثقافته الادبية والمنهجية، خاصة وانه كان احد الاوائل الذين حاولوا أن يقرأوا التراث الادبي العربي وينظموه ويمنهجوه ويخضعوه لمفاهيم وسبائك ادبية ونظرية.
ويضيف المديني: «ظل التراث الادبي العربي حتى طه حسين خاما، بمعنى ان سلسلة من النصوص المصنفة في امهات الكتب والمصادر، خضع بعضها للدرس والبحث على يد الاقدمين لكن مع شوقي ضيف واضرابه من الدراسين، اصبح التراث مستساغا وخاضعا لقراءة حديثة وفق منهجيته متطابقا نسبيا مع بعض المناهج المعتمدة في دراسة الادب الحديث».
وعن إسهام الراحل النوعي، يسجل المديني ان مؤلفات الراحل تميزت بالاسلوب السلس والتراكيب الدقيقة والاجتهادات الموفقة في وضع مصطلحات نقدية مستنيرة لترتيب وتصنيف الادب العربي القديم، بل اكثر من ذلك تكمن اهميته في ريادته، فكتابه «تطور الادب العربي المعاصر»، يعد رائدا، على الرغم من اقتصاره على مصر. رائدا في تصنيف وتنظيم بعض الفنون الادبية الحديثة.
ويختم المديني شهادته عن الراحل الجليل بالقول: «ان جل الدارسين المغاربة انطلقوا من شوقي ضيف. وكل دارس حصيف يعود الى تصنيفاته للشعر والنثر، التي وصف بها مراحل تطورهما، يجد انها تنطبق (التصنيفات) على مجمل التراث الادبي العربي، وان طلاب كلية الادب في المغرب، لمدينون له ولأقرانه المجتهدين، امثال شكري فيصل، امجد الطرابلسي، محمد نجيب البهبيتي، ومحمد بنتاويت.. لقد اصبحوا نادرين حقا».
الصوري: الزهد للمعرفة
ويستحضر الدكتور عباس الصوري، الباحث اللغوي ومدير مكتب تنسيق التعريب التابع لجامعة الدول العربية، بتأثر لقاءاته مع الراحل ضمن دورات مجمع اللغة العربية، ويسجل ايمانه القوي بالعربية والعروبة، وتشبثه بكل ما هو ثقافي عربي محض، مشيدا بحسه القومي العالي، المتجلي في كتاباته الاخيرة، حيث يعتبر الثقافة العربية رابطة قوية في مصر بين ماضيها العربي والاسلامي وبين حاضرها.
وتعرض الدكتور الصوري لبعض سجايا الفقيد ومناقبه فأجملها في الاخلاص لما كان يؤمن به ويراه حقا. ويقسم آثار الراحل، عموما الى مرحلتين: التآليف الادبية، وهي اجمالا استمرار لما بدأه طه حسين. اما المرحلة الثانية فتغلب عليها الدراسات الاسلامية. ولاحظ المتحدث ان الفقيد الذي تباع كتبه في كل البلدان الاسلامية، كان زاهدا منقطع الصلة بما هو مادي.
ويذكر الصوري بكثير من التقدير، ان شوقي ضيف، وهو رئيس اتحاد المجامع العربية، كان حريصا اشد الحرص على ان يبقى مجمع اللغة العربية بالقاهرة، أم المجامع، حفاظا على النهج الذي رسمه طه حسين، حيث تكون كل الدول العربية ممثلة فيه، وكان الراحل يحرص بالغ الحرص على حضورها.
ويأسف مدير مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي، لأن الموت لم يمهل الراحل حتى يرأس دورة المجمع بالقاهرة التي كان مقررا ان تنعقد يوم 21 من الشهر الجاري.
وختم الصوري انطباعاته عن الراحل، بالقول انه لاحظ انه حينما كان يودع المندوبين العرب، يقول لهم: قد لا تجدونني هنا. فكأنه كان يهيئ ليوم رحيله.
عقار: البعدان المعرفي والتربوي
ويقول عبد الحميد عقار، الأستاذ الجامعي، رئيس اتحاد كتاب المغرب، ان وفاة الاديب الناقد شوقي ضيف ستترك من دون شك فراغا في مجالات البحث العلمي ذات الصلة بالادب العربي. فقد كان من كبار مؤرخيه. تميز عطاؤه بالغزارة والانتظام والشمول لمراحل حقب الادب العربي وسياقاته المتباينة.
وأضاف عقار: تتميز مؤلفاته بقدرته على صهر البعد المعرفي بالبعد التربوي، بمنحى علمي في التحليل والتصنيف. هذه المؤلفات وهي كثيرة، ستظل مرجعا ضروريا لمعرفة سياقات الادب العربي. وابرز اعلامه واتجاهاته مثلما ستظل نبراسا للبحث الرصين الذي يستند في الحكم والتقويم الى النصوص والى المعطيات مثلما يأخذ في الاعتبار التذوق المهذب المبني على أساس التمرس العميق والطويل النفس بنصوص الادب العربي قديمها والكلاسيكي منها بالاساس.

***


كتاب لبنانيون يستذكرون المعلم


* ابن الفلاح البسيط الذي أصبح رئيسا لمجمع اللغة العربية
محمد يوسف نجم*

كنت على موعد مع شوقي ضيف، بمناسبة الاجتماع السنوي لمجمع اللغة العربية الذي يبدأ يوم 21 مارس (آذار)، ويستمر لمدة اسبوعين. فأنا أذهب الى القاهرة، لأراه وأجلس معه. ولا أشك في انه سيترك فراغا كبيرا وراءه.
شوقي ضيف رجل شديد الطيبة، عرفته منذ كان استاذي وأنا في الماجستير في جامعة القاهرة، ثم أشرف على أطروحتي للدكتوراه. هذا كان قبل الثورة. ومن المقربين ايامها ناصر الدين الأسد وإحسان عباس.
شوقي ضيف أستاذ كبير ونتاجه غزير جدا. وهو أحد التلامذة الذين كان طه حسين يعتز بهم. لكن في النهاية، كان طه حسين يبدو منزعجا منه، لأنه لا يزوره ويتردد عليه، وهنا أتحدث عن الخمسينات، حين كنت أتردد على طه حسين كل خميس.
شوقي ضيف رجل شديد التهذيب، عاشرته كثيرا، ولم أسمعه، في عمري، يتلفظ بكلمة بذيئة او يطعن بأحد. هو انسان بسيط، فلاح من دمياط، جاء الى القاهرة ولمع في الجامعة، وكتبه صارت جميعها تقريبا مقررة في الجامعات. لقد كتب تاريخ الأدب العربي في عشرة مجلدات، وبذلك كتب تاريخ العرب كاملا من الجاهلية الى العصر الحديث، وهو بذلك حقق انجازا ليس لغيره.
الجميع في «مجمع اللغة العربية» يشعرون نحوه بالاحترام، وله هيبة على جميع الاعضاء. انهم مائة عضو غالبيتهم من المصريين ومعهم عرب آخرون، وكلهم يجلونه ويعرفون قيمته ومكانته، وما له من وزن في رئاسة المجمع.
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
* ناقد وباحث

***

* كان مدهشا بموسوعيته الأدبية

بلال عبد الهادي *

تنطوي برحيل الناقد والباحث شوقي ضيف طريقة من طرائق الدرس الأدبي، والتأريخ الأدبي، هو بلا منازع رجلها وابن بجدتها كما يقال.
فكل من درس الأدب العربي في الجامعات العربية، لا بد وان يكون قد التقاه عبر كتبه عن الاعصر الأدبية كلها بدءا من الأدب الجاهلي وانتهاء بشعر صلاح عبد الصبور الذي لم يعتبر ما كتبه من حيث خرقه لعمود الشعر إهانة للشعر، أو انقلابا على الموروث الشعري، بل راح بمحبة الأب الحاني يسبر جماليات هذا النوع. البعض يلوم تناوله الكلاسيكي للأدب، وهذا ظلم للرجل لأنه لا يجوز لنا ان نرى أعماله على ضوء الحداثة أو ما بعد الحداثة. فهو ابن مرحلة كان درس الأدب فيها مقرونا بالتحقيب التاريخي.
كل ما اعرفه عن الراحل النبيل شوقي ضيف انه مدهش، مدهش بجلده على العمل، مدهش بموسوعيته الأدبية، مدهش بأناقة أسلوبه، مدهش أيضا بأمانته العلمية، فهو حين يكتب أتخيله يكتب بشغف، يكتب بعقله كله، وبحواسه كلها، وبذائقته الفنية العالية. كما لا ينكر احد فيما أتصور رؤيته المتبصرة في كتابيه الرائعين «الفن ومذاهبه في الشعر العربي»، و«الفن ومذاهبه في النثر العربي»، اللذين درس فيهما تطور الأساليب الكتابية.
وما يسجّل له على الصعيد النحوي انه اكتشف وحقق كتاب «الرد على النحاة» لابن مضاء القرطبي الذي كان نسيج وحده في الدرس النحوي، المتمرد بعقلانية «ظاهرية» هي بنت المذهب الظاهري في الأندلس على نظرية «العامل النحوي»، هذه النظرية التي أوجعت كثيرا الدرس النحوي بتفلسفها المتهافت وأغلالها الصلبة، كما يسجل له انه من أوائل من كتب عن «المدارس النحوية» العربية كتابا شاملا. واغلب الكتب التي تناولت المدارس بعده عيال عليه، لا ينكر أفضاله على العربية، نحوا ونقدا، إلا عاقّ، أو ساطٍ على ثمرات فكره.
وبالمصادفة وقع تحت يدي، منذ اشهر قليلة، كتاب لذيذ له كتبه عن نفسه هو الذي كتب بمحبة عن كل الناس واسمه «معي» نشر ضمن سلسلة «اقرأ» المصرية، وهو كتاب يكاد أن ينتمي إلى أدب الرحلة حيث يكتب انطباعاته عن المدن والناس والمجمع اللغوي في القاهرة الذي كان في الفترة الأخيرة على رأسه.
بصماته وكلماته التي تركها ستبقى بعده كالنقش في جدارية التراث العربي.
رحمه الله ونضّر روحه وضريحه.
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
* أستاذ الألسنية في الجامعة اللبنانية

***

* حياة بين الكتب
سامي عابدين *

لا عاصم لإنسان من الموت، لأن الموت حقيقة. كما لا بد لمن قدّر عليه السفر من كل البلاد، ان يرحل لأن الموت سفر.
ولكن امام حقيقة الموت المسافر، نلمس بقاء التاريخ ذكرا لشيوخ عاشوا المعاناة حياة بين الكتب قراءة وكتابة، ليكون الدكتور شوقي ضيف من الرجال القلائل الذين بلغوا الشاطئ الاخير، فبات على كل لسان مصدراً في اكثر الاحيان، ومرجعاً لا بد منه في كل حين، بدراسته للأدب القديم والجديد، ادبياً ونقدياً، وبدراساته لبعض الاعلام تنقيباً، وبرسمه لمناهج البحث اصولاً ودراية.. وبدراساته المتنوعة الكثيرة، التي تعبّر عن مدى ثقافته، وسعة اطلاعه وانفتاح آفاقه.
نعم ليس في مقدورنا بهذه الكلمة التوسع في آفاق فكر هذا الرجل الباحث، الذي تتلمذ على عميد الادب العربي طه حسين... وحسبي القول: من اعتاد احترام شيوخ الفكر والادب المميزين، لا بد ان يجد برغم رحيلهم.. الحياة والجمال والسعادة.
حقاً تنبعث السعادة من الكلمات الطيبة.
ــــــــــــــــــــــ
* أستاذ الأدب العربي في جامعة بيروت العربية

عن "الشرق الأوسط" ـ 13/3/2005م




رد مع اقتباس
#6  
قديم 12-14-2007, 11:08 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



رحيل شوقي ضيف عاشق اللغة العربية
........................................

حياته حافلة في خدمة الأدب وقضاياه عاشها العالم، الراحل د. شوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية، ورئيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، والفائز بجائزة الدولة التقديرية في الآداب، وجائزة الملك فيصل وغيرها من الجوائز والتكريمات التي كان يستحقها وأكثر منها، رحل \" ضيف\" وهو الذي كان يعد واحدا من أهم الموسوعات الفكرية والثقافية ليس فقط في العالم العربي بل في العالم كله، فهو صاحب أكثر من ستين مؤلفاً في عدة مجالات متنوعة، منها الأدب والنقد والبلاغة وتفسير القرآن، ورغم أنه كان قد تعدى التسعين إلا أنه كان مازال يبحث وينقب في بحور اللغة العربية وعن كنوزها بكل ما يملك من مقدرة كما كانت حياته حافلة بالمعارك الأدبية والفكرية خاضها الراحل ومنذ أن تفتح عقله على قراءة أعمال طه حسين والعقاد والمازني ومحمد حسين هيكل وتشبع وجدانه بكتابات رواد الفكر والأدب العربي الذين أصبحوا أساتذة له أثناء مراحل دراسته وبعدها، وحتى رحيله بسلام بعد أن ترك وراءه إرثاً ضخماً من المؤلفات وآلاف التلاميذ والمريدين الذين صاروا على دربه في عشق اللغة العربية وتبسيطها، وبعد أن أثرى المكتبة العربية بعشرات الكتب الهامة والتي من بينها، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، التطور والتجديد في الشعر الأموي الحديث، الأدب المعاصر في مصر، محمد خاتم المرسلين، المدارس النحوية، الرحلات، الفكاهة في مصر، الحضارة الإسلامية من القرآن والسنة، تاريخ الأدب العربي 7أجزاء.
بدأت حياته ترتسم من أمام بحيرة المنزلة وتحديداً في إحدى قرى دمياط ففي السادسة من عمره التحق بالمدرسة الأولية، وأصيب وقتها بمرض في العين فأجرى - وكعادة أهل الريف - له أحد أطباء القرية عملية فاشلة كاد أن يفقد معها عينه اليسرى، وفي التاسعة من عمره تركت أسرته القرية وانتقلت إلى مدينة دمياط، ثم دخل الكتاب الملحق بجامع البحر وفي أقل من عام حفظ القرآن الكريم كله وأجاد تلاوته وتجويده، حيث شهد له شيخه بالعبقرية وتنبأ بتفوقه، ثم التحق بالمعهد الديني بدمياط وأبهرته كتابات العقاد ومحمد حسين هيكل وطه حسين، وفي معهد الزقازيق الديني أكمل د. ضييف تعليمه الأزهري وسط غربة لم يعتدها من قبل، وما لبث أن واجه غربة أشد وطأة حين اتجه للقاهرة لينتظم مع طلاب التجهيزية، ثم عرف نظام التعليم الحر بالأزهر والذي يتبع لمن يريد التعلم دون ارتباط على أن يجتاز امتحان العالمية، وهو امتحان شفوي صعب، يختار موضوعه الأزهري في الفقه أو التفسير أو الشريعة أو غيرها من العلوم، فامتحن واجتازه بنجاح ، وقبل أن يكمل العام الدراسي علم أن كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول ستفتح أبواب قسم اللغة العربية لقبول بعض خريجي التجهيزية، وحملة الثانوية الأزهرية لاستكمال دراستهم بها، فسعى\" د.شوقي\" للالتحاق بالقسم العربي ليتعلم على يد عميد الأدب العربي د?طه حسين وحين استقر في الجامعة وتشبع بأفكار أساتذته قرر أن يسير على خطاهم في قراءة دراسات النقد الغربي حتى تتسع خبرته الأدبية، ويلم بجميع التيارات النقدية العلمية، حتى جاء يوم تخرجه عام 1935 ليقف أمام د. طه حسين وأحمد هيكل في امتحان عسير نجح فيه بامتياز، ولم تقف أحلام الشاب عند هذا الحد، بل نال درجتي الماجستير والدكتوراه بتفوق حتى تم تعيينه كمدرس بقسم اللغة العربية، وظلت تربطه بتلاميذه وأساتذته علاقات وطيدة.
وفي عام 1964 قرر د. ضيف تكريس جهده للدفاع عن العقاد بعد وفاته فقام بتأليف \"العقاد\" مثلما دافع من قبل عن محمود سامي البارودي وأحمد شوقي الذي خاض من أجلهما معارك فكرية ساخنة، حتى سافر للإعارة بجامعة الأردن، ثم عاد للقاهرة، ثم عاوده الحنين للسفر مرة أخرى فسافر للكويت عام 1970 ليساهم في تأسيس النظام الجامعي هناك وفي عام 1976 أصبح عضواً بمجمع اللغة العربية، وظل يرتقي في المناصب ويتابع بشغف اجتماعات المجمع، لا يشغله شيء سوى تيسير النحو وتذليل عقباته أمام طلاب المدارس.
رحلة الشقاء
وكانت للفقيد الراحل أقوال مأثورة ومواقف ساخنة من القضايا الأدبية سواء المحلية أو العالمية، نذكر منها تأكيده على أن الفصحى هي لغة القرآن الكريم الخالدة بخلوده، وقد اتخذت كل الديار اللغة العربية لساناً لها تعبر به أدبياً عما في الوجدان والمشاعر، وعلمياً عن الألباب والعقول، فأضافت الفصحى إليها إضافات باهرة، وأصبحت بذلك لغة عالمية حضارية، وظلت تقود العالم طوال ستة قرون حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، ورغم الركود الذي أصاب الفصحى في بعض العصور، فإنها حالياً في حالة ازدهار فأصبح لها أدباء كبار في مجالات الصحافة وفنون الأقصوصة والقصة الطويلة، والمسرحية الشعرية والنثرية.
وكان يقول عن الهجمة الثقافية والاقتصادية المعروفة بالعولمة، إنه لا يوجد أبداً ما يمكن أن يهدد اللغة العربية، فقد كانت وستظل لسان العرب من الأزل إلى الأبد، فهي وعاء الحضارة الإسلامية، وهي من أهم عوامل قيام الروابط القوية بين المسلمين، كما أنها واحدة من أقدم اللغات العالمية، وأعظمها أدباً وأعرقها ثقافة، وأغناها تراثاً بلا منازع، وكان يشير إلى أن اللغة العربية ليست لغة العرب فقط، بل هي لغة المسلمين عامة، وإذا كان العالم لم يعرف إسلاماً بلا قرآن فإنه لم يعرف قرآناً بغير اللغة العربية، وبهذا فلا خطر على لغتنا من تيار العولمة على الإطلاق.
تحريف الفصحى
وكان خلال حياة العالم الكبير وخلال مشواره الطويل تشغله قضية العامية وارتباطها بالفصحى فكان يقول\" مع مرور الزمن أخذت تتولد من الفصحى في جميع البلدان العربية عاميات تتميز بفقدانها إعراب أواخر الكلم، فأواخرها تنطق ساكتة دائماً، وسبب اهتمامه بالقضية أن كل من يعني باللغة العربية في العصر الحديث يتوقف مراراً عند صلة العامية بالفصحى، لأن كثيراً من الكلمات الفصيحة دخلت العامية، وحوالي %80 من العامية تقوم على الفصحى، وبعضها سليم بلا تحريف، وكثير من الكلمات الفصحى حدثت فيها تحريفات، وكان يؤكد على أن المجمع اللغوي بالقاهرة كان جاداً في سعيه حتى ترفع الحواجز بين الفصحى والعامية نهائياً، وما ينساه كثيرون أن الفصحى يحملونها في أيديهم كل يوم في الصحف، فالصحف جميعاً تكتب بالفصحى، وكل أجهزة الدولة أوراقها تتعامل بالفصحى، وأجهزة الإذاعة والتليفزيون تقدم نشراتها وبرامج بالفصحى، والطلاب في المدارس يتعلمون بالفصحى، ثم يخرجون إلى الشارع ليتحدثوا بالعامية، مع العلم بأن العامية ليست خصماً للفصحى. فعبر كل العصور لم يكن هناك أي خصومة بين الفصحى والعامية، ولكن في عصرنا الحديث يتعرض أنصار العامية للفصحى، ويقولون إنها لا تستطيع أن تحمل إنجازات الحضارة الغربية، وهذا كذب\".
وعن تأكيد الدور الثقافي الاجتماعي في الحفاظ على الهوية العربية كان د. ضيف رحمه الله يقول البلاد العربية جميعها عليها أن تعمل جاهدة على إتقان أبنائها الفصحى، ومعالجة التقصير الذي نقع فيه أحياناً، كما يحدث في بعض المدارس الأجنبية ومدارس اللغات، إذ لابد أن يكون الإشراف عليها كاملاً خاصة في تدريس التاريخ والفصحى، وما يعطى فيها من كتب ومقررات، الفصحى هي لغة العرب الأدبية الرفيعة في جميع بلدانهم، وهي لغة الثقافة والعلم والتعليم في المدارس والجامعات، ولغة الفلسفة والطب والقانون والعلوم الإنسانية، وغير الإنسانية، ولغة كل ما نملك من فكر ودين وحياة روحية.
توازن دراسي
وعن قضايا التعريب قال \" ضيف \" علينا أن ندرك جيداً أن تعريب العلوم لا يعني التقليل من أهمية دراسة اللغات الأجنية في الجامعات، بل نحن نطالب بمضاعفة تدريس هذه اللغات حتى يستطيع كل شاب عربي أن يتابع الكتب العلمية الأجنبية باستمرار ويكون هناك توازن بين الدراسة باللغة العربية وتعلم اللغات الأجنبية وهذا ما كان يحدث مع الأجيال السابقة، فأجدادنا كانوا يعرفون اليونانية ويكتبون بالعربية، وكان يطالب العلماء العرب بأن ينقلوا العلوم الأجنبية من حروفها اللاتينية إلى الحروف العربية فحسب، بل المطلوب أن تنتشر وحدة عامة في جميع العلوم بحيث تنمو أقطارها العربية نمواً علمياً جماعياً، وكان د. ضيف يؤكد على أن كل العلوم يمكن تعريبها، وأول ما عني به العرب بعد الفتوح هو أن ينقلوا إلى العربية \"الطب الأجنبي\" واللغة العربية ليس فيها أي قصور بدليل أنها حملت التراث اليوناني والفارسي والهندي، وظلت قروناً متتالية تقود الحضارة العالمية بمختلف علومها، وعنها نقلت أوروبا إلى لغاتها في القرن السادس عشر وأخذت في تكوين عصرها الحديث علمياً، وإذا حدث وفشلت إحدى تجارب التعريب فإن هذا يعود إلى القائمين عليه وليس بسبب مبدأ التقريب ذاته، والقضية تحتاج إلى شراكة عربية من كل الدول العربية للقيام بهذا العمل الضخم، الذي يستلزم نفقات وإمكانات كبيرة.
أما عن الألفاظ الغريبة والتي يتشدق بها البعض وخاصة الشباب فكان د. ضيف شديداً في هذه الزاوية وكان رأيه أن الأمر ليس بغريب وخاصة هذا الجيل الجديد من الشباب وهو يستعد لحياة العالم فيها أصبح قرية صغيرة وهذا ما تقوله أعراض العولمة والإنترنت الذي من خلاله يستطيع الشخص أن يتحاور مع أكثر من شخص في اليوم، ويطوف بلدان العالم وهو لم يزل في حجرته ولكن الغريب أن نتخلى عن لغتنا من أجل ذلك، فيجب أن ننتبه إلى أنه يوجد فارق كبير ما بين المعرفة والتعمق فيها ولكن الظاهرة السلبية فيما يحدث الآن هو أن يتعمد شبابنا التخاطب باللغات الأجنبية وكأن العربية أصبحت لغة المتاحف فقط، ويشير إلى أن للمجامع جهوداً كبيرة ولديها لجان لغوية متخصصة في جميع أنواع المعرفة مع درايتها الكاملة بكل المفردات التي تطرأ ليس فقط على العربية بل على جميع اللغات العالمية.
......................
عن العرب أون لاين.




رد مع اقتباس
#7  
قديم 12-14-2007, 11:10 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



حدثنا شوقي ضيف فقال

بقلم : رجاء النقاش
...................

غاب عنا منذ اليوم العاشر من شهر مارس الحالي أستاذ أساتذة الأدب واللغة ورئيس المجمع اللغوي الدكتور شوقي ضيف‏1910‏ ـ‏2005.‏ وقد تعودنا أن نقول عن الذي يغيب عنا ويترك وراءه آثارا كثيرة تنفع الناس وتبقي في الأرض انه الغائب الحاضر‏,‏ وهذا الوصف هو أصدق الأوصاف وأقربها إلي الصواب عندما نتحدث عن شوقي ضيف‏,‏ فقد ترك وراءه ما يقرب من خمسين كتابا في اللغة والدين وتاريخ الأدب والنقد‏,‏ وهي كلها كتب لا غني عن الرجوع إليها والاعتماد عليها عند أي باحث متخصص وعند القاريء غير المتخصص أيضا‏,‏ بفضل ما تقدمه هذه الكتب من علم ومعرفة وبحث دقيق‏,‏ بالاضافة الي ما كان يملكه هذا الأستاذ الكبير من أسلوب واضح سهل جميل‏,‏ وبهذه الأعمال الكثيرة العامرة بالمعرفة والمتعة الأدبية سوف يبقي شوقي ضيف حيا متألقا في هذا الجيل وفي كل الأجيال القادمة‏,‏
فهو حقا غائب وحاضر علي الدوام‏.‏
سوف أتوقف اليوم مع جانب إنساني في شخصية شوقي ضيف‏,‏ وهو الجانب الذي يتصل بعلاقته مع بعض أساتذته الكبار الذين تعلم علي يديهم‏.‏ ولا شك أن من أجمل ما كتبه شوقي ضيف هو حديثه عن أساتذته‏,‏ ففي ذلك ما هو أكثر من الوفاء الجميل‏,‏ لأننا نجد فيه نوعا من المعرفة الواسعة والفهم العميق والعلاقة المثالية كما ينبغي أن تكون بين الأساتذة والتلاميذ‏.‏
في كتابه معي وهو سيرة حياته يحدثنا شوقي ضيف عن عدد من أساتذته الكبار‏,‏ وهو في هذا الكتاب الجميل يشير الي نفسه دائما باسم الفتي‏,‏ وذلك علي طريقة طه حسين في كتابه الأيام‏,‏ وفي غيره من الكتب‏,‏ حيث إن طه حسين لم يكن يستخدم كلمة أنا في معظم كتاباته‏,‏ وكان يستخدم بدلا منها كلمة الفتي أو الضمير هو أو كلمة صاحبنا‏,‏ وذلك عندما يريد أن يتحدث عن نفسه‏,‏ وهو نوع من التأدب والذوق والتواضع في مخاطبة الناس‏.‏ وعلي هذه الطريقة سار شوقي ضيف في كتابته عن نفسه فلم يقل أنا وإنما قال الفتي وهو يعني بذلك الاشارة إلي شخصه‏.‏
يتحدث شوقي ضيف عن أحد أساتذته الكبار في الجامعة‏,‏ وهو أحمد أمين فيقول‏:‏ كان من أساتذة الفتي المحببين اليه وهو في السنة الثالثة بكلية الآداب سنة‏1933‏ أحمد أمين أستاذ الحياة العقلية الاسلامية‏,‏ وكان من خريجي مدرسة القضاء الشرعي‏,‏ وحين تخرج من هذه المدرسة اختاره ناظرها عاطف بركات ليكون معيدا له فيما يدرسه للطلاب من علم الأخلاق‏.‏ وكان يوضع لأحمد أمين كرسي لكي يستمع مع الطلاب إلي عاطف بركات وهو يلقي دروسه في علم الأخلاق‏,‏ وكان مما درسه معهم رسالة عن مذهب المنفعة للفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت ميل جاء في مقدمتها منذ جلس الشاب سقراط يتلقي العلم علي الشيخ فيثاغورس‏...‏ الخ‏,‏ فأطلق الطلاب علي المعيد الشاب أحمد أمين اسم الشاب سقراط‏.‏ وكان أحمد أمين قد عكف علي اللغة الانجليزية فتعلمها‏,‏ وأصبح أستاذا في قسم اللغة العربية بكلية الآداب سنة‏1926,‏ ورأي أن يغير زيه‏,‏ وكان قد انتقل من القضاء الشرعي فغير عمامته الي الطربوش وخلع الجبة والقفطان ولبس البدلة انسجاما مع بيئته الجامعية الجديدة‏.‏ ثم يقول شوقي ضيف‏:‏ كان أحمد أمين في طليعة من جمعوا بين الثقافتين القديمة والحديثة جمعا رائعا‏,‏
يعينه عقل بصير ونظر دقيق ودأب لا يماثله دأب في البحث‏,‏ واستيعاب لا يدانيه استيعاب لكنوز الفكر الاسلامي وذخائره‏.‏ وكان يحاضرنا في الحياة العقلية الاسلامية‏,‏ ولم تكن صورة هذه الحياة واضحة في نفوس المثقفين‏,‏ فأكب عليها يدرسها ويذلل صعابها‏,‏ فإذا كل ما كان يحجبها عن الأعين ينزاح‏,‏ لا يفترق في ذلك جانب عن جانب‏,‏ بل استطاع أن يسلط أضواء قوية علي كل الجوانب‏,‏ وساعدته في ذلك ثقافته القديمة في الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي وثقافته الغربية الحديثة وما قرأه من آراء المستشرقين‏.‏ وكان الفتي يعجب إعجابا شديدا بكل ما يعرضه أستاذه أحمد أمين حين يراه يتعمق في وصف الظواهر العقلية للأمة العربية‏,‏ وما وضعته من العلوم وصاغته من الأفكار‏.‏ وكان أحمد أمين ينهي طلابه أشد النهي عن الجدل العقيم وما يحمل من مغالطات‏,‏ ويكرر أن طريقة الجدل اللفظي عند القدماء حلت محلها في العصر الحديث طريق التحليل والاعتماد علي المنطق العقلي‏,‏
ولعل هذا ما جعل الفتي فيما بعد يحرص علي ألا ينزلق في أي مجادلة عقيمة لا تجدي نفعا‏.‏ وهناك جانب مهم آخر في شخصية أحمد أمين هو حسن انتقائه للنصوص التي تصور الفكر العربي الاسلامي‏,‏ وكأنما كانت لديه حاسة يلتقط بها أدق ما يقرؤه وأروعه‏.‏
ومن أساتذة شوقي ضيف أيضا الشيخ مصطفي عبد الرازق أستاذ الفلسفة الاسلامية بكلية الآداب في ثلاثينيات القرن الماضي‏,‏ ووزير الأوقاف سنة‏1938‏ وشيخ الأزهر سنة‏1945‏ وحتي وفاته سنة‏1947.‏ والشيخ مصطفي عبد الرازق تخرج في الأزهر وتتلمذ علي الإمام محمد عبده الذي كان يعتبره ابنا له بسبب ما رآه فيه من فرط الذكاء والدأب علي الدرس‏.‏ وبعد إتمام مصطفي عبد الرازق لتعليمه الأزهري ذهب إلي باريس ودرس في السوربون‏,‏ وعندما عاد الي مصر قام بتدريس الفلسفة الاسلامية في كلية الآداب‏,‏ حيث يقول عنه تلميذه شوقي ضيف‏:‏ إنه ظل يحتفظ بزيه الأزهري في صورة أنيقة دون بهرجة‏,‏ وكان يحف به وقار ومهابة وجلال‏,‏ كما كان يحف به حب طلابه لسماحة نفسه وكريم شمائله‏,‏ إذ كان يفتح قلبه لهم‏,‏ وكان غاية في التواضع وأدب الحديث دون أي ترفع‏,‏ وكأنه أب رءوف وصديق عطوف‏.‏
ثم يحدثنا شوقي ضيف بعد ذلك عن أستاذ ثالث من أساتذته هو أمين الخولي فيقول عنه‏:‏ كان قد تخرج في مدرسة القضاء الشرعي وعين إماما في سفارة مصر بإيطاليا وألمانيا‏,‏ فرأي الغرب‏,‏ ووقف علي جوانب الحضارة والفكر فيه‏,‏ وعندما عاد إلي مصر رجع إلي زيه الأزهري‏,‏ وهو مع ذلك يكره الجمود ويحب التجديد‏,‏ وكان يدفع تلاميذه إلي نقد كل ما يقرأون‏,‏ وأيضا إلي نقد آرائه هو نفسه‏,‏ وكان يتقبل أفكار تلاميذه بصدر رحب وسعة أفق‏,‏ غير مظهر لأي طالب تبرما أو ضيقا مهما أطال التلميذ في حواره وفي مناقشته وجداله‏.‏
ثم يحدثنا شوقي ضيف عن أستاذه الأكبر والأقرب إليه وهو طه حسين فيقول عنه‏:‏ لم يعرف الفتي محاضرا شد إليه الاسماع وجذب اليه القلوب كما عرف ذلك عند أستاذه طه حسين‏,‏ فقد كانت محاضراته مهوي الأفئدة‏,‏ وكان أحيانا يلقيها بالجمعية الجغرافية أو بقاعة إيوارت في الجامعة الأمريكية‏,‏ فكنت لا تجد مكانا‏,‏ لا للجلوس فقط‏,‏ بل أيضا للوقوف‏.‏ وكل ذلك‏,‏ أو كثير منه بفضل صوته المحبب الرائع الذي اكتسبه لنفسه خلال تعلمه تجويد القرآن الكريم‏,‏ وكان قد أتقن هذا التجويد صبيا‏,‏ وكثيرون مثله في أيامه أتقنوه‏,‏ ولكن أحدا منهم لم يستطع أن يلائم بينه وبين محاضراته ومخارج كلامه وصورة إلقائه كما فعل طه حسين
ويروي شوقي ضيف عن أستاذه طه حسين أن الاستاذ قد سأله يوما عن رأيه في محاضرة له‏,‏ كان قد ألقاها في الجامعة الأمريكية‏,‏ قال له شوقي ضيف إنها محاضرة طيبة‏.‏ فاستغرق طه حسين في الضحك ووضع إحدي يديه علي الأخري وقال‏:‏ طيبة فقط؟‏!‏ ثم قال طه حسين بعد ذلك‏:‏ ما رأيك أنني ظللت أعد هذه المحاضرة في نحو شهر‏,‏ أقرأ لها كتبا مختلفة‏,‏ حتي استوعبت موضوعها وألقيت فيه المحاضرة التي سمعتها‏.‏ ويعلق شوقي ضيف علي ذلك فيقول‏:‏ خجل التلميذ ـ أي شوقي ضيف نفسه ـ من أستاذه طه حسين لأنه لم يكن يطرأ علي باله أنه يعني بإعداد محاضراته كل هذه العناية‏,‏ وخاصة أنه كان يمتاز ببراعة فائقة في الأداء‏,‏
وهي براعة لم تتح لأي محاضر في أيامه‏.‏ وكان ذلك درسا رائعا للتلميذ ليتعلم‏,‏ بل ويستقر في نفسه أنه لا يوجد عمل أدبي ـ محاضرة أو غير محاضرة ـ جدير بالتقدير مهما يصغر حجمه دون أن يكلف صاحبه جهدا كبيرا ومشقة متعبة‏.‏ حتي طه حسين صاحب البيان الساحر الذي كان يخلب به مستمعيه يتحمل جهدا مضنيا‏,‏ لا في بحوثه الطويلة وكتبه فحسب‏,‏ بل أيضا في محاضراته العامة‏.‏
تلك صورة حية يرسمها شوقي ضيف لأساتذته‏,‏ وهي صورة تقدم لنا ملامح عصر كان فيه الأساتذة كبارا‏,‏ وكانت فيه صلة الأساتذة بطلابهم أشبه بالعلاقة بين الآباء والأبناء‏,‏ أي أنها علاقة قائمة علي الحب والرحمة والحنان والرعاية والقدوة الرائعة‏,‏ ولذلك كان من الطبيعي أن يكون شوقي ضيف نفسه أستاذا عظيما لأساتذة عظماء‏.‏
ـــــــــــــــ
الأهرام ـ 27/3/2005م .




رد مع اقتباس
#8  
قديم 12-14-2007, 11:11 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



ما بقي من شوقي ضيف

بقلم : د‏.‏ وائل غالي
...................

سيبقي من شوقي ضيف بعد رحيله تحقيقه التاريخي لكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد‏,‏ الذي يقع ضمن شجاعة العربية المعاصرة ومحاولة البحث في أصول الثقافة العربية ومرجعيتها الغنية والمتعددة‏.‏ وقد كان ذلك التحقيق جزءا لا يتجزأ من ظاهرة متصلة في تاريخ الفكر المصري الحديث‏.‏ فصدر كتاب الذكر الحكيم لكامل حسين‏,‏ وبحث بنت الشاطئ‏ (عائشة عبد الرحمن‏)‏ في القرآن وقضايا الإنسان‏,‏ ومصطفي محمد الشكعة‏,‏ أستاذ الأدب العربي والحضارة الإسلامية بكلية الآداب جامعة عين شمس وعميدها السابق‏,‏ وغيرهم‏.‏ سيبقي تحقيق لكتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد واحدا من أهم الأعمال العربية في القرن العشرين‏,‏ وواحدا من أهم الأعمال التي أسهمت في تجديد الخطاب الديني في مصر الحديثة‏,‏ لفهم التاريخ من جديد‏,‏ ولفهم التفسير من زاوية أخري‏,‏ ولفهم الخطاب الديني من جهة مغايرة‏,‏ ولفهم مصر نفسها من منظور آخر‏.‏
كان تحقيق شوقي ضيف لابن مجاهد‏,‏ من جهة أخري‏,‏ تحديدا لهوية العرب بالنسبة لأنفسهم لا بالنسبة إلي الغرب‏,‏ أي علاقتهم بأنفسهم لا بالغرب‏,‏ مع ذلك فقد كانت تلك العلاقة علاقة ذات وجهين‏,‏ تآلف ونزاع‏.‏ ففي القرن الثاني الهجري‏,‏ استوعب العرب الثقافة اليونانية بوجه خاص‏.‏ ونهضت اليوم الثقافة العربية من عناصر مستمدة من المجتمعات بعد الصناعية‏.‏ فأصبحت لا تعني الخصوصية الاستقرار في شكل موروث من أشكال الهوية كما صارت لا تعني الأصالة المحافظة إنما صارت الخصوصية والأصالة تعنيان الانطلاق نحو أسس أخري‏.‏ من هنا يندرج تحقيق شوقي ضيف لابن مجاهد في السياق العام للتحول من البلاغة التقليدية إلي تجديد القراءة الجديدة في مصر المعاصرة نفسها‏,‏ أي في البحث في مصر عن إجابات علي أسئلة الإنسان المعاصر بعامة‏.‏
فقد صارت مصر منذ دخلها العرب مركزا من مراكز الثقافة الإسلامية والعربية‏,‏ وقامت بمهمتها في النهوض بمختلف العلوم العربية والإسلامية وفي المحافظة عليها حتى استطاعت مصر فيما سمي باسم العصور الوسطي أن تتولي حمل لواء الثقافة العربية والإسلامية‏,‏ وكانت تشاركها في ذلك بلاد الشام التي كانت في وحدة مع مصر‏.‏ وصارت مصر منذ دخلتها الحداثة مركزا من مراكز التجديد الإسلامي والعربي‏,‏ وقامت بمهمتها في التجديد بمختلف العلوم العربية والإسلامية‏,‏ ويمثل تحقيق شوقي ضيف لابن مجاهد واحدا من تلك الأعمال المعاصرة العديدة التي ظلت تبحث عن قيم الحداثة في الكتاب نفسه‏,‏ أي عن قيم العلم وعن قيم العقل التاريخي وعن قيم الاشتراكية وعن قيم الرأسمالية‏,‏ وعن غيرها من المذاهب السياسية الحديثة‏.‏
لم ينهض تحقيق شوقي ضيف علي المسلمات السابقة والأوليات المعدة سلفا إعدادا عقديا أو مذهبيا أو غير ذلك‏,‏ بل بحث عن التوافق بين العقيدة والعصر‏.‏ وهو لم يقصد تحليل النص إنما ابتغي التحليل غير المباشر له‏,‏ من خلال مفهوم القراءة والقراءات‏,‏ بالمعني الحقيقي للكلمتين‏,‏ لا بالمعني المجازي‏.‏ فالنص يقول‏:‏ واذكروا ما فيه‏.‏ وقال أبو اسحق إن ذلك معناه ادرسوا ما فيه‏.‏ إنه نوع من التدبر أو دراسة النص‏.‏ دبر الأمر وتدبره‏,‏ أي نظر في عاقبته‏,‏ واستدبره‏:‏ رأي في عاقبته ما لم ير في صدره‏,‏ وعرف الأمر تدبرا أي بآخره‏.‏ والتدبر في النص هو التفكير فيه‏.‏ إن القرآن ينعى علي التقليد‏,‏ ويحث علي النظر والتفكير كما يظهر من كثير من آياته‏,‏ لهذا‏,‏ كان لابد للمسلمين من أن يعملوا النظر في القرآن نفسه من جميع نواحيه‏.‏
وكان ذلك النظر في النص يتمثل في العصر الحديث‏,‏ في تحقيق شوقي ضيف لابن مجاهد‏,‏ جنبا إلي جنب مع تفسير محمد عبده‏.‏ وكان ذلك التفكير في النص يتمثل‏,‏ كذلك‏,‏ في بحث مصطفي محمود في القرآن‏,‏ محاولة للفهم العصري‏.‏ تطويرا لمحاولة حياة محمد لمحمد حسين هيكل‏,‏ وعلي هامش السيرة لطه حسين‏,‏ وكما تحدث القرآن لخالد محمد خالد‏,‏ وموسوعة أحمد أمين عن ظهر الإسلام‏,‏ وضحي الإسلام‏,‏ وفجر الإسلام‏,‏ وعبقريات عباس محمود العقاد الخمس‏,‏ عبقرية محمد وعبقرية الصديق وعبقرية عمر وعبقرية الإمام وعبقرية خالد‏,‏ وأمين الخولي‏,‏ ومحمد أحمد خلف الله‏,‏ وغيرهم‏,‏ في ميدان التفكير في النص‏.‏ وقد استن طه حسين سنة تجديد القراءة في محاضراته بكلية الآداب عندما قدم للطلاب بعض النماذج وأخذ يعرضها علي ميزان النقد الأدبي وأخذ يقول فيها بالضعف والقوة وأخذ يقارن بين القرآن المنزل في مكة والقرآن المنزل في المدينة ويفرق بينهما‏.‏ ونشر محمود المنجوري بعضا من هذه الفصول في مجلة "الحديث" التي كانت تصدر في حلب في عام‏1928.‏ وكان طه حسين يستهدف من وراء ذلك‏,‏ عدا تصوراته في كتابه التاريخي "في الشعر الجاهلي"‏,‏ البحث في ظاهرة أخري في الفكر المصري الحديث‏.‏
لذلك قامت معركة فكرية كبري ولا تزال‏.‏
ــــــــــــــــــــــ
*الأهرام ـ في 5/4/2005م .




رد مع اقتباس
#9  
قديم 12-14-2007, 11:12 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف والاخلاق الموسيقيه‏!‏

بقلم : رجاء النقاش
..................

كلما قرات كتابا جديدا اوعدت الي مرجع سابق لاستاذنا الجليل الدكتور شوقي ضيف رئيس المجمع اللغوي الان والحائز هذا العام علي جائزه مبارك كنت اتساءل بيني وبين نفسي‏:‏ اين الفنان في شخصيه هذا العالم الفذ الكبير؟ فما من كتاب قراته له‏,‏ حتي كتابه عن تجديد النحو العربي‏,‏ الا واحسست ان وراءه عاطفه قويه وضميرا حيا وذوقا مرهفا‏,‏ وهذه الصفات جميعا هي من الادوات التي يعتمد عليها اي فنان حقيقي في التعبير الصادق الامين عن نفسه وتجاربه‏.‏ ولكن الانضباط العلمي الحازم الذي يلتزم به الدكتور شوقي ضيف في تقديم المعلومات وتحليلها كان يودي الي تراجع الفنان الحساس في شخصيته خطوات الي الوراء‏,‏ من اجل ان يتقدم الباحث العالم المفكر الذي يبذل جهده في جمع الحقائق وترتيبها واستخلاص النتائج الصحيحه منها‏.‏
ومنذ سنوات عثرت علي كتاب صغير في حجمه للدكتور شوقي ضيف يروي فيه سيرته الذاتيه‏,‏ وهو كتاب معي الصادر في سلسله اقرا في اغسطس سنه‏1981,‏ وقد اعاد الدكتور سمير سرحان نشر هذا الكتاب الجميل في مكتبه الاسره وصدر منذ ايام قليله‏.‏
وعندما عثرت علي هذا الكتاب قلت لنفسي‏:‏ هذا هو الفنان الدكتور شوقي ضيف وقد تحرر من قيوده واطلق لنفسه العنان ليقدم الينا جانبا مشرقا من شخصيته النبيله الرفيعه‏.‏ فكتاب معي هو كتاب انساني شديد العذوبه‏,‏ وهو اقرب الي الشعر والقصه منه الي البحث والدراسه‏,‏ وان لم يبتعد صاحبه الجليل عن الدقه والانضباط العلمي في روايته لتاريخ حياته واشاراته المختلفه للاحداث والشخصيات التي اتصل بها‏.‏ والقيمه الاساسيه في هذا الكتاب تعود الي ان الدكتور شوقي ضيف قد اتاح لنا فيه فرصه واسعه لكي نعرف اسرار تكوينه الشخصي والعلمي‏,‏ فهمس بهذه الاسرار همسا رقيقا جميلا‏,‏ ولم يضع قيودا علي عواطفه وارائه ونظرته الي الحياه كما يفعل دائما في دراساته وابحاثه العلميه‏.‏
كان الناقد الكبير الراحل محمد مندور‏(1907‏ ‏1965)‏ يقول ان الادب الهامس هو الادب الذي يوثر في القلوب ويحرك المشاعر ويمس عواطف الانسان بصوره عميقه‏,‏ اما الادب الصاخب او الزاعق او الخطابي فهو اقل تاثيرا في النفس من ادب الهمس ولاشك ان الدكتور مندور كان علي حق فيما قاله عن الهمس فالضوضاء في الادب والفن تقلل من تاثيرهما وتخلق حاجزا بينهما وبين القلب الانساني‏,‏ والقلوب تتاثر بالصوت الدافيء واللحن الهاديء والدخول اليها علي اطراف الاصابع‏,‏ اما الصاخبون الذين يدقون الطبول فهم لا ينجحون في تحقيق شيء من التاثير الحقيقي علي النفوس والمشاعر‏.‏
وكتاب معي للدكتور شوقي ضيف هو من هذا الطراز البديع الرفيع‏.‏ فهو كتاب هامس يخاطب قلبك وعقلك في وداعه شديده وعذوبه بالغه وتواضع جميل‏,‏ ومع ذلك كله فالكتاب واضح مستقيم‏,‏ اي انه لا يخفي رايا لكاتبه ولا يحيط بالضباب والغموض وجهه نظر له او موقفا من مواقفه تجاه الناس والاحداث ونتوقف هنا مع لمحات سريعه مما جاء في هذا الكتاب‏,‏ وهي لمحات تقدم صوره لشخصيه الدكتور شوقي ضيف واخلاقه وتكشف امامنا عن جذور المباديء العليا التي قامت عليها هذه الشخصيه التي لا اتردد لحظه واحده في وصفها بانها شخصيه عظيمه اذا قسناها بمقاييس العلم او مقاييس السلوك الانساني الرفيع‏.‏
يحدثنا شوقي ضيف في كتابه معي عن العلاقه بين والده ووالدته وهما من بسطاء الفلاحين‏,‏ وان كان الاب معروفا في قريته بانه من العلماء لانه اكمل الدراسه في المعهد الازهري بدمياط‏.‏ وعندما نقرا ما كتبه شوقي ضيف عن العلاقه بين والديه نحس كاننا امام زوجين يعيشان في اعظم عواصم الحضاره مثل لندن او باريس‏,‏ وليس في قريه متواضعه من قري الريف المصري‏.‏ يقول شوقي ضيف عن نفسه‏:‏ كانت امه باره بوالده الشيخ العالم‏,‏ فهي دائما تعزه وتجله‏,‏ لا لانه كان ابن خالتها وحسب‏,‏ بل ايضا لانه كان دمث الاخلاق‏,‏ وكان لا يصدر في شيء الا حسب مشيئتها ومشورتها فقد استقر في نفسه انها احصف منه وابعد نظرا‏.‏ وحقا كانت كذلك‏,‏ وكان قلبها ينطوي علي رحمه بالغه للضعيفات والضعفاء من حولها‏,‏ وهي رحمه ترافقها اراده حازمه صلبه‏,‏ وشييء من ارادتها المصممه ورثه الطفل اي شوقي ضيف فيما ورثه عنها من الشيم والاخلاق‏.‏
وفي هذه الصوره الحيه اشاره دقيقه الي وضع المراه الحقيقي في ريف مصر في الجيل الماضي‏.‏ فلم تكن المراه صفرا علي الشمال كما يقال‏,‏ بل كان لها شان عظيم حتي ان شوقي ضيف يقول لنا ان والده العالم المتعلم كان لا يتخذ قرارا الا بمشوره زوجته والنزول طواعيه واختيارا علي رايها في معظم الامور‏.‏
وفي لمحه اخري نقرا هذه الصوره الحيه للبدايه التي استمرت في تاثيرها القوي علي شوقي ضيف حتي الان حيث يقول‏:‏ كان الطفل كثيرا مايري في يد والدته سبحه تذكر الله عليها وتسبح بحمده‏.‏ ولم يكن والده يستخدم السبحه بل كان يسبح الله ويذكره كثيرا عقب الصلوات‏,‏ ولكن دون حاجه الي هذه السبحه‏.‏ وكان الوالد يكثر من تلاوه القران كلما وجد فراغا وخلا الي نفسه‏,‏ فهو سلواه وريحان فواده‏.‏ وكل ذلك كان الندي والاريج والشذي الذي تفتح فيه الطفل اي شوقي ضيف نفسه كما تتفتح البراعم‏,‏ فاسم الله دائما يتردد في اذنه‏,‏ بل هو منقوش في صدره وعلي قلبه‏,‏ ومنقوش معه محبه الخير لابويه وشقيقته الكبري واخته من الرضاع ولكل من حوله‏.‏ ورث ذلك عن ابيه وامه‏,‏ وكانا لا يعرفان بغضا للناس ولا ضغينه‏,‏ وكانما صنعا طفلهما علي مثالهما‏,‏ فنشا لا يحمل ضعينه لاحد ولا بغضا ولا موجده
وهكذا كان الايمان الهاديء الوديع البعيد عن الصخب والتظاهر والعدوان علي الناس اساسا اخر في تكوين شخصيه شوقي ضيف‏,‏ الي جانب الاراده الصابره القويه‏.‏ والحقيقه ان الانسان بلا ايمان هو نصف انسان او اقل من ذلك بكثير‏.‏
ثم ننظر بعد هذا الي صوره اخري‏,‏ بل لوحه جميله يرسمها شوقي ضيف لعلاقته بوالديه حيث يقول‏:‏ كان الطفل اي شوقي ضيف يبدا يومه بتحيه ابويه‏,‏ ولم تكن التحيه كلاما‏,‏ بل كانت تقبيلا لليدين الكريمتين‏,‏ يد الاب ويد الام‏.‏ واجب يومي كان الطفل يوديه كما يوديه اطفال القريه من حوله‏,‏ بل كما كان يوديه اطفال الريف المصري جميعا‏.‏ وقد اقلعت الكثره من العائلات في مصر عن هذه العاده الان‏,‏ خاصه العائلات المثقفه ثقافه عصريه‏,‏ او التي تدعي لنفسها شيئا من المدنيه‏,‏ كانها تعد ذلك لونا من العبوديه والذل‏,‏ ولا ادري من اين جاءها هذا الاعتقاد؟ اغلب الظن انه جاءها من بعض من راوا الحياه في الغرب او تعلموا فيه ولم يروا شيئا من هذه العاده هناك‏,‏ فظنوها عاده سيئه‏,‏ وهي تكون سيئه اشد السوء اذا تم توجيهيها لغير الاب والام‏,‏ اما هما فجدير بالولد ان ينشا علي تقبيل يديهما اجلالا لهما واحتراما‏.‏ وربما كان ما يلاحظ الان علي بعض الابناء من انهم لا يحترمون اباءهم الاحترام الكافي مرجعه الي ابطال مثل هذه العاده الطيبه التي كانت تحيل الاب والام الي مايشبه قديسين في نظر الابناء‏,‏ اما وقد تم ابطالها‏,‏ فلم تعد للابوين عند الكثيرين منهم هذه القداسه ولا ما كان لهما من اجلال‏.‏
ولاشك ان هذه الصوره التي يرسمها استاذنا شوقي ضيف هي صوره دقيقه وصحيحه‏.‏ ولا اظن ان المطلوب هو العوده الحرفيه الي تقبيل الايادي بالمعني المادي المباشر‏,‏ ولكن المطلوب حقا هو التاكيد علي المشاعر والعواطف التي كان تقبيل اليد ينطوي عليها ويعبر عنها‏.‏ فالعصر الراهن فيه بعض مظاهر للقسوه التي ليس لها جذور او اصول في حياتنا الاخلاقيه والوجدانيه‏.‏ فانا اعرف ابناء هاجروا الي امريكا وكندا واوروبا وانشغلوا بحياتهم ونجاحهم في هجرتهم ونسوا اباءهم وامهاتهم واهلهم جميعا‏,‏ ولم يعودوا يسالون عنهم حتي بالتليفون‏.‏ واعرف ابناء نالوا من العلم اعلاه ونجحوا في حياتهم بفضل كفاح شاق وغير محدود لابويهم‏,‏ ثم لما نجحوا عاملوا الابوين بسلوك جاهلي اذا صح هذا التعبير‏.‏ وقد عرفت واحدا من هولاء كان يضرب امه التي افنت حياتها من اجله‏,‏ وذلك كلما طلبت منه في تهذيب شديد‏,‏ وبعض الدموع في عينيها‏,‏ ان يرعي شيخوختها ويقدر انها لم تدخر شيئا لنفسها لانها انفقت كل ما تملك من طاقه وجهد علي ابنها الذي يضربها وقد اقتربت من الثمانين‏.‏ والحمد لله ان مثل هذه النماذج ليست كثيره‏,‏ ولكنها موجوده وموجعه للقلب‏.‏
وهكذا يعود بنا استاذنا شوقي ضيف في كتابه الجميل معي الي الجذور والاصول ليكشف امامنا عالما بديعا من المباديء الانسانيه التي عرفها وامن بها منذ بدايات حياته‏,‏ وصاحبته بعد ذلك في مسيرته الناجحه والتي يحف بها التوفيق من كل جانب‏.‏ واظن ان اخلاق شوقي ضيف كما عرفته تلميذا له وقارئا متابعا لادبه وفكره هي مايمكننا ان نطلق عليه اسم الاخلاق الموسيقيه‏.‏ فهي اخلاق تطربنا كما تطربنا الموسيقي الجميله‏.‏ وهي اخلاق موسيقيه من ناحيه اخري‏,‏ لانها مستمده في احوال كثيره من اصوات سمعها باذنه وانتقلت الي قلبه فاستقرت فيه‏,‏ فهو يسمع اسم الله كثيرا فيومن‏,‏ ويقبل يد والديه‏,‏ ويسمع صوت هذا التقبيل فيري ان والديه هما اشبه بقديسين‏,‏ ويستمع الي الشاعر في قريته وهو يروي قصه ابي زيد الهلالي‏,‏ فينتمي الي الهلاليه ويلتزم بها يتحمس لها مع قريته‏.‏ فالاصوات كثيرا ما تقوده الي مايعتقده ويومن به‏.‏ ولذلك فاخلاق شوقي ضيف هي اخلاق موسيقيه‏.‏ ويبقي في النفس والعقل ملاحظات وتاملات اخري في شخصيه هذا الاستاذ الجليل قد اعود اليها مره اخري في مقال جديد‏.‏
ــــــــــــــــــــــ
*الأهرام ـ في 17/8/2003م .




رد مع اقتباس
#10  
قديم 12-14-2007, 11:14 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



رجل يحبه طه حسين

بقلم‏:‏ رجاء النقاش
..................

استاذنا الجليل الدكتور شوقي ضيف رئيس المجمع اللغوي الان نال جائزه مبارك هذا العام‏,‏ وهو يستحق هذه الجائزه وكل جائزه اخري‏,‏ فهو رجل نادر بين الرجال في علمه واخلاقه ونقاء سيرته الفكريه والشخصيه‏,‏ واذا اردنا ان نبحث لانفسنا وابنائنا عن امثله عليا نبيله فان شوقي ضيف هو واحد من هذه الامثله الكريمه التي نستطيع ان نتعلم منها الكثير‏,‏ ونستطيع ان نتعلم منها كل شيء‏.‏
قضيت اربع سنوات تمتد من سنه‏1952‏ الي سنه‏1956‏ وانا تلميذ لهذا الاستاذ الجليل في كليه الاداب بجامعه القاهره‏,‏ وكانت محاضراته دائما اقرب ما تكون الي اجواء العباده في مسجد او كنيسه‏,‏ فصوته هادئ ونظراته متواضعه‏,‏ وتفكيره في منتهي الصفاء‏,‏ وعلمه غزير‏,‏ وسماحه صدره بالنسبه للحوار مع تلاميذه بغير حدود‏,‏ وفي محاضراته كان يشع بين الجميع جو من التقوي والورع والموسيقي التي لا نسمعها بالاذن وانما تسمعها القلوب‏.‏ فكان في ذلك كله تجسيدا حيا لما يقال ان للعلم محرابا مثل محراب الاتقياء الصالحين والعابدين المخلصين‏.‏
وبعد الانتهاء من الدراسه الجامعيه تابعت شوقي ضيف في كل دراساته‏,‏ فلم اترك كتابا له الا وسارعت الي الحصول عليه وقراءته‏,‏ حتي اصبح له في مكتبتي مكان عزيز خاص به‏,‏ فهو المرجع الشامل الاساسي لكل من يهتمون بتاريخ الادب العربي منذ اقدم العصور حتي العصر الحديث‏,‏ خاصه فيما يتصل بالشعر والشعراء‏,‏ ولا يوجد باحث في الادب العربي اومورخ له او قارئ يحب ان يعرف في وضوح ودقه وسهوله ما يتصل بهذا الادب في عصوره المختلفه يمكنه ان يستغني عن موسوعه شوقي ضيف في هذا المجال‏.‏ والجامعات العربيه في كل مكان تعتمد علي هذه الموسوعه الكبري التي لا اغامر بشيء عندما اقول انها موسوعه لا مثيل لها في شمولها ودقتها وما فيها من فيض في العلم والتحليل وليست الجامعات العربيه وحدها هي التي تعتمد علي هذه الموسوعه النادره‏,‏ بل ان الباحثين الاجانب من المهتمين بدراسه الادب العربي يعتمدون عليها كل الاعتماد ويحترمونها الي ابعد الحدود‏.‏
ومن هنا جاء نجاح هذه الموسوعه الفريده باجزائها العديده‏,‏ فتم طبعها عشرات المرات‏,‏ ومازالت تطبع الي اليوم بانتظام وتلقي من النجاح الكبير والاقبال عليها ما تستحقه‏,‏ حتي في الاوقات التي كانت فيها سوق القراءه بعيده عن الرواج‏,‏ فقد اصبحت موسوعه شوقي ضيف من الضرورات الثقافيه‏,‏ وفي الازمات تتوقف حركه الكماليات‏,‏ ولكن الازمات لا تستطيع ان تمس الضرورات‏.‏ وكتابات شوقي ضيف هي من الضرورات التي لايستغني عنها باحث في الادب او طالب من طلاب التذوق والمعرفه لتاريخه وعصوره المختلفه‏.‏
وفي اعتقادي ان العلم وحده لم يكن كافيا لان يتيح لشوقي ضيف غزاره الانتاج وانشاء موسوعته الكبري في تاريخ الادب العربي منذ اقدم العصور الي الان‏,‏ فبعض العلماء الذين يملكون من العلم اعظمه قد يبددون جهودهم في المنافسات والصراعات والجري مثل الفراشات وراء الاضواء‏.‏ وهنا يمكن ان يضيع علم العلماء فيما هو خارج العلم نفسه من اغراءات وامتيازات ومكاسب‏,‏ ولكن شوقي ضيف كان منذ ظهوره علي الساحه العلميه يتميز بقوه الشخصيه الاخلاقيه‏,‏ وكان الله قد اكرمه منذ البدايه بفضيله الفضائل جميعا وهي التواضع‏,‏ فكان دائما مخلصا للعلم‏,‏ عفيف اللسان واليد والعقل والقلب والقلم‏,‏ وكان يعكف علي علمه دون ان يطلب شيئا من احد‏,‏ ودون ان يلتفت الي الاغراءات او يسعي الي المكاسب او يندم علي ما قد يلحق بالانسان في معارك الحياه من خسائر لم يكن له يد فيها‏.‏ وهذه الشخصيه الاخلاقيه القويه عند شوقي ضيف هي التي مكنته من ان يحقق انجازاته في هدوء وسلامه نفس وصفاء تام‏,‏ وكل النتائج الطيبه التي حققها هذا العالم النادر تحققت من تلقاء نفسها دون ان يجري وراءها اويلهث في سبيل الحصول عليها‏,‏ وكانه هنا هو الامير الذي يحدثنا عنه الشاعر ابو العتاهيه عندما يقول‏:‏
اتته الاماره منقاده
اليه تجرجر اذيالها
فلم تك تصلح الا له
ولم يك يصلح الا لها
والاماره هنا ليست سلطانا او جاها في دنيا السياسه والمجتمع ولكنها اماره في العلم والمعرفه ومحبه الناس لهذا العالم الكبير والتفافهم حوله وثقتهم بعلمه واخلاقه‏.‏
والتاريخ العربي يحدثنا عن قصه طريفه وقعت للسيده زبيده زوجه هارون الرشيد وابنه عمه‏,‏ وذلك عندما كانت تطل من نافذه في قصرها في مدينه الرقه علي نهر الفرات‏,‏ فقد وجدت حشدا كبيرا من الناس يتجمعون علي شاطئ النهر‏,‏ فسالت في دهشه عن سبب هذا التجمع الكبير‏.‏ فقيل لها ان الناس اجتمعوا للترحيب باحد كبار العلماء الذي وفد الي مدينه الرقه علي ظهر سفينه حملته من بغداد‏,‏ فقالت زبيده‏:‏ هذا هو العز‏..‏ لا عزنا‏..‏ تساق اليه الناس بالسياط‏.‏
وما اجمل ما قالته زبيده وما اصدقه‏.‏ فعز العلماء قائم علي اختيار الناس ومحبتهم واقبالهم الذي ليس فيه فرض ولا ارغام‏.‏ وهذا هو العز الحقيقي لانه نابع من القلوب المتحرره من كل الضغوط‏,‏ اما عز السلطه والجاه والسياسه والنفوذ فهو عز تساق اليه الناس بالسياط‏,‏ كما تقول السيده زبيده وهي في قولها علي حق‏,‏ ولعلها وهي تقول ذلك كانت تتحسر علي ان عزها هو من النوع الاخير‏,‏ اي النوع الذي تساق اليه الناس بالسياط‏,‏ او الكرابيج وليس ذلك العز الذي يتحقق بمحبه الناس وعواطفهم الاختياريه الصادقه‏.‏
والعز الذي تحقق للدكتور شوقي ضيف من محبه الناس له واقبالهم عليه‏,‏ هو من نوع العز الكريم الذي تحقق للعالم العربي القديم عندما سعي اليه الناس واحتشدوا لاستقباله في مدينه الرقه عاصمه الرشيد الصيفيه علي نهر الفرات‏,‏ وقوه الاخلاق عند شوقي ضيف هي الاساس الراسخ للجانب العلمي الرائد في شخصيته‏,‏ فهو اذا درس موضوعا عكف عليه عكوف العالم المتبتل‏,‏ ولم يترك صغيره او كبيره حتي يبحثها ويقوم بتحليلها قبل ان يكتب دراسته ويخرج باستنتاجاته‏,‏ ويكفي هنا ان نشير الي البحث الذي قدمه شوقي ضيف للحصول علي الماجستير حوالي سنه‏1940,‏ فقد اختار لهذه الدرجه العلميه موضوعا بالغ المشقه يحتاج الي جهد استثنائي شديد‏,‏ والموضوع هو النقد الادبي في كتاب الاغاني لابي الفرج الاصفهاني‏.‏ وكتاب الاغاني هو بحق كما يقول الدكتور شوقي ضيف عنه‏:‏ اهم مرجع للشعر وشعرائه من العصر الجاهلي حتي نهايه القرون الثلاثه الاولي للاسلام‏,‏ وهو كتاب يموج بملاحظات اللغويين والشعراء والنقاد حول الشعر‏.‏ وهو في واحد وعشرين مجلدا‏.‏ وقد ظل شوقي ضيف منهمكا ليل نهار في اعداد رسالته لمده سنتين حتي نال درجه الماجستير بامتياز تحت اشراف استاذه طه حسين‏.‏ ويقول شوقي ضيف عن ذلك في كتابه الجميل الذي كتبه عن سيره حياته تحت عنوان معي انه حمدالله كثيرا لانه وفق لاختيار موضوع رسالته‏,‏ ليس لما ظفر فيه بنتائج علميه حول النقد الادبي العربي القديم فحسب‏,‏ ولكن ايضا لانه اتاح له في بواكير حياته العلميه الجامعيه التعرف الدقيق علي اكبر مصدر للمعلومات عن الشعر العربي وشعرائه في العصور الاولي‏,‏ وبذلك سيطر مبكرا علي ماده هذا الشعر التاريخيه والنقديه‏,‏ وهي سيطره مكنته فيما بعد ان يكتب حول الشعر العربي وشعرائه مورخا تاره وناقدا تاره اخري‏,‏ ولو انه لم يقرا هذا الكتاب بمجلداته الضخمه التي بلغت واحدا وعشرين مجلدا لظل الشعر العربي بتاريخه القديم الطويل محجوبا عنه‏,‏ اما وقد قرا هذا الكتاب قراءه فحص وبحث ودراسه فان ابواب هذا الشعر قد تم فتحها له ولم توصد ابدا في وجهه‏,‏ مما اعطاه فرصا كبيره كي يبحث فيه بحوثا كثيره لا يقف فيها عند عصر بعينه دون غيره من العصور‏,‏ اوبيئه بعينها دون غيرها من البيئات‏.‏
وكان طه حسين كثير الثناء علي تلميذه شوقي ضيف‏,‏ وقد جعل ثناء طه حسين علي تلميذه من هذا التلميذ يزداد تجويدا ودابا في بحثه ودراسته‏,‏ باذلا فيها كل ما يستطيع من جهد ومشقه حتي يرضي استاذه وحتي يكون مستحقا لثنائه‏.‏
والحق ان شوقي ضيف قد بذل من الجهد الشاق والاخلاص التام للبحث والمعرفه ما جعله يستحق حب طه حسين له‏,‏ وما جعله ايضا مستحقا لمقام العز بين الباحثين والعلماء في كل الجامعات العربيه والعالميه التي تهتم بدراسه الادب العربي والبحث فيه‏.‏
فالكل يحبون شوقي ضيف ويعترفون بفضله ويحنون رءوسهم اعجابا بهذه الشخصيه العلميه والاخلاقيه الرفيعه‏.‏ ومن كان يحبه طه حسين فهو جدير بمحبه الجميع‏.‏
ولنا حديث اخر اكثر تفصيلا عن اخلاق شوقي ضيف‏.‏
فالي الاسبوع المقبل ان شاء الله‏.‏
ــــــــــــــــــــ
*الأهرام، في 10/8/2003م.




رد مع اقتباس
#11  
قديم 12-14-2007, 11:15 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف: صورة كلية وذكريات ومقترحات

بقلم: د. حيدر الغدير
....................

رحل من العالم الفاني إلى العالم الباقي أستاذ الأجيال، وعلامة العربية، وحارس التراث، وسادن الفصحى، العلامة الموسوعي، والعصامي الدؤوب، الأستاذ الدكتور شوقي ضيف رحمه الله رحمة واسعة وأغدق عليه شآبيب رحمته، وعوض الأمة عنه خير العوض، بعد حياة ملأى بالإنجازات، وعطاء أصيل متنوع، بلغ فيه ذروة عالية متفردة لا يشاركه فيها أحد.
ولد في عام 1910م في إحدى قرى دمياط، وتوفي في عام 2005م أي أنه عاش قرناً من الزمن شهد تبدلات كثيرة ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية، لكن الثوابت الكبرى في حياته لم تتبدل، فقد بقي طيلة عمره، المصري، الريفي، المسلم، العربي، الذي وهب حياته للعلم وعاش في محرابه حتى مات.
ومراحل حياته معروفة متداولة، هي في برقية موجزة التحاقه بالمعهد الديني في دمياط الذي تخرج منه عام 1926 ثم التحاقه بقسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة فؤاد الأول جامعة القاهرة فيما بعد، الذي تخرج منه عام 1936م وكان أول دفعته، فاختاره الدكتور طه حسين معيداً، وهنا تدرج حتى ظفر بالماجستير فالدكتوراه فالأستاذية، ثم صار عضواً في مجمع اللغة العربية، فأمينا عاماً له، فنائباً للرئيس، فرئيساً.
***
تلاقت في شخصيته رحمه الله، مجموعة من العوامل، أدت إلى نجاحه الفريد.
كان متديناً تديناً عميقاً، محباً للإسلام، معتزاً به، واسع الثقافة فيه، ورث ذلك عن الريف المصري الطيب الذي يتنفس الإسلام في كل حياته منذ عهد عمرو بن العاص، وعن أبيه عبدالسلام، الرجل الطيب الذي تخرج في المعهد الأزهري في دمياط، وعاد إلى قريته يعلم الناس ويسعى في مصالحهم، وأخذ ذلك عن المعهد نفسه الذي درّسه حقائق هذا الدين العظيم فكان تأصيله الشرعي متيناً، وأخذ ذلك عن حفظه للقرآن الكريم الذي ظل وثيق الصلة به طيلة حياته، يضاف إلى ذلك قراءاته المستفيضة عن الإسلام التي كانت ركناً ركيناً في حياته.
حدد الرجل هدفه، ومضى إليه في خطى ثابتة، لم تشغله الصوارف وإن كان لها بريق، ولا المطامع وإن كان لها إغراء، مثله كمثل إنسان وقف في السهل ونظر إلى القمة فأراد أن يبلغها، فخلا بنفسه، ورسم طريقه، وانطلق فيه، بهدوء وأناة ولكن بتصميم وعناد وما زال كذلك حتى ظفر بما يريد، وفي هذا درس مهم لطلاب المعالي: أن يعرف أحدهم حقيقة قدراته، ونقطة تفوقه، والوسيلة المطلوبة، ثم يشمّر عن ساعد الجد، معتمداً على خالقه، صابراً مرابطاً مثابراً، مستعصياً على التشتت والصوارف، إن كثيراً من الأذكياء أضاعوا أنفسهم لأنهم جهلوا ذلك، وإن كثيراً من متوسطي الذكاء حققوا نجاحاً أكبر لأنهم عرفوا ذلك.
جمع الرجل بين الثقافتين، الثقافة الإسلامية الأصيلة التي تلقاها فطرة وتربية ودراسة والثقافة الحديثة التي تلقاها في الجامعة، فحقق بذلك أفقاً واسعاً، وتنوعاً وخصوبةً، أعانه في ذلك جده، واتقانه واعتدال مزاجه الفكري والنفسي.
كان رجلا عفيفاً، عفيف السريرة، عفيف المظهر، لذلك كان لسانه في غاية الأدب مع من يوافقه ومع من يخالفه، والعفة الحقيقية ليست فضيلة لسانية فقط، إنها أوسع من ذلك مجالاً، وأرحب مدى، إنها فضيلة تومئ إلى فضائل أخرى، وحسنة تبشر بأخوات لها، والفضائل كالرذائل ينادي بعضها بعضاً، ويقود بعضها إلى بعضها الآخر، هذه العفة أكسبته إلى جانب مزاياه الأخرى احترام الجميع، وأضفت عليه جلال العالم، وحب الزملاء والأساتذة والطلبة، وثناء الناس حيث كان.
كان فيه نوع من التصوف السويّ الذي نجا من السلبية، والخرافة، وذوبان الشخصية، كما نجا من الضلالات والانحرافات، وكان لهذا اللون من التصوف السوي السني فضل كبير عليه، فعاش عمره المديد المبارك وفيه قناعة، ونقاء، وصفاء، وزهد، وعفاف، ورضا، وصبر، وتوكل، مع عمل دؤوب، وعزم قوي، وعقل يقظ، وتخطيط حكيم، وتحديد للهدف، وضبط للوسيلة، وتفانٍ وإتقان، كل ذلك في إطار من التوازن والشمول والانسجام.
هذا التصوف السوي المتوازن أبعده عن القلق والسخط والتوتر والغضب والحسد وما إلى ذلك من معاصي القلوب وهي غوائل مدمرة، وصوارف ومثبطات، وملأه بالأفكار الصحيحة والمشاعر النبيلة وهي حوافز دافعة، وقوى بانية، فكان بما نجا منه من ناحية، وما اكتسبه من ناحية، حريّاً أن يصل إلى ما وصل إليه.
وتتسم كتاباته بالعمق والاحاطة التي تدل على ذاكرة قوية، وقراءة واسعة، وتفرغ تام، واستقصاء عميق، وقدرة كبيرة على حشد الأدلة بين يدي الأحكام التي ينتهي إليها، لذلك تظل تحترمه سواء أوافقته في الرأي أم خالفته.
كما تتسم هذه الكتابات بالوضوح، فلغته تجمع إلى الصحة الجمال، ولا بدع فهو حافظ للقرآن الكريم، عليم بأسرار البيان العربي، غائص على درره ونفائسه، ثم إن شخصيته الواضحة تجعل بيانه واضحاً، ذلك انه يكره التكلف والتشدق وينأى عن المصطلحات الغامضة، والرموز الغريبة، والعبارات الفضفاضة، التي يلجأ إليها بعض الكتاب ليستروا بزيفها ولمعانها خواءهم الفكري، أو زيفهم العقائدي، وليوهموا السذج من القراء أن لديهم من التميز والابداع والتجديد أكثر من الآخرين، فيعجب بهم هؤلاء المساكين وهم لا يعلمون انهم مخدوعون.
أحب أساتذته الأعلام، وكانت علاقته بهم وثيقة، فيها وفاء واحترام، أمثال: طه حسين، وأحمد أمين، وعبدالوهاب عزام، ومصطفى عبدالرازق، لكنّ هذا كله لم يفقده ثقته بنفسه واحترامه لخصوصيته، فلم يذب في أحد منهم قط، ولعل أبرز مثل لهذا هو موقفه من طه حسين الذي اختاره معيداً، ومنحه درجة الدكتوراه بتفوق، لقد حفظ له الجميل ولكنه خالفه في أدب وصراحة في قضية الانتحال في الشعر الجاهلي.
أعانه على إنجاز ما أنجز أنه رجل منظم، منظم في كل شيء، في الوقت، والمال، والأولويات، والعلاقات، والأرشفة، والنوم، واليقظة، والطعام، وما إلى ذلك، والانسان المنظم يتسع وقته، ويربا عطاؤه، وتهدأ أعصابه، ويتسع مداه العقلي والنفسي والشعوري، وتعظم قدرته على التركيز والابداع والتجدد، خلافاً، للإنسان الفوضوي المشوش، وصدق من قال: قل لي ما برنامجك أقل لك من أنت؟
بعض الناس يحصلون على الشهرة من خلال مهاجمة الثوابت الدينية واللغوية والوطنية، وبعضهم من خلال مهاجمة أعلام كبار لهم وزنهم في الساحة، وبعضهم من خلال ثروة مالية يوظفها لمن يكتبون عنه وله، وبعضهم من خلال موقع إداري يتيح له أن يوظف جهود عدد من مرؤوسيه للكتابة عنه وله، وهذا كله سرقة وعدوان ومجد زائف.
وبعضهم يحصل على الشهرة والمجد متحاشيا ذلك كله سالكا إلى هدفه السبيل القويم بكل ما يتطلبه هذا السبيل من أخلاق وعناء ومثابرة، ومن هذا الصنف أستاذ الأجيال الدكتور شوقي ضيف، لم تصعد به إلى الذروة مصادفة عابرة، أو إرث مالي، أو مكانة اجتماعية، أو عصبية حزبية، أو شغب على الاعلام والثوابت، أو رعاية من ذي جاه وسلطان، بل صعدت به بعون الله تعالى فضائله وحدها.
وبعد :
وبعد، فإن الدكتور شوقي ضيف، أعجوبة من أعاجيب عصرنا الثقافية، وهو قمة حقيقية تدعوك إلى الإعجاب، وحين تعجب بالقمة وتحاول احتذاءها وتقليدها فالفضل لها، ذلك أن فضائلها هي التي حملتك على الإعجاب بها فالشكر لها والفضل لها من قبل ومن بعد.
أما الجوائز التي نالها فقد شرفها أكثر مما شرفته وزانها أكثر مما زانته.
وسوف يبقى عطاؤه بإذن الله دهراً طويلاً ينتفع به الناس، في الحين الذي يبيد فيه عطاء سواه من المتسلقين والمدعين والمشاغبين والمزيفين والمزورين، وأهل الإبهام والإغراب، والسارقين لجهود غيرهم، والمستوردين لنظريات غريبة عن دين الأمة وذوقها وتميزها ولا غرابة، فذلك قانون إلهي، نبأنا به العليم الخبير حين قال: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}.
لو أن عصبة من ولي العزم والقوة استطاعت أن تنجز ما أنجزه الفقيد الكبير لكانت جديرة بالثناء والإعجاب، فما هو حقه علينا إذن وقد أنجزه وحده؟
نثار من ذكريات خاصة
كنت طالباً متفرغاً في قسم اللغة العربية، بكلية الآداب، جامعة القاهرة، (1959 1963) عاشقاً للعربية، حريصاً على العلم، سعيداً بالقسم وأساتذته وفي طليعتهم شوقي ضيف، وكنت أشعر في أعماقي بفرح وزهو لأنني من تلامذته، وكان يشجعني كثيراً ويوليني عناية خاصة.
خرجت ذات يوم من بيتي في حي الروضة حيث يقيم وأقيم للذهاب إلى محاضرة له، فوجدته ذاهباً أيضاً، عندها استوقفت سيارة أجرة وركب فيها وركبت، وسارت السيارة إلى الجامعة وكنت في غاية السرور أني إلى جواره، وحين دفعت للسائق الأجرة وكانت شيئاً يسيراً أبى رحمه الله إلا أن يكون هو الدافع، وهو أحد الأساتذة القلائل الذين لا يتقبلون الهدايا.
حين تخرجت صيف عام 1963 زرته في بيته برفقة الأخ الزميل أحمد مرسي (الدكتور فيما بعد)، يومها قال لي: لا تسافر من مصر، وابق معي حتى امنحك الماجستير والدكتوراه في خمس سنين، ولم أطعه يومها، وقد أخطأت فيما فعلت، ولكن نقول: قدر الله وما شاء فعل.
في كتابه (الترجمة الشخصية) تحدث عن أحد الأعلام لعله محمد كردعلي، وقال انه زار تركيا في عهد مصلحها الأكبر أتاتورك، فعجبت من ذلك، ووجدت في نفسي الجرأة لأحدثه عن جنايات أتاتورك التي تجعله في مصاف المفسدين لا المصلحين لم يغضب رحمه الله، بل شكرني وأخذ يدي بيده، ومشى معي قليلاً وهو يشجعني فازددت اكباراً له.
جئت القاهرة صيف 1964 لأقدم امتحان السنة التمهيدية للماجستير، وكان امتحاناً شفوياً، فوجدت اللجنة التي تختبر الطلاب قد انتهت من أعمالها، فأدركني حزن شديد لفوات الفرصة، ولما أبصرني رحمه الله، جاء إلي مشجعاً ومواسياً، وقادني إلى اللجنة وأثنى عليّ أمامها، وطلب منها أن تعقد لي جلسة خاصة فيما بعد، واستجابت له اللجنة، واختبرتني في موعد لاحق، وكان من أعضائها الدكتور عبدالعزيز الأهواني ونسيت بقية الأسماء، وقد رضيت عني اللجنة وسرت بإجاباتي فنجحت، وهي يد مشكورة له علي تضاف إلى أياديه الكثيرة علي وعلى سواي.
زرته ذات مساء في بيته في حي الروضة، ثم تبين أن عنده لقاء مع مجموعة من أهل العلم والفضل، فأبى له كرمه إلا أن يصطحبني معه، ودخلت معه الدار التي كان فيها اللقاء، وأنا بين الهيبة والفرحة، انظر في وجوه الأعلام الذين يتحاورون، وكان من بينهم الدكتور محمد يوسف موسى، وشرّق الحديث وغرب، حتى إذا وصل إلى نقطة سبق أن حاورته فيها، قال: ولكنّ لحيدر رأياً آخر في الموضوع، وأوحى إلي أن أتكلم، وهو لون كريم من التشجيع يدل على نفسية كريمة.
وفي عام 1983 وكنت يومها في الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض، أصابتني فرحة غامرة وأنا أشارك في إعداد المذكرة المطلوبة لترشيحه لجائزة الملك فيصل العالمية في مجال الأدب العربي، ذلك أني وجدت في ذلك شيئاً من الوفاء، وشيئاً من رد الجميل، لعلم شهير، له أفضاله المشكورة على محبي الأدب العربي ودارسيه في كل مكان، وحين نال الجائزة كانت فرحتي أكبر.
وفي عام 1990 أكملت رسالتي للحصول على درجة الماجستير في الأدب العربي، وكان الموضوع (الرثاء في شعر البارودي وحافظ وشوقي) وكان الإشراف للأستاذ الدكتور طه وادي، أما المناقشان الآخران فهما أستاذ الأجيال الدكتور شوقي ضيف، والوزير الأديب الشاعر الدكتور أحمد هيكل، وقد لامني الدكتور شوقي في مودة حانية لأني تأخرت في متابعة دراستي العليا خلافاً لما أوصاني به سنة التخرج، فاعتذرت منه وشكرته، وقلت له: ها قد عدت، وحين نوقشت الرسالة في المدرج العريق الشهير رقم 78 في الكلية العريقة، أبى له كرمه وكرم الأستاذين الآخرين إلا منحي الدرجة العلمية بتقدير (امتياز) كما أبى لهم حبهم للعلم وإخلاصهم له إلا تنبيهي إلى عددٍ من الأخطاء والملاحظات كنت بها سعيداً.
مقترحات
إن النسيان سمة الإنسان وطبع البشر، وهذا الأمر سوف يصيب أستاذنا الراحل بدرجة أو أخرى، لذلك أضع بين أيدي المهتمين هذه الاقتراحات، وفاءً للراحل الكريم من ناحية، وإطالة لأمد الانتفاع من تراثه الغزير من ناحية.
تخصص قاعة في مجمع اللغة العربية، تحمل اسمه، وتوضع فيها مكتبته، وما كتبه، وما كتب عنه، وبعض متعلقاته الشخصية من أوسمة وجوائز وشهادات، وتفتح للدارسين.
يشجع طلبة الدراسات العليا على اختيار موضوعات للماجستير والدكتوراه تتصل به.
تُهيأ طبعات شعبية من كتبه ليكون بوسع الفقراء امتلاكها.
يطلق اسمه على إحدى قاعات قسم اللغة العربية الذي أفنى فيه زهرة عمره، وعلى مدرسة أو مسجد أو شارع في قريته التي نشأ فيها.
يتبنى مجمع اللغة العربية ، وقسم اللغة العربية، إصدار كتاب جامع وثائقي عنه، يشترك فيه الأعلام من كل مكان، يؤرخ لحياته العلمية والعملية بالتفصيل، ويحصي ما كتبه وما كتب عنه بالتفصيل أيضاً، ويقع تجديده بين الحين والآخر، ليكون المرجع الأول لكل من يريد معرفة هذا العلم المتفرد.




رد مع اقتباس
#12  
قديم 12-14-2007, 11:16 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف.. فيوضات وملتقى ثقافات

بقلم : محمد القاسم**
....................

لم يكن يدور في خلد الأبوين يوم ولد -بقرية "أولاد حمام" التابعة لمحافظة دمياط بمصر في 13 من يناير سنة 1910م- أن ابنهما أحمد شوقي عبد السلام ضيف سيكون يوما ما شخصية أكاديمية مرموقة ورئيسا لاتحاد المجامع اللغوية، كل ما كانا يطمحان إليه أن يكون ابنهما الوحيد مثل أبيه شيخا أزهريا، وكاد يعصف بأحلامهما مرض أصابه في بدايات سِنِي حياته أفقده عينه اليسرى إلا بصيصًا ضئيلا.
ورغم ذلك أتم الصبي الصغير حفظ القرآن، والتحق بالمعهد الديني عام 1920م، وأظهر نبوغا مبكرا لفت إليه الأنظار؛ حتى إنه ألف كتابًا في النحو لخص فيه "قطر الندى" لابن هشام وهو لم يتم بعد دراسته الابتدائية، وبعد أن أتمها التحق بمعهد الزقازيق الثانوي الأزهري ليتخرج فيه بتفوقه المعتاد.
في أحضان القاهرة
وما إن أتم الدراسة في المعهد حتى تعلق قلبه بكلية دار العلوم التي رأى فيها التجديد والعصرية ونوعًا من التحرر من قيود الدراسة التقليدية؛ فالتحق بتجهيزية دار العلوم التي كانت تُعِد الطلاب للالتحاق بالكلية.
وقبيل عامه الأخير في التجهيزية أعلن الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب أن الكلية ستفتح أبواب قسم اللغة العربية لقبول خريجي التجهيزية وحملة الثانوية الأزهرية ليكملوا دراستهم فيها.
فالتحق بقسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة القاهرة ليتخرج فيها بعد أربع سنوات، وكان ترتيبه الأول على دفعته؛ فعين فور تخرجه محررا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم اختير معيدا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، وفيها حصل على درجة الماجستير في النقد الأدبي، والدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى، وأشاد به مشرفه الدكتور طه حسين قائلا: "وإذا كنت حريصا على أن أقول شيئا في التقدمة فإنما هو تسجيل الشكر الخالص للجامعة التي أنتجت الدكتور شوقي، والدكتور شوقي الذي أنتج هذه الرسالة".
فيوضات وينابيع
إن الناظر لما خلفه الدكتور شوقي ضيف لَيكتشف أنه اجتمعت ينابيع الثقافة في عقليته؛ فهو الأزهري الذي تعمقت علاقته بالتراث العربي بينابيعه وفيوضاته، وهو الدرعمي الذي عاش الأصالة والمعاصرة، وهو الآدابي الذي أتقن اللغات الأجنبية واطلع على معطيات الحضارة الغربية.. كل هذا أفرز عقلية موسوعية لا تكاد تجد فرعًا من فروع الثقافة العربية إلا وله فيه مشاركة تخيل للناظر أنه لم يتخصص إلا فيه.. فأرخ للأدب والبلاغة والنحو، وكتب في فنون الأدب والنقد والترجمة الشخصية والرحلات والشعر والنثر، وحقق العديد من كتب التراث، وله أبحاث أخرى يستعصى حصرها.
مشروع حياته
من بين مؤلفات الدكتور شوقي ضيف الكثيرة يوجد مؤَلَّف أخذ من سني حياته أكثر من 30 عاما، ويعتبر بحق مشروع حياته.. إنه "موسوعة تاريخ الأدب العربي" التي شملت الأدب العربي في مختلف عصوره وأقاليمه، وتقع في 10 مجلدات.
حاول في هذه الموسوعة –كما يقول د. عبد الرحيم الكردي– أن يجمع بين اتجاهين: الأول النظر إلى تاريخ الأدب بوصفه علمًا كما نظر إليه طه حسين وبروكلمان، والآخر تقسيم الأدب إلى عصور كما فهمه القدماء وكما فهمه الرافعي وجرجي زيدان وأحمد حسن الزيات وأحمد أمين.
واعتمد في تفسيره للتاريخ الأدبي على المدرسة الطبيعية التي اتخذت من منهج Hippolyte Tain "هيبوليت تين" (1828 - 1893) أساسًا لتفسير التطور الأدبي، ويعتمد على أن هناك ثلاثة قوانين يخضع لها الأدب في كل أمة؛ وهي الجنس والزمان والمكان.
ومما يميز موسوعته تلك -كما تقول د.مي يوسف خليفة- "النظرة الموضوعية والدقة المنهجية، والعمق في طرق الخبر التاريخي بعد نقده وتمحيصه وتوثيقه من خلال التوقف عند مصادره واستبعاد ما حوله من شبهات، ثم ينتقل من التاريخ إلى الجغرافيا، ثم يتطرق إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأديان، ثم يتوقف عند اللغة وتاريخها، ثم يأتي دور المحقق والعالم المحاور والباحث المناقش لأطروحات الآخرين"، وهو فوق كل هذا يعيد النظر فيما كتبه من أحكام إذا ظهر له ما يجعله يغير وجهة نظره.
عودة ابن مضاء
كان الدكتور شوقي ضيف من أوائل من فجروا -في بدايات القرن المنصرم- قضية النحو العربي وضرورة النظر في كثير من مسلماته إثر نشره وتحقيقه لكتابه "الرد على النحاة" لابن مضاء؛ ذلك الكتاب الذي نادى فيه صاحبه بإلغاء نظرية العامل في النحو، وما تقوم عليه من تعليل وقياس، والاكتفاء بذكر القواعد مجردة.. فيقول في مقدمته للطبعة الأولى: "وقد سدد ابن مضاء سهام دعوته أو قل سهام ثورته إلى نظرية العامل التي أحالت كثيرا من جوانب كتاب النحو العربي إلى عقد صعبة الحل عسيرة الفهم.. إن كل ما تصوره النحاة في عواملهم النحوية تصور باطل...". "وليس هذا كل ما تجره نظرية العامل في كتاب النحو العربي؛ فهي تجر وراءها أيضا حشدا من علل وأقيسة يعجز الثاقب الحس والعقل عن فهم كثير منها؛ لأنها لا تفسر غامضة من غوامض التعبير، ولا دفينة من دفائن الأسلوب، وإنما تفسر فروضًا للنحاة، وظنونا مبهمة... وهذا كله أفسد كتاب النحو العربي إفسادًا؛ لأنه ملأه بمسائل ومشاكل لا نحتاج إليها في تصحيح نطقنا وتقويم لساننا".
ولم يكتف بإحيائه لهذا الكتاب من قبور المخطوطات؛ بل تتبع دراسة تاريخ النحو العربي ونظرياته ومدارسه، وأشرف على العديد من الرسائل العلمية في هذا المجال. كما اهتم بقضية تيسير النحو العربي وتعليمه، وألف في ذلك "تجديد النحو" و"تيسيرات لغوية" و"الفصحى المعاصرة"، وقدم إلى المجمع مشروع تيسير النحو فأقره المجمع.. ولا يقلل من قيمة هذا الجهد الكبير بعض المآخذ على دعوته التجديدية التي جاوزت أحيانًا أصول النحو وفلسفة العربية، كاقتراحه حذف باب "كان وأخواتها" من النحو العربي واعتبار اسمها فاعلا وخبرها حالا.
جوائز وتقدير
عاش الدكتور شوقي ضيف نائيًا بنفسه عن المعارك الأدبية والفكرية التي خاضها أستاذه طه حسين وكثير من رواد الفكر كالعقاد والرافعي وسيد قطب... وذلك يرجع إلى طبيعته المسالمة، كما كان متواضعا عازفا عن المناصب العامة حريصا على لقاء تلاميذه والتواصل معهم، ورغم ذلك فإن مؤلفاته وسيرته رشحاه لعضوية هيئات علمية كثيرة داخل مصر وخارجها، من أهمها عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة ورئاسته، والمجالس القومية المتخصصة بالقاهرة، والمجمع العلمي المصري... كذلك نال عددا من الجوائز العلمية، أبرزها جائزة مجمع اللغة العربية في عام 1947، وجائزة الدولة التشجيعية في الآداب 1955، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب 1979، وجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي 1403 هـ = 1983م، وجائزة مبارك للآداب 2003م.
وتسلل راحلا
وبعد حياة حافلة بالإنجازات والإسهامات الجليلة، ووسط صمت وتجاهل معهودين تسلل راحلا عن عالمنا عصر الخميس 13-3-2005 عن عمر يناهز 95 عاما، وشيعه لفيف من أهل العلم والفكر والأدب مساء اليوم التالي.
ـــــــــــــــــــ
*عن موقع: إسلام أون لاين.




رد مع اقتباس
#13  
قديم 12-14-2007, 11:17 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



الخطابة السياسية في التاريخ الاسلامي

بقلم: د. شوقي ضيف
........................

كان كل حزب من الأحزاب السياسية يتخذ الخطابة وسيلة إلى نقد خصومه وبيان نظريته السياسية واستمالة الناس إليها وكذلك كان يصنع الثائرون على بني أمية من أمثال يزيد بن المهلب في تحريك الناس إلى الثورة عليهم وكأنما قامت عندهم جميعاً بما تقوم به الصحافة في عصرنا من الدعاية للآراء السياسية، فانبرى خطباء كل حزب يدعون إلى نظرية حزبهم وبيان أنهم على الحق وخصومهم على الباطل، فهم الجديرون بأن يعتنق الناس مبادئهم ويذودوا عنها ذياداً.
وكان الخوارج يصفون بني أمية بجورهم في الأحكام وتعطيلهم حدود الله، ويتناولونهم بألسنة حداد وقد يضيفون إلى ذلك مواعظ تصور عمق تدينهم وتمسكهم بالعروة الوثقى، ومن أشهر خطبائهم قَطريُّ بن الفجاءة وتحتفظ كتب الأدب له بموعظة رائعة، ومن خطبائهم أبو حمزة الخارجي، وقد روى الجاحظ خطبة طويلة ألقاها في أهل مكة، وهو يفتتحها بالحديث عن رسول الله وهَدْيه واقتداء أبي بكر وعمر به، أما عثمان فعنده أنه أتى بما أحبط به الأوائل، وأما عليّ فلم يبلغ ـ في رأيه ـ من الحق قصدجاً. ثم اقتصّ خلفاء بني أمية خليفة خليفة يثلبه، إلا عمر بن عبدالعزيز فإنه أعرض عنه. ونراه ينحى باللائمة على مَن يتشيعون لآل البيت، ثم يصف أصحابه ونضالهم دون عقيدتهم وصفاً رائعاً. ومن خطباء الخوارج المشهورين زيد بن جندب خطيب الأزارقة وابن صُديقة وكان صُفرياً ناسكاً وشُبَيل بن عزره الضُّبَعي وعمران بن خطان وحبيب بن خُدرة الهلالي والمُقَعطل وعبيدة بن هلال اليشكري ومنهم الضحاك بن قيس ونصر بن مِلحان وعبدالله بن يحيى طالب الحق والطِّرمّاح وغيرهم كثير.
ولا يقل خطباء الشيعة كثرة عن خطباء الخوارج ومن أشهرهم الحسين بن علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وزيد بن علي والمختار الثقفي وسليمان بن صُرد وعبدالله بن مطيع وعبيدالله المرِّيّ، ومنهم بنو صوحان: صعصعة وزيد وسيحان. وكانوا يكثرون من القدح في بني أمية وأنهم اغتصبوا الخلافة من أصحابها الشرعيين ورثة النبوة وحملة الرسالة القدسية الهادين المهديين والأئمة المنتظرين.
ولم تطل مدة عبدالله بن الزبير ومع ذلك فقد ملأ دفاتر العلماء كلاماً، وكان أخوه مصعب واليه على العراق خطيباً مفوهاً وله خطبة جعلها كلها آيات قرآنية. وكان حول بن الأشعث كثير من الخطباء، وكان يزيد بن المهلب خطيباً مفوهاً، وقد روى الجاحظ بعض خطبه.
وكان يقف في الصف المقابل من خطباء الأحزاب والثورات خطباء بني أمية يدعون الناس إلى التمسك بحبل الجماعة وتأييد الأمويين في حقوقهم التي اكتسبوها عن آبائهم، وتقديمهم لهم فروض الطاعة والولاء، وكثيراً ما يخلطون ذلك بالتهريب والترغيب، وقد يشيرون إلى مقتل عثمان وأن الأمويين أولياء دمه وورثة خلافته. ولهم مواعظ لا نشك في أنهم قالوها في صلاة الجمعة والعيدين ككثير مما روي عن زياد والحجاج، وعن بعض خلفائهم وخاصة عمر بن عبدالعزيز الخليفة الزاهد المشهور. وأكثر خلفائهم كان خطيباً، ولهم خطب تدور في كتب الأدب والتاريخ. ومن خطبائهم بجانب من قدمنا عتبة بن أبي سفيان والي معاوية على مصر وعبيدالله بن زياد وخالد بن عبدالله القَسري ويوسف بن عمر الثقفي وسعيد بن العاص وابنه عمرو الأشدق، ومن قوادهم الخطباء موسى بن نصير وطارق بن زياد اللذان فتحا الأندلس وقتيبة بن مسلم ونصر بن سيار فاتح التركستان.
وعلى هذا النحو كان لكل حزب خطباؤه الذين يذودون عنه وينافحون عن مبادئه، ولم يكن هناك داع لفكرة أو لنضال في حرب لا يقف في الناس خطيباً، وقد بعث ذلك على نهضة الخطابة السياسية في هذا العصر نهضة واسعة. ولعل هذه النهضة هي التي جعلت المؤرخين حين يعرضون علينا الآراء السياسية أو المذهبية لزعماء هذا العصر يعرضونها علينا في شكل خطب، على نحو ما نجد في الطبري وابن الأثير، فهم إذا أرادوا أن يعرضوا علينا رأياً للحسين بن علي أو لحفيده زيد أو لأي داع شيعي أو خارجي أو أي ثائر زبيري وغير زبيري أو لأي وال أموي أو قائد يقود الجيوش عرضوه في صورة خطبة، فهم لا يقولون إن فلاناً كان يرى كذا أو كذا، وإنما يقولون خطب فلان فقال كذا وكذا. فهم لا يتصورون صاحب نحلة سياسية يعرض رأيه في شكل حديث بل لابد أن يعرضه في شكل خطبة يقرع بها الأسماع ويجذب القلوب.
.......................................
* المصدر : الفن ومذاهبه في النثر العربي.




رد مع اقتباس
#14  
قديم 12-14-2007, 11:18 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف و90 عاماً في خدمة الأدب العربي
ندوة بالقاهرة تحتفي به وتلقي الضوء على مشروعه الأدبي المتنوع

بقلم: عبير درويش:
ــــــــــ

أقام المجلس الأعلى للثقافة مؤخراً احتفالية خاصة بالدكتور شوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة ورئيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، شاركت فيها نخبة من أساتذة الأدب العربي والدراسات الأدبية من الجامعات المصرية والعربية وافتتحها وزير الثقافة المصري فاروق حسني في إطار تكريم رواد الأدب العربي والدراسات الإسلامية.
يعد الدكتور شوقي ضيف (90 عاماً) من أكثر علماء العربية المعاصرين إحاطة بالثقافة العربية الإسلامية، فهو عالم موسوعي بمعنى الكلمة، لم يدع فرعاً من فروع الثقافة العربية إلا وكانت له فيه مشاركة جليلة حتى كأنه لم يتخصص إلا فيه، أرخ للأدب العربي وللبلاغة ولعلم النحو وكتب في فنون الأدب والنقد والترجمة الشخصية والرحلات إلى جانب دراساته عن الفن ومذاهبه في الشعر والنثر، وحقق العديد من كتب التراث، ونشر أبحاثاً أخرى كثيرة يستعصي حصرها حتى أنه يعد بحق أغزر المؤلفين إنتاجاً في عصرنا الحاضر?
شوقي المؤرخ
يختلف العلماء والدارسون في تقويمهم لمشروع شوقي ضيف الضخم في وضع تاريخ شامل كامل للأدب العربي في مجموعة من الأجزاء تبدأ بالعصر الجاهلي وتنتهي بالعصور المتأخرة والحديثة، إلا أنهم يجمعون على أهميته المدرسية وعلى علو رتبته في المكتبة العربية، فقد بدأ شوقي ضيف بعد تخرجه في الجامعة عام 1935 بدراسات تمهد لتاريخ شامل للأدب العربي، ويدرس الشعر في بيئات مكة والمدينة، وتوسع في دراسة الشعر الأموي والأدب في بيئاته الكبرى العراقية والشامية والمصرية والأندلسية، وانتهى في الخمسينات والستينات إلى دراسة الأدب العربي الحديث والمعاصر في مصر وأفرد أعمالاً لأعلام هذا الأدب فحرر كتباً عن محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وعباس محمود العقاد.
وقد رصد شوقي ضيف ـ في الأربعينات ـ التطور التاريخي للشعر والنثر العربيين منذ بواكيرها الأولى حتى العصر الحديث في عمليه «الفن ومذاهبه في الشعر العربي» و«الفن ومذاهبه في النثر العربي» مستلهماً المنهج التاريخي عند أستاذه طه حسين، كما استلهم تاريخ جورج سانتسبري لتطور الذوق الأدبي الأوروبي، وتبدي هذا الاستلهام ـ كما يشير الدكتور عبد المنعم تليمه ـ في مصطلحاته الثلاثة «الصنعة والتصنع والتصنيع»، واحتشد شوقي ضيف في العقود الأخيرة من القرن العشرين لوضع تاريخ شامل كامل للأدب العربي.
ويشير الدكتور عبد الرحيم الكردي في بحثه عن «شوقي ضيف وتاريخ الأدب» إلى منهج شوقي في النظر إلى تاريخ الأدب الذي يجمع بين اتجاهين: الأول النظر إلى تاريخ الأدب بوصفه علماً كما نظر إليه طه حسين وبروكلمان، والثاني تقسيم الأدب إلى عصور كما فهمه القدماء وكما فهمه الرافعي وجرجي زيدان وأحمد حسن الزيات وأحمد أمين، فهو يرى أن هدف تاريخ الأدب هو هدف بحثي نقدي كما يرى طه حسين، وفي الوقت نفسه هدف تعليمي كما يرى أنصار القديم، أما تفسير شوقي ضيف للتاريخ الأدبي فيعتمد على تأثره بالمدرسة الطبيعية التي اتخذت من منهج تين أساساً لتفسير التطور الأدبي، ويعتمد على أن هناك قوانين ثلاثة يخضع لها الأدب في كل أمة وهي الجنس والزمان والمكان، كما يصرح بذلك في مقدمته لكتابه عن العصر الجاهلي، وان كان يرى انه قد تأثر أيضاً بمنهج سانت بيف الذي شغف به أستاذه طه حسين، وبمنهج برونتير، وبالمنهج الإنساني السيكولوجي، لكن المدقق في كتب شوقي ضيف التاريخية يلاحظ انه قد استخدم المنهج الأول بصورة أساسية ولم يستخدم المناهج الثلاثة الأخرى إلا بوصفها أدوات، حيث يربط بين البيئة والحالة السياسية والاجتماعية والأدب ربطاً علمياً، ويربط بين الحدود التاريخية وحدود الأطوار الأدبية، وبواسطة هذا المنهج أيضاً يفسر الإبداعات الذاتية للشعراء.
وتذكر الدكتورة مي يوسف خليف بعداً آخر في موسوعة الأدب العربي التي نهض عليها شوقي ضيف وهي تلك النظرة الموضوعية والدقة المنهجية والعمق في طرق الخبر التاريخي بعد نقده وتمحيصه وتوثيقه من خلال التوقف عند مصادره واستبعاد ما حوله من شبهات، ثم ينتقل من التاريخ الى الجغرافيا ليستعرض توصيفاً للجزيرة العربية وتاريخها، ثم يتطرق إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأديان، ثم يتوقف عند اللغة العربية وتاريخها وسيادة اللهجة القرشسية، ثم يأتي دور المحقق والعالم المحاور والباحث المناقش لأطروحات الآخرين، مما يجعل منهج شوقي ضيف هو منهج شوامخ كبار أعلام تراثنا العربي، الذي يتجاوزون منطق التخصص إلى مجال البحث الموسوعي?
ويلفت الدكتور أشرف علي دعدور النظر إلى بعد آخر من منهج شوقي ضيف في التاريخ للأدب، وهو إعادة النظر في ما كتبه من أحكام إذا ظهر له ما يجعله يغير وجهة نظره، وقد بدا هذا في ما كتبه عن الأدب الأندلسي في كتابيه «الفن ومذاهبه في الشعر العربي»، ثم «الفن ومذاهبه في النثر العربي» عامي 1943 و1946، ثم أعاد النظر في حكمه على هذا الأدب الذي رآه وقتها لا يختلف عن الصورة المشرقية في الشعر والنثر معاً وذلك في كتابه عن «الأدب الأندلسي» الذي صدر عام 1989، بعد أن أماط اللثام عن الوجه المشرق للأدب الأندلسي بعد تحقيقه لكتاب «المغرب في حلى المغرب» لابن سعيد عام 1953، فقد أعطى صورة كلية متكاملة عن الأندلس وحياتها الاجتماعية والسياسية والفكرية، وما كان فيها من حضارة وثقافة وعلوم وفلسفات وتاريخ، فضلا عن التاريخ لحياة الشعر والشعراء والنثر والكتاب.
شوقي والنحو العربي
كان لاكتشاف الدكتور ضيف لمخطوط كتاب «الرد على النحاة» لابن مضاء القرطبي وتحقيقه له عام 1947، وفيه ثورة عنيفة على النحو العربي لما وصل إليه حاله في القرن السادس الهجري، بداية عمل عميق في دراسة تاريخ النحو العربي ونظرياته ونقدها، فقد شغل شوقي ضيف بالمدارس النحوية وكتب مؤلفاً تتبع فيه الدرس النحوي من بداياته المبكرة قبل الخليل بن أحمد وسيبويه، ورسم ملامح المدارس النحوية في البصرة والكوفة ومصر والأندلس، واشرف شوقي ضيف على رسائل جامعية كثيرة في النحو والصرف أفادت المكتبة العربية كثيراً، واهتم شوقي بقضية تيسير النحو التعليمي وقضية تعليم العربية وتقريبها للناشئة وزاد هذا الاهتمام ـ كما يشير الدكتور محمود فهمي حجازي في بحثه ـ منذ انتخابه عام 1976 عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة وظهرت له أعمال كثيرة في هذا الاتجاه منها «تجديد النحو» عام 1982، و«تيسيرات لغوية» 1986، و «الفصحى المعاصرة»، وقدم إلى لجنة الأصول بالمجمع مشروع تيسير تعليم النحو فأقره المجمع.
كما كانت له مئات الاقتراحات بشأن الكلمات والألفاظ الجديدة، وكان منهجه في هذا الإطار ينطلق من التراث تأريخاً وتأصلاً ومتابعة لجذور الموضوع في سياقه الزمني، ثم يقوم بعد ذلك بإعادة النظر في الموضوع مع الاهتمام بالتصنيف الجديد والتنسيق الواضح والتركيز على الجوانب المهمة والأسس العامة، وهو المنهج الذي اتبعه في بحوثه في تيسير النحو، فهو يتابع الجهود في التراث ثم يحدد الملامح الجديدة، فيقدم اقتراحاً يقوم على إعادة تنسيق أبواب النحو، وإلغاء الإعراب التقديري والمحلي وعدم الاهتمام بما لا يفيد الناشئة في صحة النطق وسلامة الكتابة، لكنه اهتم بدراسة مخارج الحروف وكيفية النطق الصحيح للكلمة مستفيداً من علم التجويد، كل هذا في كتاب لا يزيد عن 215 صفحة فقط.
شوقي الناقد
ويوضح الدكتور إبراهيم عبد الرحمن في دراسته عن منهج شوقي ضيف في دراسة الشعر، أثر صحبة ضيف الطويلة لأستاذه طه حسين وتفهمه لنظريته النقدية، ليصيغ هو صياغة جديدة مختلفة إلى حد كبير عن تجربة طه حسين أو نالينو?، حيث يؤسس فكرة كتابه «الفن ومذاهبه في الشعر العربي» في أن الشعر وان كان في الأصل موهبة فإنها لا تلبث أن تتحول عند صاحبها إلى ممارسة ودراسة طويلة لتقاليد ومصطلحات موروثة في تاريخ الفن، مما يجعل من الشعر صناعة تخضع مثل غيرها من الصناعات لظروف البيئة وحاجات المجتمع وتتأثر بما تحققه من ثقافة وتحضر، ولهذا رصد في كتابه التطور الفني والموضوعي الذي حققته الصيغة الشعرية الجاهلية تحت تأثير التطورات الحضارية والثقافية، بالإضافة إلى طبيعة الشاعر نفسه ومزاجه.
ويرد ما يسميه بظاهرة «التصنيع» بمعنى تكلف الشعراء وقصدهم الى تعقيد اشعارهم الى غلبة الترف على الحياة الاجتماعية وتعقد الحضارة في القرن الثالث الهجري التي لا تأتي بجديد إلا اهتماماً بالشكليات وتعقيداً في شؤون الحياة.
أما منهج ضيف النقدي لفن المسرح فقد كان عنوان بحث الدكتور سامي سليمان الذي أكد فيه على تبني ضيف للمنهج التكاملي في النقد الأدبي، حيث يرى ضرورة أن يعتبر الناقد من كل منهج نقدي بعداً واحداً يختص بدرس جانب من جوانب النص أو مبدعه، ولهذا كان يقوم على تحليل مكونات العمل ـ النص إلى عناصره المختلفة من ناحية، وفهم العمل النصي في علاقته بمجتمعه وتاريخه من ناحية ثانية، وفهم العمل النصي في علاقته بمبدعه من ناحية ثالثة، ثم تقييم العمل الفني بطريقة غير مباشرة من ناحية رابعة، ولعملية التقييم هذه نمطان عند ضيف? أولهما أحكام نقدية عامة وموجزة، وثانيهما صيغ أو مقولات نقدية يسعى الناقد إلى إرسائها في سياق التلقي ومنها ما صاغه من مقولة ترى أن الكاتب المسرحي ينبغي أن تكون لديه نظرات بعينها متناسقة في الحياة تأخذ شكل تأملات وخبرات أو تجارب عميقة، وجعل ضيف من امتلاك الكاتب لهذه الرؤية وتجسيدها في عمله المسرحي وسيلة إلى بقاء العمل وقوة تأثيره من ناحية، وضم مختلف العناصر الجمالية والتشكيلية من ناحية ثانية، بينما يؤدي افتقاده إلى تفكك حوادث المسرحية أو بساطة المضمون الذي تقدمه للمتلقي?
البلاغة والإسلاميات
يؤكد الدكتور عبيد بلبع في بحثه المعنون «شوقي ضيف والدرس البلاغي العربي? على ان البلاغة كانت أقل حظاً في مؤلفات ضيف، لكن كتبه الثلاثة الفن ومذاهبه في الشعر العربي 1943، والفن ومذاهبه في النثر العربي 1946، وكتاب البلاغة تطور وتاريخ 1965، تمثل رؤية ضيف البلاغية بعد أن تتبع الظاهرة البلاغية في الشعر والنثر في عصور الأدب العربي في نشأتها وتطورها، ثم ينبه على موطن الإبداع الفكري وإنتاج المعرفة في النظرية البلاغية مقابلا بالتنبيه على مواضع القصور والجمود الفكري فيها ومناقشة أسباب ذلك?
وركز الدكتور محمود مكي في كلمته على إسلاميات شوقي ضيف ودراساته المتنوعة في هذا المجال، فقد تأثر ضيف في نشأته الأولى في قريته التابعة لمحافظة دمياط بوالده الذي كان شيخاً أزهرياً، مما جعله يحفظ القرآن الكريم وهو دون العاشرة من عمره، وإن كان الجهد الأكبر الذي استغرق حياته بعد تخرجه من الجامعة موجهاً لدراسة الأدب وتاريخه، فقد ظل اهتمامه بالقرآن الكريم وتفسيره حياً دائماً لاسيما انه قام بتدريس التفسير ومذاهب المسلمين فيه منذ أوائل الخمسينيات من هذا القرن ثم آتى هذا الاهتمام ثمراته في عدد من الكتب يمكن تصنيفها في ثلاثة مجالات؛ الأول في تفسير القرآن الكريم، وله فيه كتابان رئيسيان هما: الأول «تفسير سورة الرحمن وثماني سور قصار»، ويشرح في مقدمة الكتاب منهجه في التفسير، وهو تفسير القرآن بالقرآن متبعاً في ذلك منهج ابن تيمية وابن القيم الجوزية والإمام محمد عبده والشيخ محمد عبد الله دراز? ويركز في تفسيره للسور القصار على عرض المبادئ التي ترتكز عليها العقيدة الإسلامية، وثاني كتاب هو «الوجيز في التفسير» ويعتبر تفسيراً كاملا لكتاب الله توخى فيه الإيجاز مع الانتفاع بأهم التفاسير السابقة مثل كتب الطبري والزمخشري والفخر الرازي والقرطبي وابن كثير ومن المحدثين محمد عبده ومحمد الطاهر بن عاشور، ويتسم أسلوبه بالوضوح والسهولة، متجنباً ما حفلت به كتب التفسير المطولة من مباحث معقدة في البلاغة والقراءات وأسباب النزول لكن هذا لم يعن التخلي عن الإفادة بها وتحرير المراد في ضوء مباحثها التي تقود إلى دقة الفهم، وسحب من التفسير الإسرائيليات في موضوع قصص الأنبياء وما قاله غلاة التشيع والتصوف، فكان أسلوبه يتسم بالفحص والتحري في الانتقاء من مصادر التفسير الكبرى والوصول إلى لفتات ورؤى لم يسبق إليها?
أما المجال الثاني فكان تحقيقه لكتابين هامين من كتب التراث الإسلامي وهما كتاب «السبعة في القراءات» لأبي بكر ابن مجاهد (ت 324) والذي يعد من أقدم كتب القراءات وأجلها، وقدم له شوقي بمقدمة عن المؤلف ومنهجه في اختيار ما ارتضاه من القراءات ووصف النسخ المخطوطة ومنهجه في التحقيق، والكتاب الآخر هو كتاب «الدرر في اختصار المغازي والسير» لأبي عمر بن عبد البر النمري المتوفى 463هـ والذي يعد من أكبر فقهاء الأندلس، وترجع أهمية كتابه هذا إلى الاختصار الذي قصد إليه نافياً ومستبعداً كثيراً مما لحق بسيرة ابن اسحاق من روايات ضعيفة ومن شعر مشكوك في صحته.
أما المجال الثالث فهو مؤلفاته في الدراسات الإسلامية والتي تعد ثمرة دراساته في القرآن والحديث الشريف، وأهمها كتاب عالمية الإسلام»، وكتاب «الحضارة الإسلامية من القرآن والسنة»، وأخيراً كتاب «محمد خاتم المرسلين» والذي يقدم فيه رؤية جديدة لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــ ــ
نقلاً عن صحيفة «الشرق الأوسط»، في 12/7/2001م .




رد مع اقتباس
#15  
قديم 12-14-2007, 11:19 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف.. وذكريات (آخر الرجال الموسوعيين)

بقلم: أحمد عبدالفتاح
ــــــــــ

قليلون هم حقا..هؤلاء الذين يجتمع عليهم القول والرأي في هذا الزمان، هو واحد منهم، بل أنه يعتبر آخر سلالة عهد العباقرة، عهد الرجال الذين كرّسوا حياتهم من أجل البشرية، عهد عشاق الدين والبلاغة والأدب والتاريخ واللغة.. إنه الدكتور شوقي ضيف الذي يمكن أن نطلق عليه (آخر الرجال الموسوعيين)..
رحل ضيف عن عمر يناهز الخمسة وتسعين عاما، وعطاء مستمر لأضعاف أضعاف هذه السنوات، رحل طفل بحيرة المنزلة - إحدى قري دمياط - الذي تنسم رحيق الحياة في منازلها القديمة عام 1910، وحفظ القرآن كاملا في سن العاشرة رغم إصابة عينه التي كاد أن يفقدها بسبب خطأ طبيب بالقرية، لتبدأ ملامح العبقرية في الظهور على سلوكه والتحق بالمعهد الديني بدمياط لتبدأ رحلته مع اللغة والأدب من خلال أعمال عميد الأدب العربي طه حسين وأفكار عباس محمود العقاد وإبداعات محمد حسين هيكل، ليتخرج بعد ذلك من جامعة فؤاد الأول (القاهرة) عام 1935 بعد أن يكون قد تتلمذ على يد طه حسين وأصبح من أهم تلاميذه بل ويكمل مسيرته ليكون امتداده الطبيعي في مسيرة الأدب و اللغة.

د. شوقي ضيف ليس فقط مؤرخا موسوعيا إنما هو يتسم أهم صفات الإنسانية وهي الخلق العظيم وهذا ما أجمع عليه كل تلاميذه، ولعل الدكتور عبد المنعم تليمة الذي كان رفيق طريقه اليومي من المنزل إلي الجامعة أو العكس أكثر القادرين على الوصول إلي مفاتيح شخصية الدكتور الراحل شوقي ضيف، حيث يمتلك من الذكريات المشتركة الكثير، والمواقف الخاصة الأكثر.
وقد خص الدكتور عبد المنعم تليمة «الرياض» بنشر بعض من هذه المواقف حيث يقول: لدينا رواد وعباقرة ولدينا أيضا (مجتهدون) لكني أفتش منذ زمن عن كلمة (الشيخ) حتى وجدها مجسدة في شخصية الدكتور شوقي ضيف فهو بالفعل (الشيخ) بالمعنى الكلاسيكي حيث يجمع بين العلم والموروث ويجيد تربية تلاميذه.
ويتذكر الدكتور تليمة ابتسامة د. ضيف خلال رحلتهما اليومية من جامعة القاهرة إلي منطقة الروضة حيث يسكن أستاذه وحيث يبعد مسكنه هو مسافة ضئيلة وقتها ويقول: كان يضحك معي ويقول منذ أن عينت معيدا بقسم اللغة العربية بعد تخرجي عام 1935 لم أغب يوما عن المحاضرات إلا مرة واحدة ثم يضحك ويضيف خلال عبورنا كوبري الجامعة سيرا على الأقدام: عندما فوجئت بموجة رشح تجتاح أنفي، وسعال شديد وكابسة برد تقتحم جسدي، لتصدر زوجتي قرارا بعدم نزولي، ليكون هذا هو اليوم الوحيد الذي أغيب فيه عن محاضراتي.
ويستطرد د. تليمة في سرد الذكريات اليومية في هذا الطريق حيث يتوقف عند تفصيلة (كوب عصير القصب) بميدان الجيزة وهو الكوب الذي كان يحرص عليه د. ضيف يوميا وكان صاحب المحل يعرفه جيدا ويتحدث معه بالعربية الفصحى! كما كان يتحدث كثيرا عن علاقته بالدكتور طه حسين الذي تتلمذ على يديه ويتذكر يوما أن الأميرة شويكار عمة الملك فاروق أعلنت عن رغبتها في مساعدة الطلاب المتفوقين بالجامعة فرشح لها رسالة الدكتوراه التي أعدها شوقي ضيف وكانت في عنوان (الفن ومذاهبه في الشعر العربي) وطبعتها على نفقتها الخاصة.
يؤكد د. تليمة أن عطاء أستاذه من الصعب حصره في كلمات فقد تعددت عطاءاته بشكل مذهل: كتب تاريخ الأدب العربي في 10 أجزاء من العصر الجاهلي وحتى الآن، وحقق التراث الأندلسي والمصري، وكتب في النحو ثلاثة كتب تأسيسية تأصيلية أخرها (تجديد النحو العربي)..
وبين كل ذلك كتب في البلاغة والترجمة وأدب الرحلة والمقامة، هو الذي هدانا إلي أن البارودي رائد الشعر الحديث وأن شوقي شاعر العصر الحديث، وكتب كتابا منفردا عن العقاد وكتب عن الفكاهة في الأدب المصري، وأتذكر - على لسان د. تليمة - يوما عندما كنت أشغل منصب رئيس قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة ودخل على الشيخ الموسوعي د. ضيف حاملا بنفسه كتابه الضخم (الوجيز في تفسير القرآن الكريم) ويقول لي هذه النسخة إهداء للقسم..
رحم الله هذا العالم الجليل الذي حقق للغة والأدب والتاريخ ما يجعله حاضرا رغم غيبة الموت!
ـــــــــــــــــــــــــ ـ
*جريدة الرياض ـ الخميس 7 صفر 1426هـ - 17 مارس 2005م - العدد 13415 .




رد مع اقتباس
#16  
قديم 12-14-2007, 11:20 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



في ذكرى رحيل عالم مصري جليل:
برحيل الدكتور شوقي ضيف
الموسوعة العلمية و الإبداعية طويت صفحة مشرقة وغنية بالعطا

بقلم: حسن خاطر*
...................

تمر هذه الأيام ذكرى رحيل شيخ المجمعيين الدكتور أحمد شوقي ضيف وبرحيله طويت صفحة مشرقة وغنية بالعطاء والتجديد لآخر جهابذة النقد العربي ومذاهبه، وأحد ابرز أعلام الآداب العربية والمجدًّد الفذ في لغة الضاد من حيث الصيغ والمصطلحات والمفاهيم التي واكبت العصر، ومعلم جيل كامل من النقاد والكتاب والأساتذة، ترك بصماته منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى رحيله يوم 11 مارس 2005 عن عمر ناهز الـ 95 عاما ً·

وفد الدكتور شوقي ضيف أخا و صديقا حميما على دولة الكويت عام 1970 و إستقبل بحفاوة بالغة كتعبير من المسؤولين الكويتيين على المكانة السامية التي يحتلها في قلوب تلاميذه و محبيه في الكويت و ساهم بتأسيس النظام الجامعي فيها و وضع جل خبرته من أجل وضع الأساس المتين لجامعة عريقة بالكويت و قد نجح في تحقيق مبتغاه و مراده و أصبحت له بصمات واضحة في التعليم الجامعي بدولة الكويت .
لقد كانت حياة الدكتور شوقي ضيف عامرة بالمعارك الأدبية و الفكرية خاضها مع كبار الأدباء و الكتاب بصفته حامل لواء حراسة اللغة العربية و صون أصولها و قواعدها ، لقد تتلمذ الدكتور أحمد شوقي ضيف على يد جهابذة الأدب و الفكر في مصر أمثال الدكتور طه حسين و عباس محمود العقاد و محمد حسين هيكل و غيرهم و إرتوى من كتاباتهم و فكرهم و تشبع وجدانه بالأدب العربي منهم و أصبح مدينا لهم بعبقريته المبكرة التي ترعرعت على أيديهم و لكنه كان يتمتع بمقومات عديدة منذ طفولته تنم على أنه لم يكن طفلا عاديا و لن يكون في المستقبل مجرد إنسان ركب قطار العلم و المعرفة و حسب بل طفولته كانت توحي بأنه سوف يصبح أحد نوابغ عصره ، لقد ولد الدكتور أحمد شوقي ضيف عام 13 يناير 1910 و عندما بلغ عامه السابع إلتحق بدار تحفيظ القرآن الملحقة بمسجد البحر بمدينة دمياط و حفظ القرآن الكريم كاملا في أقل من عام وسط دهشة أساتذته الذين تنبأوا له مستقبلا مشرقا و مزدهرا .
و بعد أن أنهى الدكتور شوقي ضيف تعليمه في مدارس الأزهر .. كاد أن يطير من فرط السعادة عندما علم أن كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول سوف تفتح قسما جديدا لم يكن بها من قبل و هو قسم اللغة العربية و سرعان ما قدم أوراقه و إلتحق بالقسم ليكون تلميذا لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ، و لم يكتف بهذا بل قرر أن يقوم بدراسة النقد الغربي حتى تتسع مداركه و يصبح ذا شأن في الأدب و اللغة و يكون على دراية بكافة التيارات النقدية العالمية . و لأن الدكتور طه حسين لا يسمح بأن يكون خريج تتلمذ على يديه في مستو متوسط فقرر أن يقوم بنفسه بإختبار الطلبة من دفعة مايو 1935 و الذين كان من بينهم أحمد شوقي ضيف الذي وقف في إمتحان عسير للغاية أمام الدكتور طه حسين و لكنه إجتاز الإمتحان بإمتياز مع مرتبة الشرف مما دفع بالدكتور طه حسين إلى أن يشد على يديه و يوصيه باللغة العربية و كأنه عينه حارسا عليها . و بعد 7 أعوام و بالتحديد عام 1942 نال الدكتور أحمد شوقي ضيف درجة الدكتوراة بإمتياز و كان موضوع رسالته هو ( الفن و مذاهبه في الشعر العربي ) و كانت بإشراف عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي يبدو أنه كان عاقدا العزم على أن يخرج الدكتور أحمد شوقي ضيف من بين يديه و قد أصبح موسوعة متنقله و لهذا كان إهتمام عميد الأدب العربي به إهتماما غير عادي و لهذا كان له ما أراد .
و طوال حياته خاض الدكتور العديد من القضايا الأدبية ففي عام 1964 و بالتحديد في شهر مارس منه إذ أنه تصدى للإنتقادات العنيفة التي وجهت للأديب عباس محمود العقاد و قرر الدفاع عنه و أصدر لذلك كتابا بعنــوان " العقاد " و على صفحات الجرائد كتب عدة مقالات دفاعا عن محمود سامي البارودي و أحمد شوقي و طه حسين و كان يقارع خصومه الحجة بالحجة و يدحض أفكارهم و أرائهم . و ظل الدكتور ضيف يصدر الكتاب تلو الآخر حتى بلغ مجموع ما أثرى به المكتبة العربية قرابة الستون كتابا جاءت الغالبية العظمى منها في تاريخ النقد العربي والبلاغة والنحو واللغة والتفسير القرآني وأبرز أعماله موسوعة في 7 أجزاء عنوانها (تاريخ الأدب العربي) يراها نقاد من اشمل ما كتب في تاريخ الأدب العربي · ، هذا بالإضافة إلى كتبه التي حملت عناوين (الفن ومذاهبه في النثر العربي) و(الأدب العربي المعاصر) و(الحب العذري عند العرب) و ( التطور و التجديد في الشعر الأموي الحديث ) و ( الأدب العربي المعاصر في مصر و ( محمد خاتم النبيين ) و ( المدارس النحويــة ) و ( أدب الرحالات ) و ( الفكاهة في مصر ) و ( الحضارة الإسلامية من القرآن و السنة ) و غيرها .
كما صدرت عن الكاتب الراحل كتب في إيران ومصر منها : ( قراءة أولية في كتابات شوقي ضيف ) للكاتب أحمد يوسف علي ، و كتاب ( شوقي ضيف رائد الدراسة الأدبية والنقد العربي) للكاتب عبد العزيز الدسوقي كما صدرت مجموعة من الدراسات عن أعماله لباحثين عرب في كتاب بعنوان ( شوقي ضيف ·· سيرة وتحية) للكاتب طه وادي ، كما نالت باحثة إيرانية درجة الماجستير برسالة بعنوان ( الآراء النقدية في النحو والبلاغة عند الدكتور شوقي ضيف )
و في عام 1976 أخير الدكتور شوقي ضيف عضوا بمجمع اللغة العربية و ظل يرتقي في المناصب و يتابع بشغف كل ما يكتب عن اللغة العربية و قواعدها و أصولها و كان لا يفوته حضور كل إجتماع لمجمع اللغة العربية و كانت قضيته الأولى و شغله الشاغل هي تبسيط و تيسير النحو و تذليل عقباته أمام طلاب المدارس حتى منحه المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الآداب جائزة الدولة التقديرية عام 1979 ، كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الآدب العربي عام 1983 تقديرا لجهوده و أعماله ، ثم نال وجائزة مبارك التقديرية و هي أرفع الجوائز المصرية و ذلك عام 2003 ·
رحم الله الدكتور أحمد شوقي ضيف حارس اللغة و الرجل الذي كان يعد بمثابة موسوعة متنقلة بين الناس و مبدع من مبدعي اللغة العربية وأصولها على مر عصورها و نتمنى أن يقوم مجمع اللغة العربية بإحياء ذكرى وفاته في حفل يليق به و يا حبذا لو أطلق القائمون على مجمع اللغة العربية إسمه على أحد أقسام المجمع إعترافا منهم بفضله و تقديرا منهم له .
................................................
*كاتب صحفي مصري مقيم بدولة الكويت.




رد مع اقتباس
#17  
قديم 12-14-2007, 11:21 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف .. والتجديد

بقلم: حزين عمر
ـــــــــ

لم نر جرأة علي العلم . ولا تبسطا وتسطيحا في تناول القضايا مثلما نشهد لدي بعض طالبي الشهرة في هذا الزمان: زمان ما بعد الرواد الكبار أمين الخولي وطه حسين وأحمد أمين وشوقي ضيف.
كلما عجز أحدهم عن إدراك نادرة لغوية. أو استيعاب قاعدة نحوية . حمل فأس الجهل وراح يدعو لهدم اللغة بحجة ثراء مفرداتها. وتدمير النحو لعمق محيطه!! هكذا من حين لآخر تصدمنا كمحبين للتراث الحي ومنتمين للهوية القومية كتب تقذفها المطابع. وأسماء تنفخها الشهرة والدعاية.
ألم ينظر هؤلاء لأسس التجديد. ودعائم الاجتهاد لدي شيخ علماء العربية. وكبير مؤرخي الأدب الذي فقدته الحياة الثقافية جسدا. لكنها ربحت بميلاده قيما علمية وفكرية لا مثيل لها؟! فشوقي ضيف لم يكن يوما من دعاة التحجر ولا الحجر علي رؤية أو اجتهاد. فنظر في تاريخ الأدب بعين ناقدة غير مسلمة للموروث واجتهد في فهم النحو وتبسيطه وتجديده من داخل الإطار لا من خارجه.
قبل أن يتجرأ علي الاستقلال الذاتي : فكرا وبحثا وتجديدا تعلم. فأدرك . فعلم. ففقه. فانتفع به العلم وأهله. وأفاد منه قومه. وسوف يفيدون للأبد..
لم يطارد الشهرة . ولم يترصد لاقتناص المال. ولم يسع لنيل جائزة . فسعت اليه كل شهرة. وتمسحت كل جائزة حتي إنه حينما حجبت عنه جائزة مبارك التي يقدمها المجلس الأعلي للثقافة تحول الحجب الي قضية رأي عام ثقافي .. فكيف تمر جائزة بزمن يعيش فيه شوقي ضيف ولا تطرق بابه؟!
لقد كان ركنا منيعا لثقافتنا وسوف يبقي كذلك للأبد .. واسألوا ابن المقفع والجاحظ وأبا الفرج الأصفهاني!!
ــــــــــــــــــــ
*المساء، في 14/3/2005م




رد مع اقتباس
#18  
قديم 12-14-2007, 11:22 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



شوقي ضيف ..

بقلم: سمير الفيل
...................

من مواليد عام 1910 بقرية أولاد حمام بالقرب من مدينة دمياط .
أستاذ من جيل الرواد العظام الذين حققوا وقدموا عشرات الكتب الرصينة للمكتبة العربية .
اشتهر الدكتور شوقي ضيف بكتبه التي تجمع بين موضوعية العالم ، وذوق الكاتب ، مع رصانة الأسلوب .
أختير الدكتور شوقي ضيف رئيسا للمجمع اللغوي بالقاهرة رغم صحته التي شهدت تدهورا في السنوات الأخيرة .
حصل على جائزتين هامتين هما جائزة الملك فيصل ، وجائزة مبارك ( أعلى جوائز الدولة مرتبة ) بعد ان حصل على جائزة الدولة التقديرية .
قابلت شوقي ضيف 5 مرات تقريبا ، أحداها في مدينة دمياط حين اختير أسمه للتكريم في مؤتمر " أعلام دمياط " الذي كان يشرف عليه الراحل الأستاذ الدكتور أبو الفتوح شريف عميد كلية تربية دمياط الأسبق وأقيمت على شرفه امسية شعرية أدارها الدكتور يسري العزب حسبما اتذكر .
سيكون مطلب الأدباء في اجتماعهم القادم إطلاق اسم العلامة شوقي ضيف على إحدى الشوارع العامة بالمحافظة ، وكذلك على إحدى مدارس قريته التي أتوقع أن تكون قد سمت مدرسة فيها باسمه في حياته كما حدث للدكتورة بنت الشاطيء .
ألف رحمة ونور على روحه ، والبقاء لله .




رد مع اقتباس
#19  
قديم 12-14-2007, 11:23 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



أستاذي شوقي ضيف

بقلم: د. جابر عصفور
ـــــــــــ

شوقي ضيف واحد من الأساتذة العظام الذين لا يزالون يتركون أعظم الأثر في نفوس طلابهم، ودليل ذلك ما يؤكده تلامذته على اختلاف أجيالهم وتياراتهم الفكرية وأوطانهم العربية على السواء، فالرجل منذ أن تخرج في قسم اللغة العربية سنة 1935، وكان ترتيبه الأول بين خريجي القسم، وحصوله على الماجستير بمرتبة الشرف سنة 1939، ودرجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الممتازة سنة 1942، لا يكف عن تقديم النموذج الجامعي المتميز لكل الأجيال التي تلقت العلم على يديه بشكل مباشر أو غير مباشر، فكتبه مثل محاضراته خير معلم للأجيال التي لا تزال تسعى إلى فهم تاريخ الأدب العربي في كل عصوره وبيئاته، والتعمق في كل ما يتصل بفروع الثقافة العربية ومجالاتها القديمة على وجه الخصوص، فشوقي ضيف من الأساتذة النادرين الذين وهبوا حياتهم بأكملها للبحث العلمي، وعكفوا على التراث الأدبي واللغوي عكوفا قل نظيره بين الأساتذة الكبار.
ولذلك تنوعت مؤلفات شوقي ضيف وتعددت على نحو يدعو إلى الإكبار والإجلال والإعجاب والاندهاش في الوقت نفسه، فما أنجزه ذلك العالم الجليل كما وكيفا يمثل حالة نادرة من حالات الرهبنة العلمية والتصوف الفكري والإخلاص الأكاديمي والدأب البحثي الذي قل نظيره. ولا غرابة - والأمر كذلك - في أن يكتب تلامذة شوقي ضيف عنه كتبا تؤكد قيمته الاستثنائية، ومن هذه الكتب كتاب (شوقي ضيف رائد الدراسة الأدبية) الذي كتبه الدكتور عبد العزيز الدسوقي، وكتاب (شوقي ضيف: سيرة وتحية) وهو مجموعة من الدراسات التي كتبها تلامذته على امتداد الوطن العربي، كشفا عن الجوانب المتميزة من انجازه المتجدد، وأضيف إلى هذا الكتاب ما كتبه الدكتور أحمد يوسف علي بعنوان (قراءة أولية في كتابات شوقي ضيف) والرسالة العلمية المنشورة التي أعدتها الباحثة الإيرانية شكوه السادات حسيني الى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة الحرة الإسلامية في طهران والرسالة الأخيرة دليل على الشأن الرفيع الذي وصلت إليه إنجازات شوقي ضيف العلمية في الأوساط العلمية العالمية، ولولا ذلك ما خصص المجلد الأول من دائرة معارف الأدب العربي التي تصدر في لندن ونيويورك ترجمة له، مؤكدة أنه واحد من الأساتذة المرموقين والمتميزين عالميا بكتبه الجامعية الكثيرة وإشرافه على رسائل الكثير من الباحثين العرب، الأمر الذي جعله أستاذا للعديد من الشخصيات الجامعية البارزة على امتداد العالم العربي.
وقد نال شوقي ضيف تكريم العديد من المؤسسات العلمية ودعته جامعات عربية عديدة ليكون أستاذا زائرا يؤكد مكانته العلمية، فذهب إلى جامعة بيروت العربية سنة 1963، وجامعة بغداد سنة 1968، وجامعة الرياض سنة 1973 وشارك في تأسيس قسم الدراسات العربية بالجامعة الأردنية سنة 1966 وكذلك جامعة الكويت سنة 1970 وترك في كل مكان ذهب إليه بصماته المنهجية، وتلامذة يسيرون في الطريق الذي سار فيه، والذي نال من أجله جائزة الدولة التقديرية للآداب في مصر سنة 1979، وجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي سنة 1983، وحصل على درع جامعة القاهرة، وجامعة الأردن، ودرع المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وأخيرا، درع فارس للثقافة الجماهيرية المصرية.
وقد أصدر هذا العالم الجليل إلى اليوم أكثر من خمسين كتابا مؤلفا، وستة كتب محققة، أولها الرد على النحاة لابن مضاء القرطبي، وثانيها القسم الخاص بالأندلس من كتاب المغرب في حلي المغرب لابن سعيد، وثالثها كتاب السبعة قراءات لابن مجاهد، ورابعها الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، وخامسها نقط العروس في تواريخ الخلفاء لابن حزم، وهي رسالة طبعها في الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر لمجلد كلية الآداب بجامعة القاهرة
أما التحقيق الأخير فهو رسائل الصاحب بن عباد (بالاشتراك) الذي طبعته دار الفكر العربي. وكلها تحقيقات تكشف عن جوانب اهتمام شوقي ضيف ابتداء من علم النحو الذي أضاف إليه الكثير، خصوصا منذ أن نشر ودرس كتاب (الرد على النحاة) الذي كان بمثابة ثورة ظاهرية على تعليلات النحاة وتعقيداتهم. وغير بعيد عن مجال النحو مجال القراءات الذي أتاح فيه شوقي ضيف للباحثين بعده ما كتبه ابن مجاهد أكبر قراء بغداد في القرنين الثالث والرابع للهجرة، حيث اختار سبع قراءات لكبار القراء في القرن الثاني للهجرة، انتشرت عنه في العالم الإسلامي إلى اليوم. ولا ينفصل هذا المجال الديني عن المجال التاريخي الذي أضاف إليه شوقي ضيف بنشره القسم الأندلسي من الكتاب الضخم الذي تركه ابن سعيد عن المغرب، وذلك جانبا إلى جنب ابن عبد البر الأندلسي الذي يختصر ما ورد من جوامع السيرة النبوية، فضلا عن رسالة ابن حزم في تواريخ الخلفاء في المشرق والأندلس، وهي رسالة تعد خير عون لمن يدرس نظام الخلافة الإسلامية، ولا تغفل في التحقيقات الجانب الأدبي المتمثل في رسائل الصاحب بن عياد الوزير الثاني - بعد ابن العميد - في بلاط البويهيين في إيران. وهي رسائل ديوانية تصور الأحداث التاريخية لزمن كاتبها، وتكشف عن أمور كثيرة تتصل بشئون الدولة وسياسة حكم الرعية.
وربما كان أهم إنجاز تركه شوقي ضيف، في المجالات المختلفة التي لم يتوقف عن التأليف فيها، إنجازه العظيم في تاريخ الأدب العربي، وقد بدأ هذا الإنجاز بما كتبه عن (الفن ومذاهبه في الشعر العربي) وكان هذا الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه تحت إشراف أستاذه طه حسين وهي رسالة مبنية على فرضية مؤداها أن الشعر العربي بدأ بمرحلة الطبع التي استوعبت بداياته، وانتقل منها إلى مرحلة الصنعة التي انتقل منها بدورها، إلى مرحلة التصنيع ثم مرحلة التصنع التي أدت إلى العقم والانحدار، وكانت بذرة صيغة التطور عبر مراحل أربعة (طبع، صنعة، تصنيع، تصنع) مأخوذة عن أفكار طه حسين عن تاريخ الشعر العربي، ولكن شوقي ضيف رعى البذرة التي نقلها عن أستاذه، وجاوز ثنائية الطبع والصنعة الى غيرها من المراحل التي تولدت عن الصنعة، وظلت تضيف إليها ما انتهى بها في النهاية الى العقم، ولم يكتف شوقي ضيف بذلك، وإنما حاول في كتاب لاحق تطبيق صيغته الرباعية على تاريخ النثر الأدبي في التراث العربي، ذلك التراث الذي رآه شوقي ضيف يتطور في صعود ينتهي إلى هبوط مابين مراحل الطبع ثم الصنعة ثم التصنيع ثم التصنع. وظهر ذلك كله كتابه (الفن ومذاهبه في النثر العربي) الذي أكمل به مع الكتاب السابق عليه تأريخه الفني الخاص للأدب العربي، أقصد إلى ذلك التأريخ الذي أعتمد على متغيرات الفن الأدبي وتحولات التقنية.
ويبدو أن إحساس شوقي ضيف بأن هذه المتغيرات والتحولات الفنية غير منفصلة عن المؤثرات التاريخية المختلفة الذي دفعه إلى صياغة أكمل تاريخ نعرفه عن الأدب العربي الى اليوم، مركزا كل التركيز على الجوانب التاريخية التي أدت إلى تطور الأدب العربي وتحولاته من عصر الى عصر. وظل هذا العالم الجليل يعمل في دأب وإصرار ما يقرب من ثلاثين عاما لكي ينجز موسوعته عن الأدب العربي في عشرة أجزاء. وكان الجزء الأول عن العصر الجاهلي الذي أصدرت منه دار المعارف بالقاهرة أكثر من اثنتين وعشرين طبعة إلى اليوم، وبعده كتاب (العصر الإسلامي) الذي صدرت له تسع عشرة طبعة، ثم (العصر العباسي الأول) و(العصر العباسي الثاني) وجاء الجزء الخامس من عصر الدول والإمارات الممتد من سنة 334 للهجرة إلى مشارف العصر الحديث، والذي يتعرض لتاريخ الشعر في الجزيرة العربية والعراق وإيران، وهو الجزء الذي يكتمل بالجزء السادس عن الشام، في عصر الدول والإمارات، وبعده الجزء السابع من العصر نفسه عن مصر، ثم الجزء الثامن عن الأندلس، أما الجزء التاسع فكان عن ليبيا وتونس وصقلية، بينما انفرد الجزء العاشر والأخير بالأدب في الجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا والسودان.
ولشوقي ضيف عشرات من الكتب الأخرى، في البلاغة والنحو واللغة والتفسير القرآني والحضارة الإسلامية والشعر والنقد التطبيقي وغير ذلك، لكن موسوعته عن تاريخ الأدب العربي تظل درته الفريدة من ناحية شمولها واكتمالها، فهي أشمل وأكمل تاريخ للأدب العربي صدر إلى اليوم، وهي ثمرة صبر ودأب على امتداد عقود، ونتيجة تراكم خبرات وتجارب وعشرات الدراسات التفصيلية، فلا عجب أن يعدها الكثيرون من أمثالي أهم ما كتب شوقي ضيف، وأكثرها تمثيلا لمنهجه التاريخي الذي أخذه عن أستاذه طه حسين.




رد مع اقتباس
#20  
قديم 12-14-2007, 11:24 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: الدكتور شوقي ضيف (ملف خاص)



من ذكريات التلمذة

بقلم: د. جابر عصفور
ـــــــــــ

أعترف أنني كنت طالبا أميل الى المشاكسة العلمية لأساتذتي، طوال سنواتي الجامعية الأولى، وأحسبني لم أترك هذا الميل إلا بعد أن انتقلت من مرحلة الطلب التي لا تنتهي إلى مرحلة الاستاذية التي هي ـ في واقع الأمر ـ نوع من الطلب.. ويبدو أن تراكم الخبرات مع تتابع السنوات تفضي بالمرء إلى إدراك أن العلم بحر لا نهاية له، وأنه لا يعطي بعضه لإنسان إلا إذا منحه هذا الإنسان نفسه وعقله ووجدانه بالكلية، وأن التبحر في العلم يقلل من حدة المشاكسة، بل يقضي عليها ويستبدل برغبة الظهور أو الإعلان عن الذات أو التمرد على الأستاذ الذي يتخذ صورة الأب رغبة المضي وراء البحث، ومن ثم اغتفار الزلات والنظر إلى الآراء المخالفة، أو حتى المتسرعة، بوصفها محاولات لها فائدتها في آخر الأمر، فخطأ المحاولة يقربنا من صوابها بأكثر من معنى، ولا يعرف أحد الأصوب إلا بعد أن يعرف نقيضه، بل بعد أن يعرف أن الأصوب نفسه ليس النهاية المطلقة، فدائما هناك الأصوب منه، إلى ما لا نهاية في طريق العلم التي هي طريق النسبية المعرفية.
ولكنني لم أعرف ذلك إلا بعد أن وهن العظم وأخذ الرأس يزداد شيبا، أما قبل ذلك، وفي مرحلة الصبا الباكر، حيث سنوات التلمذة التي تظل من أحلى سنوات العمر، فإن المشاكسة تغدو قرينة الحيوية، ولازمة مهمة من لوازم التمرد في هذه السن، التمرد على سلطة الأب، والتمرد على قيود العرف والتقاليد الجامدة، والتمرد على الآراء المحافظة في الأدب الذي تخصصنا فيه، والتمرد على هدوء الأساتذة الذين كنا نرى فيهم الوجه الآخر من آبائنا، كما كنا نرى في بعض آرائهم ما يدفعنا إلى الثورة عليها، ووضعها موضع المساءلة، أو على الأقل التنبيه العجول والحماسي على ما قد يبدو سهوا أو خطأ.
وأتصور أن بعض أساتذتنا الذين شجعونا على هذه المشاكسة العلمية، ورأوا فيها وسيلة من وسائل تعبيرنا عن رغباتنا الحماسية في الاستزادة من العلم، كما نظروا إليها بوصفها تجاربنا الأولى في تعليم حرية النقاش ونقد الآخرين، أقول: أتصور أن بعض أساتذتنا شقوا بنا رغم تشجيعهم لنا، وتحملوا سفاهتنا في حالات كثيرة، وكظموا غيظهم منا أملا في أن ندرك بأنفسنا الفارق بين المشاكسة الموجبة والمشاكسة السلبية التي هي مراء خالص ومراهقة فكرية لا طائل من ورائها.
وقد مضت بنا السنوات وتحولنا من تلامذة إلى أساتذة، فأدركنا سماحة هؤلاء الأساتذة واتساع صدرهم عندما بدأنا نحن نعاني من طلابنا المشاكسين الذين كان علينا، ولا يزال من واجبنا، أن نتحملهم، وأن نقبل نقدهم برحابة صدر، استمرارا للتقاليد النبيلة التي تعلمناها، وتواصلا مع القاعدة التربوية التي تقول إن التلميذ المشاكس تلميذ نبيه متميز، يعتد بنفسه على نحو يدفع به - لو أحسن توجيهه - إلى التفوق العلمي. ومن طرائف المشاكسة التي لا أزال أذكرها إلى اليوم ما فعلته مع أستاذي شوقي ضيف، وكانت له مهابة خاصة بيننا، فقد كنا نراه وريث طه حسين في معرفة الأدب القديم.
وكان يتولى تدريس عصور هذا الأدب لنا على امتداد السنوات الثلاث الأولى في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، ووصلنا معه إلى السنة الثالثة، نخاف أن نناقشه، ونهاب أن نسأله، فلم يكن وجهه يعرف الابتسام مثل أستاذنا يوسف خليف تلميذه، رحمة الله عليه، فقد كان الأقرب إلى قلوبنا بعذوبته واقترابه الحميم منا وحرصه على أن يجعل بيننا وبينه علاقة محبة ومودة باسمه. وكان شوقي ضيف على النقيض من ذلك، جهما جادا، يدخل المحاضرة من الدقيقة الأولى دون تأخير، وبمجرد دخوله يمضي في الكلام الذي يشبه الإملاء، وعلينا نحن أن نكتب ما يقول، وأن نستكمل ما يحتاج إلى توسع في المراجع والمصادر الموجودة بالقاعة الشرقية في مكتبة جامعة القاهرة العتيدة، وذلك قبل أن تخرب المكتبة وتنحدر إلى حال يرثى له.
وتعودنا على جهامة شوقي ضيف، وكتمنا تمردنا على أنه لا يترك لنا مجالا للمناقشة، واكتفينا بأن نتناقش مع تلميذه يوسف خليف الذي كان يقرأ معنا مختارات من العصر الذي يقوم شوقي ضيف بتدريسه لنا. ولست أدري ما الذي دفعني في يوم من الأيام إلى التمرد على الوضع، والخروج عما ألفناه من سكوت، وكان ذلك في محاضرة عن شعر المتنبي وعلاقته بالشعر العباسي بوجه عام، وتوقف شوقي ضيف عند قصيدة المتنبي التي مطلعها:
ليالّي بعد الظاعنين شكولٌ طوال وليل العاشقين طويل
ومضى من المطلع الى البيت:
لقيتَ بدرب القلة الفجر لقيه شَفَتْ كمدي والليل فيه قتيل
واندفعت قبل أن يكمل البيت اللاحق، خطأ يا أستاذنا، لابد من قراءة فعل اللقاء بضم التاء وليس فتحها كما تفعل. وسكت، ولم أكمل شيئا، بعد أن تخلصت على نحو مفاجئ من شئ انحبس في صدري، فاندفعت إلى قوله، وتوقف الأستاذ عن الكلام، وساد الفصل كله سكون عميق، وتطلعت أعين زملائي وزميلاتي إلى شخصي الأحمق الذي تجرأ على أن يقول ذلك للأستاذ الذي نخافه ونهابه، كما تطلعت العيون نفسها إلى الأستاذ الذي نظر إليّ في اندهاش واستنكار لأني قاطعته، وبدت ليّ النظرة حادة في استنكارها، مقرونة بجملة: لماذا لا تفهم جيدا ما أقول؟ وحاول أن يشرح سبب فتحه تاء الفعل، فاندفعت بتسرع الشباب قائلا: أنا أفهم ما تقول، ولكني لا أوافق عليه، فالمتحدث هو الشاعر الذي يشتكي من آلام الحب، ويقول إن انتصار سيف الدولة في هذا المكان، درب القلة، شفاه من آلام الحب، ولذلك ينبغي أن نقرأ البيت على أن لقيتُ أنا بدرب القلة، أما إذا قرأناه بالفتح، عودا على سيف الدولة، ضاع المعنى الأساسي لحسن الانتقال.. ويبدو أن لهجتي كانت حادة، ونبراتي متهدجة، ولعلي استخدمت كلمات حادة، الأمر الذي دفع الأستاذ إلى الصمت الذي أعقبه خروجه من المحاضرة احتجاجا على حمق تلميذه.
وما أن خرج الأستاذ حتى انهال عليّ زملائي وزميلاتي لوما وتقريعا، واتهموني بالجنون، وأنذروني بالويلات والثبور، وبشرني الخبثاء منهم بأني لن أكون الأول في هذا العام كما تعودت في الأعوام السابقة، وتركوني أعود إلى بيتي حزينا مكتئبا متوقعا العقاب. ولم يطل وقت الانتظار، فقد حلت المحاضرة التالية بعد أيام، ودخل شوقي ضيف محملا بعدد كبير من المراجع، وبدأ المحاضرة بالثناء على التلميذ الذي يسعى إلى الخلاف مع أساتذته، ولكنه تلميذ متسرع يقرأ على سطر ويترك سطرا، والدليل في المراجع التي يحملها، ومضى الأستاذ في تبرير ما فعل، وتخطئة ما قلت بالمراجع. ولم أقتنع، وحاولت التعبير عن عدم اقتناعي بأدب وتهذيب قدر الإمكان. وانتهت المحاضرة كما بدأت دون اتفاق.
وكانت تلك البداية لعام دراسي لا أنساه، فقد أصبح من عادة شوقي ضيف في كل محاضرة بعد ذلك أن يسألني أصعب الأسئلة الممكنة، وكان عليّ أن ألتهم دواوين الشعر العباسي ديوانا ديوانا، ومثلها المصادر القديمة والمراجع الحديثة، كي أكون مستعدا للامتحانات الصعبة التي أخذت تتكرر كل محاضرة، ولم ينته العام الدراسي إلا وكنت قرأت أضعافَ أضعاف ما يقرأ الطالب الممتاز عادة، واستطعت مجاوزة الامتحانات الصعبة مع الأستاذ الذي ظل على جهامته في أسئلته الموجهة لي طوال الوقت.
وبدأت الامتحانات الشفوية، وكان أولها عن الأدب المصري، والممتحن شوقي ضيف نفسه - أطال الله عمره - مع المرحوم عبد العزيز الأهواني. ودخلت الامتحان قلقا، خصوصا بعد أن بشرني من كانوا ينافسونني على الأولوية بالرسوب على يد شوقي ضيف. وأسلمت أمري إلى الله ودخلت إلى الامتحان. وجلست أمام الأستاذين، وإذا بوجه شوقي ضيف يفاجئني ببسمة حانية لم أرها من قبل، ويقول لزميله الأهواني: هذا الطالب أحسن طلاب الدفعة، ولن أوجه إليه أي سؤال فأنا أعرفه جيدا بعد أن ظللت أسأله طوال العام. ولم يتركني الأهواني إلا بعد أن سألني عدة أسئلة، ربما ليزداد تيقنا من أوصاف زميله. وخرجت من الامتحان أتنفس الصعداء، وأحبطت المنافسين لي بذكر ما جرى. وسرعان ما ظهرت نتائج آخر العام، بعد الامتحانات التحريرية، فإذا بي أحصل على أعلى درجة في الامتحان الشفهي، وأحصل على الدرجة النهائية في مادة الأدب العباسي التي قام بتصحيحها أستاذي شوقي ضيف.. ومن يومها تعلمت درسا مهما من معاني الأستاذية الجامعية الأصيلة والجليلة.




رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
(أبي .. شوقي) الأمير إنسانا .. بقلم ابنه حسين شوقي إشراقة الألق ثمراتُ الأوراق 9 01-22-2013 09:58 PM
طال شوقي .. جنون عاقل ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) 1 05-07-2009 07:05 AM
شوقي إليكِ بنت الشاطئ وحي القلم 13 04-29-2008 09:52 PM
(حافظ *** و *** شوقي) و (شوقي *** و *** حافظ) هيثم المنتقى الشعري 11 11-15-2007 01:24 PM
** شوقي ضيف ** العميدة قافلة الأعلام 6 07-11-2007 07:20 PM

أقسام المنتدى

ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) @ وحي القلم @ لمحات نقدية @ فضـاءُ الّلغـة @ ثمراتُ الأوراق @ واحةُ القصة @ أهيلُ الكوكب (مجتمع رواء) @ قافلة الأعلام @ رِحــــابُ الأدب @ قافلةُ الضّيـاء @ المحذوفات @ مدرسةُ العَروض @ شؤونٌ إداريـة @ أدبُ الفلذات @ لمحاتٌ تطويريّة @ ديوانيـّـة رُِواء @ حديثُ الرّيشة @ أ . محمد بن علي البدوي @ علم النَّحْو @ فنون البلاغة @ الإملاء @ العَروض @ القافيــة @ ملتقى صفحات مجلة أسرتنا @ الرّقْمي @ مرافئ الوصول @ علم الصرف @ أيام عشر ذي الحجة / روحانية الأدباء @ جسور أدبية ( لقاءات وحوارات) @ ملتقى المؤسسين @ المعاني @ البيان @ البديع @ أكاديمية رواء @ المعجم @ الأصوات @ الإنشاء @ الأدباء الصغـار @ دفاعاً عن مقام النبوة @ الإشراقات الشعرية @ الدعاية والإعلان @ الدوائر الحمراء @ منقولات التصاميم والصور والرسوم اليدوية @ رسائل الكاشف @ المجلس الرمضاني / روحانية الأدباء @ قسم المنقولات ... @ منتقى القصص @ المنتقى النقدي @ أزهار الرّوض @ الملتقى الفني @ المنتقى الشعري @ المنتقى النثري @ التأصيل الأدبي @ إعراب الكتاب @ قواعد الإعراب @ إيــــــلاف ! @ البلاغة في القرآن الكريم @ البلاغة في الحديث النّبوي @ منبر الخطباء @ علم أصول النحو @ مخيم رواء الصيفي @ سحر القوافي (الباقة الشعرية) @ من الدفتر الأزرق (الباقة النثرية) @ حكايا (باقة القصة والرواية) @ تحف أدبية (باقة الشوارد الأدبية) @ رنين الضاد (الباقة اللغوية والبلاغية) @ نادي الرواية العربية @ صَرْف الأسماء @ صَرْف الأفعال @ النقد اللغوي @ علامات الترقيم @ المرفوعات @ المنصوبات @ المجرورات والمجزومات @ مملكة الرواية .. @ بلاغة الوحيين @ رواء الروح (الباقة الإيمانية) @ ألوان الطيف (باقة منوعة) @ الإشراقات النثرية @ الإشراقات القصصية @ فريق التصميم @ مشاركات الأدباء الخاصة بالموقع .. @ د. حسين بن علي محمد @ الرّاحلـــــون @ إدارة موقع رواء وقسم الأخبار .. @ نوافذ أدبية @ - الوجوه والنظائر (معجم ألفاظ القرآن الكريم) @ علم الدّلالة @ المنتقى من عيون الأدب وفنونه @ الأقسام الموسمية @ الأديب إسلام إبراهيم @ عن الأدب الإسلامي @ الإدارة المالية @ تغريدات رواء @ معلم اللغة العربية @



Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi