دورة علم القوافي
عدد الضغطات : 3
آخر 10 مشاركات
دروس في علم القافية2-الدرس الثاني (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - آخر مشاركة : أمة الله الواحد - )           »          دروس في علم القافية-1-الدرس الأول (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - آخر مشاركة : أمة الله الواحد - )           »          روابط دروس دورة : علم القافية (الكاتـب : أمة الله الواحد - )           »          برنامج تعليم التلاوة مباشر (الكاتـب : أبو عبد الله العربي - )           »          بحث نفيس في النبر وأثره في القراءة (الكاتـب : أبو عبد الله العربي - )           »          وتهجرني روحي / قصيدتي في السجال الشهري (الكاتـب : أشرف حشيش - )           »          سجال شهري ثابت / أهلا بكم (الكاتـب : أشرف حشيش - )           »          ما عاش حرفٌ ../ أشرف حشيش (الكاتـب : أشرف حشيش - )           »          مدارسة سورة الحج (الكاتـب : أبو عبد الله العربي - )           »          بشرى انطلاق خدمة [مناجاة] في كل ما يتعلق بالدعاء والذكر الثابت الصحيح (الكاتـب : أبو عبد الله العربي - )

الإهداءات
أمة الله الواحد من أرض الكنانة 09-20-2014 02:20 PM
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة ** وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام ( الحمد لله الذي سبق قضاءَه لطفُه ، الحمد لله اللطيف بعباده )

رائد شريدة من فلسطين- نابلس 09-18-2014 02:54 PM
جفّت رواء فأين الماء والساقي // وأين صحبي وروّادي وعشّاقي

رائد شريدة من فلسطين- نابلس 09-18-2014 02:28 PM
هناك فرق شاسع بين حضارة القوة وقوة الحضارة.

صبحي ياسين من القلب 09-16-2014 10:25 PM
حرام عليكم تحويل المنتدى من جنة إلى مقبرة تدفن فيها رائعات النصوص-أين الأقلام المنافحة



محمود تيمور

زاوية تضمّ العطاء اللغوي والأدبي الذي سطّره الدكتور حسين بن علي محمد - رحمه الله - على صفحات رواء الأدب ، والراحل كان يعمل أستاذًا في قسم الأدب بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام ، وعضوًا في رابطة الأدب الإسلامي العالمية ..


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 12-27-2004, 08:42 AM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي محمود تيمور



محمود تيمور
(1894-1973م)

بقلم: د. حسين علي محمد


محمود تيمور (1894-1973م) كاتب قصصي، ولد في القاهرة في أسرة اشتهرت بالأدب؛ فوالده أحمد تيمور باشا (1871-1930م) الأديب المعروف، الذي عرف باهتماماته الواسعة بالتراث العربي، وكان "بحاثة في فنون اللغة العربية، والأدب والتاريخ، وخلّف مكتبة عظيمة هي "التيمورية"، تعد ذخيرة للباحثين إلى الآن بدار الكتب المصرية، بما تحوي من نوادر الكتب والمخطوطات"( ) وعمته الشاعرة الرائدة عائشة التيمورية (1840-1903م) صاحبة ديوان "حلية الطراز"، وشقيقه محمد تيمور (1892-1921م) هو صاحب أول قصة قصيرة في الأدب العربي.
وقد ولد محمود تيمور في قصر والده القديم بدرب سعادة بالقاهرة، "وقد نشأ في بيئة أسرية تجمع بين أمرين كان اجتماعهما غريباً في مثل هذه البيئة، الأمر الأول: الغنى والارستقراطية، والثاني: العلم والأدب على الطريقة العربية المأثورة"( ).
كان والده أحمد تيمور باشا قد كرّس حياته لخدمة اللغة العربية ومعارفها، وكان يتردّد على مجالسه بعض أعلام الأدب والفكر، وقد "تعهده الوالد منذ النشأة، وحبّب إليه المُطالعة، ومن حسن حظه أن كان لوالده خزانة كتب كبيرة، يعتني بها، ويبذل في تنميتها وقته وماله، فكانت خير معين له على الاطلاع، وولّدت فيه حب الكتب"( ).
تلقّى محمود تيمور "تعليمه الأول بمدرسة الناصرية الابتدائية والإلهامية الثانوية، ولمرضه لزم داره، واضطر إلى الحصول على البكالوريا عن طريق المنزل لا المدرسة"( ).
سافر للاستشفاء بسويسرة، ولم يتم دراسته. "وكان قد دخل مدرسة الزراعة العليا، ولكنه لم يُتم الدراسة بها، إذ أُصيب بحمى التيقوئيد، ولزم الفراش ثلاثة أشهر، وهو يعد هذا المرض من المؤثرات فيه، إلى جانب ولده وشقيقه محمد، ويبين هذا التأثير فيه بأنه قضى مدة هذا المرض "في ألوات شتى من التفكير وأخلاط الأحلام، واستطعت أن أهضم الكثير من الآراء التي تلقيتها من أخي، أو استمددتها مما قرأته من الكتب"( ).
وقد "انصرف محمود تيمور وشقيقه محمد تيمور إلى الفن القصصي بجميع فروعه، ممّا كان من العسير على شيوخ الأسر تقبله منهما، ولا سيما لأن هذا الفن يُعالج العواطف المشبوبة والمشاعر الوجدانية، وهي موضوعات كانت تُعتبر وقتها موضوعات شائكة، لا يصح لمن ينتسب إلى هذه الأسرة أن يضيع وقته فيها"( ).
بين الرومانسية والواقعية:
كان في بداية حياته يميل إلى الرومانسية، ولميله إلى الرومانسية أقبل بشغف على قراءة مصطفى لطفي المنفلوطي، يقول: "كانت نزعته الرومانسية الحلوة تملك عليَّ مشاعري، وأسلوبه السلس يسحرني. وكل إنسان في أوج شبابه تُغطِّي عليه نزعة الرومانسية والموسيقا، فيُصبح شاعراً ولو بغير قافية، وقد يكون أيضاً شاعراً بلا لسان!".
كما استهوته في فترة البدايات مدرسة المهجر ـ وعلى رأسها جبران ـ "وقد أعجب محمود تيمور بكتابه "الأجنحة المتكسرة"، وتأثرت به كتاباته الأولى"( ).
استغلّ فراغه في الاطلاع والدراسة الأدبية، واهتم بقراءات جديدة تجنح إلى الواقعية، مثل "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي، ورواية "زينب" للدكتور محمد حسين هيكل، وكان هذا من توجيه أخيه محمد، الذي قضى بضع سنين في أوربا، اطلع في خلالها على ما جدَّ هناك من ألوان الأدب واتجاهاته، وعاد إلى مصر محملاً بشتى الآراء الجديدة التي يقول عنها محمود تيمور في كتاب "شفاء الروح":
"كان يتحدّث بها ـ أي الآراء الجديدة ـ إليَّ، فأستقبلها بعاطفتين لا تخلوان من تفاوت: عاطفة الحذر، وعاطفة الإعجاب. هذه الآراء كانت وليدة نزعة قوامها جحود القديم … ولكن جدتها أخذت تهدأ على توالي الأيام، ومن ثم اتخذت طريقها الطبيعي في التطور. والأمر الذي كان يشغل فكر أخي، ويرغب في تحقيقه هو إنشاء أدب مصري مبتكر، يستملي من وحيه دخيلة نفوسنا، وصميم بيئتنا".
وانتهى الصراع بين الرومانسية والواقعية في نفس محمود تيمور إلى تغليب الواقعية، فكانت مجموعاته الأولى على غرارها.
على أن الرومانسية لم تذهب تماماً من نفس محمود تيمور، بل نامت في فترة الحماسة للواقعية وأهدافها القومية المصرية، ثم ظهرت بعد ذلك في عدة قصص طويلة وقصيرة، منها قصته الطويلة "نداء المجهول"( ).
قصصه:
توجّه محمود تيمور ـ بفضل توجيهات أخيه ـ محمد تيمور إلى قراءة إبداعات أخيه محمد تيمور ـ إلى قراءة إبداعات الكاتب القصصي الفرنسي جي دي موباسان، فقرأ له وفُتِن به، واحتذاه في كتابته. ومما يُذكر أن جريدة "الفجر" نشرت له سنة 1925م قصة "الأسطى حسن يُطالب بأجرته"، وكتبت تحت العنوان "بقلم صاحب العزة: محمود تيمور، موباسان مصر".
وأول قصة قصيرة كتبها، كانت في عام 1919م بالعامية، ثم أخلص للفصحى، فأعاد بالفصحى كتابة القصص التي كتبها بالعامية، وأصبح من أعضاء مجمع اللغة العربية عام 1949م.
ويزيد عدد ما أصدره من قصص وروايات على خمسين عملاً، تُرجم بعضُها إلى لغات شتى "وتدور حول قضايا عصرية وتُراثية وتاريخية، فضلاً عن روايات استوحاها من رحلاته، مثل: "أبو الهول يطير" و"المئة يوم" و"شمس وليل"، أو روايات أدارها حول الشخوص الفرعونية، مثل "كليوباترة في خان الخليلي"( ).
جوائز:
منح محمود تيمور عددا من الجوائز الأدبية الكبرى في مسيرة حياته الأدبية، منها: جائزة مجمع اللغة العربية عام 1947م، وجائزة الدولة للآداب في عام 1950م، وجائزة الدولة التقديرية في عام 1963م.
قال عنه طه حسين: "لا أكاد أصدق أن كاتبا مصريا وصل إلى الجماهير المثقفة وغير المثقفة مثلما وصلت إليها أنت، فلا تكاد تكتب، ولا يكاد الناس يسمعون بعض ما تكتب حتى يصل إلى قلوبهم كمايصل الفاتح إلى المدينة التي يقهرها فيستأثر بها الاستئثار كله".
وآثاره متنوعة، منها القصة القصيرة والرواية والمسرحية والبحث والصور والخواطر وأدب الرحلات، ومن كتبه المطبوعة:
*في القصة القصيرة: "أبو علي الفنان" (1934م)، و"زامر الحي" (1936م)، و"فلب غانية" (1937م)، و"فرعون الصغير" (1939م)، و"مكتوب على الجبين" (1941م)، و"شفاه غليظة" (1946م)، و"إحسان لله" (1949م)، و"كل عام وأنتم بخير" (1950م) … وغيرها.
*وفي الرواية: "نداء المجهول" (1939م)، و"سلوى في مهب الريح"، و"المصابيح الزرق" (1959م) … وغيرها.
*وفي المسرحية: "عوالي" (1943م)، و"سهاد أو اللحن التائه" (1943م)، و"اليوم خمر" (1945م)، و"حواء الخالدة" (1945م)، و"صقر قريش" (1963م) … وغيرها.
*ومن كتب الصور والخواطر: "عطر ودخان" (1944م)، وملامح وغضون" (1950م)، و"شفاء الروح" (1951م)، و"النبي الإنسان" (1956م).
*وفي أدب الرحلات: "أبو الهول يطير" (1944م)، و"شمس وليل" (1957م)، و"جزيرة الحب" (1963م).
*ومن دراساته اللغوية والأدبية: "فن القصص" (1945م)، و"مشكلات اللغة العربية" (1956م)، و"الأدب الهادف" (1959م)، و"طلائع المسرح الحديث" (1963م) ... وغيرها.
وقد نُرجِم كثير من مؤلفاته إلى الفرنسية والألمانية والروسية والإيطالية … وغيرها.
مات في لوزان بسويسرة، ونقل جثمانه إلى القاهرة، ودُفِن بها.




رد مع اقتباس
#2  
قديم 08-27-2006, 12:12 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



قصة «الرسالة»

لمحمود تيمور (1)
..........................

حين مات عنها زوجها، وزفت ابنتها الوحيدة إلى عروسها من بعد، تخلّت هي عن مسكنها في العاصمة، واختارت لها شقة صغيرة في ضاحية «الزيتون»، فكانت تحيا هناك في شبه عزلة، لا مؤنس لها إلا ذكريات أيامها الخوالي.
ولعل ذكرى واحدة بين ركام ذكرياتها المختلفة، ذكرى فريدة غالية، هي التي احتلّت من نفسها أعز مكان.
إنها ذكرى حادث كان أخطر ما جرى عليها من أحداث، وكان أعمقها أثراً في توجيه حياتها وحياة ابنتها الوحيدة وجهة أخرى.
وكلما استعادت مشاهد هذا الحادث أحست بابتسامة ترف على شفتيها الهادئتين .. ابتسامة العجب من تصاريف القدر!
رب خطأ تافه غير مقصود يجر المرء إلى هاوية الخراب والدمار، أو يهبه نجاة تتفتح بها صفحة جديدة في سجل الأيام.
أثمة يد خفية لربان من السحرة يُدير دفة السفينة، وهي تشق الموج في عباب الحياة؟
كم لتلك اليد من ظواهر معابثات تنطوي على تدبير حكيم!
والآن وقد انقضت سنون طوال على ذلك الحادث الفذ، يطيب للسيدة «سعدية» حرم الأستاذ «يسري» أن تبتعثه بين الفينة والفينة من غيابة الماضي، وتجلو عنه غبار النسيان لعينيها خلال حلم من أحلام اليقظة في دعة وسكون.
منذ ثلاثين عاماً ونيف، وقد جاوزت السيدة «سعدية يسري» الأربعين من عمرها، في يوم قائظ، والساعة تُقارب الثالثة بعد الظهر، بارحت دارها، قاصدة «مكتب البريد»، وإنها لتحرص دائماً على الخروج في تلك الساعة، كلما أزمعت أن تزور ذلك المكتب، وما أكثر زياراتها له، مؤثرةً جهد إمكانها جانب التخفي والكتمان.
ولم يكن اختيارها لتلك الساعة عبثاً، فهو وقت القيلولة: فيه يغفو زوجها «الأستاذ يسري» غفوة الظهر، وفيه تخلو ابنتها الوحيدة «يسرية» لاستذكار دروسها، وهو الوقت الذي لا ينشط فيه الناس لتتبع الخلق، وتقصي ما وراءهم من أسرار.
ويا له من سر، ذلك الذي تُحاول السيدة «سعدية يسري» أن تستأثر به لنفسها .. إنه سر حياتها الكبير!
ولما بلغت «مكتب البريد» توخّت «شباك الرسائل المحفوظة»، وقلبها سريع الخفوق، وسألت:
أثمة رسالة باسمها؟
فلم تمض لحظات حتى مد إليها عامل البريد يده برسالة، فتناولتها في عجلة، وسرعان ما دستها في أعماق حقيبتها، وحثت الخطا إلى البيت، تنتهبها أشتات الخواطر والأفكار …
هذه رسالة ممن أولته قلبها كله، من حبيبها الأوحد …
أما لقاؤها له، فلم يكن إلا بين فترة وفترة، فهو من أهل الثغر، لا يأتي إلى العاصمة إلا لماماً. وإذا التقيا كان كل حظهما أن يتطارحا أحاديث الشوق ومناجيات الهوى، بمنأى عن أسماع الفضوليين وأنظار الرقباء.
إنها جد حريصة على أن تظل علاقتها به في طي الخفاء.
حسبها اليوم أن تحيا في أخيلة جميلة تهبها لها تلك اللقيات الخاطفة، فتشيِّد منها قصور السعادة والهناء، مرتقبة يوم الخلاص، يوم تتحقق لها المتعة الكبرى في لقاء ليس بعده انفصام.
لقد واثقت حبيبها على أن تهجر عش الزوجية وتلحق به، لتقضي معه ما تبقى لهما من أيام في بلد خارجي بعيد، حيث يمارس عملاً تجاريا، يدر عليه الكسب الموفور.
ها هي ذي تنتظر منه أن يحدد الموعد .. أن يعين اليوم الذي تبدأ فيه المغامرة البهيجة الحاسمة.
كفى ما مضى من أعوام كثيرة قضتها في كنف زوجها الذي تقدمت به السن وطحنته الأعباء …
تزوّجها يافعة، لم تكد تحبو إلى السابعة عشرة، وهو يومئذ رجل مكتمل النضج يربى على الأربعين.
أليس من حقها الآن، وقد اعتصر زوجها الأناني رحيق شبابها، وكاد يلقي بها نفاية لا مأرب فيها لأحد، أن تحول بين نفسها وبين التردي في تلك الوهدة السحيقة، وهدة الإهمال والضياع، وأن تستخلص من أيامها الباقية فرصة للاستمتاع بالحياة؟ ..
هي اليوم في أوج ازدهارها الأنثوي، وقد غدت ابنتها فتاة في السادسة عشرة توشك أن تكون لها حياتها الخاصة بعد سنوات قلال. أما زوجها هي فقد رانت عليه شيخوخة ثقيلة لا شفاء له منها إلا بالإذعان لما تقضي به الأقدار.
ماذا تجني من عيشتها الحاضرة، إلا أن تقبع في ذلك الركن المعتم الموحش، ركن الزوجية الجدباء؟
ما أشبه هذا الزوج بطائر من طيور الأساطير علا في الأفق حينا من الدهر، يسبح في الضوء الساطع، ويملأ صدره بالهواء المنعش، ثم وهنت قواه، فانهوى جاثماً على الأرض، مرخياً جناحيه ليخفي تحتهما تلك الزوجة المنكودة، فيحول بينها وبين الاستمتاع بمباهج العيش، واسترواح نسيم الحياة.
لقد مكثت في كنفه حتى اليوم مخلصة له وفية، واستنفدت في صحبته فورة الصبا وزهرة الشباب … وكفاها ذلك من بذل وفداء.
إن لنفسها عليها حقا، وقد آن لها أن تلبي نداء رغباتها الطبيعية المفروضة، وهي تحس الحيوية في أوصالها تضطرم، مهيبة بها أن تنطلق مع هاتف الحب، يُطرب سمعها بأغاريده العذاب.
هذه فرصة تسنح لها، ولن تدعها تفلت منها.
يممت صوب دارها محتضنة حقيبتها، كأنما هي بين يديها وليد تحميه من مخاطر الطريق.
ستحتويها حجرتها بعد قليل، وستخلو إلى رسالتها تبسطها أمامها لتقرأ النبأ العظيم.
وتابعت خطاها، وقلبها يكاد يثب بين جوانحها وثباً.
وعادت الخواطر في رأسها تتداعى.
ربما أنكر عليها منكر أن ترضى ذلك السلوك، فتهجر زوجها بعد عشرة امتدت سنين بعد سنين، زوجها الذي تعلق بها، وتدله في حبها، وأسبغ عليها حنانه، ووفر لها عيشة هناء ورفاهية، زوجها الذي احتمل من نزقها ومن بوادرها ما يضيق به صدر الحليم، فكان يُبالغ في تدليلها والتلطف بها، محققا ما كانت تهفو إليه من مطامح وأطماع.
هذا حق، وما في مستطاعها أن تجحد منه شيئاً.
ولكن هذا الزوج لم يكن يملك أن يفعل غير ما فعل، ليسوس زوجة أضفت عليه من فتنة الأنوثة وروعة الجاذبية ما أذاقه طيب العيش، وأناله بهجة الحياة.
لقد ردّت له جميله أضعافاً مُضاعفة، ولم يبق عليها أن تضيف جديداً.
… وكانت قد بلغت الدار.
وتسللت إلى حجرتها في تلصص.
وما هي إلا أن أقفلت وراءها الباب بالمفتاح. واستخرجت الرسالة من أعماق الحقيبة، وما لبثت أن فضت الغلاف بأنامل راجفة، وما أسرع أن تصيدت عينها هذه الكلمات:
«موعدنا يوم الخميس في الثالثة بعد الظهر … لقد أعددتُ كل شيء … سنُسافر من فورنا إلى المكان المتفق عليه، حيث نبدأ معاً رحلة العمر، نستمرئ رحيق الحب الهنيء …».
ووضعت الرسالة على صدرها، ودقات قلبها تتسارع، وفي خاطرها تتوارد أخيلة ومشاهد.
ولم يطل بها الوقت على هذه الحال.
عادت إلى الرسالة تقرؤها.
وفي هذه المرة اختلج جسدها اختلاجة دهشة.
أهذا خطه الذي ألف أن يكتب به رسائله إليها؟
وأقبلت على الرسالة تتفحص كتابتها تفحص فني خبير.
وكلما أنعمت النظر ودققت في الملاحظة، ازدادت من شك.
وتفاقم اضطرابها.
أتراها مكيدة ينصبها لها عاذل حسود؟
ولاحت في رأسها فكرة.
واختطفت الظرف الذي كانت تنطوي فيه الرسالة، وقرأت على ظهره ما يلي:
«الآنسة يسرية يسري. يُحفظ بشباك البريد».
وعادت تقرأ، وتقرأ، وهي لا تصدق ما ترى.
وغامت أمام عينيها الدنيا، وتفصَّد من جبينها عرق.
وتزاحمت عليها الخواطر من كل صوب، تُناوشها بلا رحمة.
لقد كشفت عن سر ابنتها الخطير.
لولا أن موظف البريد اشتبه عليه الأمر، بين اسمها «السيدة سعدية يسري» واسم ابنتها «الآنسة يسرية يسري» لبقي ذلك السر مصوناً لا تعلم به.
هاهي ذي تعلم الساعة ـ دون قصد ـ أن «يسرية» الصغيرة لها عاشق عتيد، وهي التي لم تعدُ السادسة عشرة بعد، وإنه حقا لعاشق جريء، أعد لها عدة الهرب في تدبير وإحكام …
يا له من اتفاق رهيب!
أم وابنتها تسيران في طريق … طريق خطيئة ودنس!
كلتاهما تزمع ما تزمع الأخرى من أمر، وتتخذ ما تتخذ من حيلة ووسيلة!
وأخذت تروِّح وجهها بمنديل.
وخطت إلى النافذة تنظر.
الهدوء يشمل الدار.
زوجها في حجرته يُواصل غفوته.
وابنتها على مكتبها تستذكر درسها … درس العبث والمغامرة.
حين كانت الأم في مثل سن ابنتها تلك، كانت مثلاً للسذاجة والبراءة والصفاء، ولم تكن تعرف من المغامرات الغرامية شيئاً قل أو كثر.
إنها لتعجب كيف استطاعت ابنتها أن تعقد تلك الصلة بصاحبها، وأن تبلغ معه مرحلة حاسمة، دون أن يدري ممن حولها أحد؟!
ألم تكن الأم تُعايش ابنتها صباح مساء؟
كيف مرَّ ذلك كله، تحت أنفها وهي جاهلة به، أو ساهية عنه؟
أكان من الممكن حقا أن يصل إلى علمها نبأ، وهي التي قذفت بابنتها، منذ أعوام خلت، بين يدي حاضنة مُتهالكة عجوز؟
أكان من الممكن أن تلحظ ما يجري في الخفاء، وهي التي ظلت من أمرها في شغل شاغل؟
كل ما كان يملك عليها تفكيرها أن توفِّر لمظهرها التأنق والبهاء لتحتفظ ما استطاعت بما بقي من شبابها الذاهب مع الريح.
لقد اجتذبتها الحياة الصاخبة في مجتمعات اللهو والسمر، فانقادت لتيّارها الجارف، لا ترى في مشاغل الأسرة والدار إلا الخواء والهباء.
وجعلت السيدة «سعدية يسري» تعرض شريط حياتها؛ كيف كانت بادئ بدء أما مثالية، ترعى طفلتها أحسن رعاية، وزوجة عفة وافية، تتعهّد زوجها أتم تعهد؟ وكيف تغيرت بها الحال، فألفت نفسها تتناءى رويداً رويداً عن ذلك الجو الألوف، جو الأسرة بما يشيع فيه من دعة ووئام؟
شد ما سحرتها تلك النزعة الجديدة التي ألقت بها في دوّامة المغامرات، تستمتع بنشوة الحب ومتعة الأحلام.
وتراءت لها في تلك اللحظة هاوية سحيقة كانت تتسع فوهتها أمام عينيها، وعن يمينها زوجها الشيخ، وعن يسارها ابنتها اليافعة، وهي تدفع بهما وبنفسها أيضاً إلى حافة الهاوية، ليسقطوا فيها جميعاً إلى الحضيض.
وترامت على المقعد تستبد بها نوبة نشيج ...
واسترسلت في بكاء …
وكلما انهملت من مآقيها العبرات، اشتدت رغبتها في البكاء الحار، ولكأن روحها تغتسل في فيض دموعها، تلتمس الطهر والنقاء.
وأحست السيدة «سعدية يسري» صوتاً ينبعث من حجرة ابنتها ..
إنه صرير باب ينفتح.
وهبت دفعة واحدة.
وفي لحظة كانت أمام الحجرة، فألفت «يسرية» على أهبة أن تبرح الدار.
ومثلت الأم تجاه ابنتها، وقد انعقد لسانها لا ينبس.
وقالت الفتاة، وهي تتفحّص وجه أمها في اضطراب:
ـ ما بك يا أمي؟ إنك تبكين!
فسارعت الأم تمسح عينيها، وقالت متهدجة الصوت:
ـ إلى أين أنت ذاهبة يا ابنتي؟
ـ إلى المتجر القريب، أشتري بعض حاجات.
ـ بل إلى دار البريد، لتتسلمي رسالة .. لقد تسلمتها عوضاً عنكِ!
فشحب وجه «يسرية»، وسرت في أوصالها رعشة …
وأمسكت الأم ابنتها، وقالت لها، وهي تسوقها إلى الحجرة:
تعالي نتحدث قليلاً …
… وبعد وقت خرجت من الحجرة السيدة «سعدية» وهي تحيط ابنتها «يسرية» بذراعها، على حين كانت الفتاة خافضة الرأس، كسيرة الخاطر، تجفف بقايا دمع على خديها يترقرق …
ومالت الأم على «يسرية» تقول في ملاطفة:
لقد حان أن يستيقظ أبوك … ألا تأتين معي إلى المطهى كي نُعدَّ له قدحاً من الشاي؟!
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر: الأدب العربي الحديث: الرؤية والشكيل، لحسين علي محمد، ط4، مكتبة الرشد، الرياض.




رد مع اقتباس
#3  
قديم 08-27-2006, 12:13 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



محمود تيمور وتيسير اللغة العربية

بقلم أ. د. جابر قميحة
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

في كتابه القيم "مشكلات اللغة العربية" يدعو محمود تيمور إلى خدمة اللغة العربية، والنهوض بها، ونشرها، ولن يكون ذلك- من وجهة نظره- إلا بأمور أربعة هي:
1- تزويد اللغة.
2- تبسيط اللغة.
3- تيسير النحو.
4- تعميم الضبط.
ولتزويد اللغة يطرح تيمور وسائل متعددة في هيئة أسئلة:
- هل نلجأ إلى التعريب: فأوتومبيل نجعله "تمبيل"، والترامواي نجعله "ترام"، والسينما توغراف تكون "السينما"؟ (محمود تيمور: مشكلات اللغة العربية 11).
- أم نؤثر اللفظ العربي إما بالاشتقاق من المواد اللغوية العربية، وإما بإحياء الألفاظ التي نلمح الملابسة بينها وبين المعاني الجديدة: كالسيارة للأوتومبيل، والقطار: للبابور؟ (السابق الصفحة نفسها).
ويعرض تيمور الخلاف بين العلماء في قبول المولد الشائع على ألسنة الناس، مثل: البلاص، والدوار، والحلة، والطرحة، ولا يرجح تيمور اتجاهًا من هذه الاتجاهات، بل يرى أن الوجه المفضل أن نتوسط في الأمر، وأن يكون موقفنا في مسألة المعرب والمولد موقفَ مرونة وموازنة، وتقدير لملابسات كل لفظ، ومدى الحاجة إليه، فلنشتق، ولنستضف من العامية، ولنستحي القديم من الألفاظ، ولنعرب الأجنبي، متوخين في كل ذلك الحكمة، وحريٌّ بنا أن ندع ذلك للهيئة اللغوية المشرفة، على أن تراعي سهولة الألفاظ، وموسيقية الحروف، وخفة الصيغ على السمع (السابق الصفحة نفسها)، كما يجب عرض الألفاظ الجديدة عرضًا كافيًا لإشاعتها (السابق 13).
ويدعو تيمور إلى تبسيط اللغة بما يأتي:
1- الاقتصار في الألفاظ الكتابية على المألوف المأنوس، بعيدًا عن المهجور والوحشي.
2- تحديد معاني الألفاظ تحديدًا منطقيًا، فلا نسرف في اصطناع المترادف الذي يجعل الألفاظ غير مفصلة على قدود المعاني (السابق 15).
ويرفض تيمور الدعوَى إلى التبسيط اللغوي بإنشاء لغة مختزلة ذات ألفاظ محدودة، لا تتجاوز بضع مئات، مع تأديتها لجميع المعاني، وذلك محاكاةً للغة الإنجليزية المسماة (البيسك) (السابق: الصفحة نفسها)؛ لأن مثل هذه اللغة لا يمكن أن يكتب لها النجاح، وذلك للأسباب الآتية:
(1) أن المتعلم لها لا يستطيع أن يستعمل سوى ألفاظها، ولا أن يفهم غيرها، فإذا قرأ لا بد أن يقرأ المكتوب بهذه اللغة وحدها، وبذلك لا تكون له صلة باللغة الأصلية، ولا بما تنتجه عامة أدبائها وعلمائها.
(2) والألفاظ لقلتها تؤدي معانيَ كثيرةً، فيتذبذب اللفظ بين أشتات المعاني، وهذا ما يناهضه مصلحو اللغات في الأمم.
(3) وهذه اللغة لا تصلح للأدب والشعر؛ لأنهما يتطلبان موسيقيةً لفظيةً، ويقتضيان إيثار تعبير على تعبير.
(4) وهي لا تصلح كذلك لبعض العلوم والفنون التي تستلزم دقةً في البيان، لا تتيسر مع قلة الألفاظ وضغطها (انظر السابق: الصفحة نفسها).
ويدعو تيمور إلى تيسير النحو "بتصفية القواعد الكثيرة وغربلتها، فما كان منها جوهريًّا أبقيناه، وحُذف ما لا يلائم التطور العصري للغة" (السابق 16).
ونحن مع الأستاذ تيمور فيما ذهب إليه في مسألتَي تزويد اللغة وتبسيطها، ولكننا نرى مسألة تيسير النحو أعقد مما تصوره بكثير؛ لأن عقدة المشكلة تبدأ أساسًا لا من قواعده ولكن من تدريس قواعده، واعتبار النحو غايةً لا وسيلة، وقد عرض أستاذنا عبد العليم إبراهيم خطةً لهذا التيسير تتعلق بالمنهج والكتاب وطريقة التدريس والاختبارات والتمرينات، وأهم الخطوط الرئيسة لهذه الخطة:
(أ) في المنهج:
1- الاقتصار على الأبواب التي لها صلة بصحة الضبط، بعيدًا عن الصور الفرضية في التصغير والنسب، وإعراب لا سيما، وكذلك يتجه إلى النواحي العملية في تدريس الصرف.
2- التدرج في عرض أبواب القواعد، على أن يكون ذلك في وحدات متكاملة، تشمل كل وحدة عدة أبواب متجانسة أو متحدة الغاية.
(ب) في الكتاب:
1- مسايرته للمنهج في اتجاهه وروحه.
2- اتخاذ اللغة الحية والنصوص الفنية الرائعة أساسًا لدراسة القواعد والتطبيق عليها، بعيدًا عن الأمثلة المبتورة الجافة.
(ج) في الطريقة:
1- مناقشة الأمثلة من الناحية المعنوية قبل مناقشة دلالتها النحوية.
2- التركيز على الانتفاع بالقواعد في الضبط، لا حفظ الأحكام النحوية.
3- تجنب الطريقة الجدولية المعقدة التي تحوِّل درس القواعد النحوية إلى درس شبيه بالقواعد الرياضية.
(د) في الاختبارات والتمرينات:
1- مراعاة ومتابعة مدى انتفاع التلاميذ بالقواعد في تأليف الجمل وضبطها ضبطًا صحيحًا.
2- ترك المطالبة بتكوين جمل تثقلها القيود والشروط.
3- ترك المطالبة بذكر الأنواع والتقاسيم والتعاريف ونص القواعد (انظر عبد العليم إبراهيم: الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية 209 ـ 212).
ويرى تيمور ضرورة ضبط الكلمات بالشكل، ويرى ضرورة التفكير في طريقة أسهل لضبط الكلمات، وحتى نتمكن من ذلك "لا بد أن نبدأ باستعمال الشكل في حالته الراهنة، فنعمِّمه في جميع الكتب التي تتدارسها دور التعليم في المكاتب الصغيرة إلى المعاهد العالية.. لا فرقَ في ذلك بين كتاب جغرافي أو رياضي أو نحوي، وحين يبدأ التلميذ حياتَه العلمية على هذا النحو، ويمضي في ذلك أثناء تنقله في درجات التعليم، لا يشب إلا قارئًا مطبوعًا على الصحة والصواب، فتصبح هذه الخطوة أولى خطوات تعميم الشكل، وضبط اللغة، وتقريب نشرها بين أهليها، ولا سيما إذا تبع ذلك التوفيق في ابتكار علامات يسهل على أيدي العمال استخدامها في جميع الحروف، كما يسهل على أقلام الكتاب استخدامها فيما تجري به الأقلام" (تيمور السابق 20- في سنة 1944م اقترح علي الجارم استعمال شكلات جديدة للدلالة على الحركات، تكون متصلةً بالكلمات ذاتها، والذي ينظر إلى هذه الشكلات يؤمن بأن الجارم خرج من البسيط إلى المعقد، وكان العقاد على حق حين سماها بالزعانف، كما أنه سيجعل الكلمة العربية ذات بنية جديدة تكاد تكون مقطوعةَ الصلة بالبنية القديمة (انظر نفوسة زكريا: تاريخ الدعوة إلى العامية 221- 222)).
ودعوة تيمور هذه من قبيل تحصيل الحاصل، فهو يدعو إلى الالتزام الكامل بضبط الكلمات من أول المراحل التعليمية إلى نهايتها، وأعتقد أن الدعوة بهذا الإطلاق تغفل قيمة الفوارق بين مراحل التعليم المختلفة، واختلاف قدرة التعرف والاستيعاب عند الطلاب من مرحلة إلى أخرى.
وربما كان الحل المعقول هو التدرج، فيكون ضبط بنية الكلمة كاملاً في المرحلة الأولى، ويبدأ التخفف التدريجي من الضبط، فيكتفي بضبط أواخر الكلمات في المرحلة الثانوية (بالنسبة للكتب المقررة)، وبعد ذلك لا داعي للضبط إلا في حالة الضرورة، إذا ترتب على عدم الضبط إبهام أو لبس أو تداخل في المعنى، كما أن تعميم الضبط بصورته الكاملة- بصرف النظر عن مستوى القراء- سيعطل بل سيوقف قدرة الفهم بلا ضبط.. تلك القدرة التي يكتسبها القارئ بطول الدربة والمعاناة مع الكلمات غير المضبوطة.
ولكنْ لتيمور دعوةٌ لتسهيل الكتابة العربية جديرةٌ بالتقدير والإعجاب؛ لأنها دعوةٌ عمليةٌ منتجةٌ، وهي دعوته سنة 1961م إلى اختصار حروف العربية إلى الشكل الواحد، وبذلك نكون خفضنا عيون صندوق الطباعة من قرابة ثلاثمائة خانة إلى قرابة ثلاثين فقط (تيمور السابق 73) فحرف العين مثلاً له الأشكال الآتية طباعيًا:
عـ (العين الأولى) ـعـ (العين المتوسطة) ـع (العين المنتهية بعد حرف متصل) ع (العين المنتهية بعد حرف منفصل)، فالعين ترد بالأشكال الأربعة في الكلمات الأربع الآتية:
عمل- بعد- طمع- طماع.
فتأسيسًا على اقتراح محمود تيمور تكتب الكلمات الأربع كما يأتي: عمل- بـ عد- طمـ عـ- طماعـ، وبذلك تكون حروف الكتابة بالصورة الآتية:
أ بـ تـ ثـ جـ حـ خـ د ذ ر ز ش سـ شـ صـ ضـ طـ ظـ عـ غـ فـ قـ كـ لـ مـ نـ هـ ة و لا يـ.
ويلخص تيمور المزايا التي تتحقق بطريقته هذه فيما يأتي:
1- أنها تنفي شبهة القطع بين القديم والجديد.
2- أن الحروف ستكون واضحةً لا خفاء فيها، فهي غير مركبة بل مبسوطة.
3- أن علامات الشكل ستقع على الحروف بأعيانها، تأخذها الأنظار باللمح، فلا تترجَّح العلامات بين الحروف المركبة في الكلمة الواحدة.
4- أن اتخاذ صورة واحدة للحروف في جميع مواقعها من الكلمات، أولاً ووسطًا وآخرًا، سيجعل تعليمها أيسر مئونةً.
5- تخفيف العبء على المطبعة وعمالها بسبب تقليل عدد عيون الصندوق، وسهولة اجتلاب حركات الضبط.
6- لا خوفَ من ازدياد استهلاك الورق بسبب هذه الحروف المبسوطة؛ لأن الكلمات في صورتها الجديدة ستكون ذات أفق أقل انخافضًا من الأفق الذي تقتضيه الكلمات المركبة الحروف، فتزداد السطور في الصحيفة ازديادًا يعوضها مما يستلزمه انبساط الحروف من اتساع الحيز (انظر تيمور السابق 66 ـ 68).
وقد أجاز المجمع مشروع محمود تيمور، إلا أنه لم يخرج حتى الآن إلى حيز التنفيذ (نفوسة: مرجع سابق 222).
والحقيقة أن هذه الدعوة- كما أشرنا من قبل- دعوةٌ عمليةٌ واقعيةٌ نافعةٌ، والأخذ بها كان سيُسدي خدمةً جليلةً للغة العربية مع الحفاظ على التراث، فالذي يتعلم بالطريقة الجديدة لن يعجزه قراءة التراث القديم، ومع تعدد المزايا التي تتسم بها هذه الطريقة فإن الذي يدعو حقًّا إلى العجب ألاَّ تخرج إلى حيِّز الواقع حتى الآن.
كان محمود تيمور بهذه الدعوة أو الدعوات صادق النية، صادق الحرص على خدمة اللغة العربية، ولكن ظهرت على الساحة العربية- في مصر ولبنان بخاصة- دعواتٌ تعتمد على ادعاءات وهي تحمل معاول الهدم لتدمير اللغة العربية وتخريبها.
المراجع والتعليقات:
ــــــــــــ
* محمود تيمور (1894م- 1973م) هو ابن أحمد باشا تيمور عميد العائلة التيمورية، وهي عائلة معروفة في مجال الفكر والأدب، ومن مشاهيرها أخوه محمد وعمته عائشة التيمورية، مات في لوزان بسويسرا، ودفن بالقاهرة.
* بدأ كتابه القصة سنة 1919م بالعامية المصرية، ثم تقدم في لغته حتى أصبح من حملة لواء الفصحى، ونال عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1949م.
* له بحوث طيبة جدًّا في اللغة والمسرح، وكتب الرواية والقصة القصيرة، وترجم كثيرًا من أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والروسية، وحضر مؤتمراتٍ عالميةً كثيرةً في باكستان، وسوريا، ولبنان وغيرها.
* من أشهر أعماله: سلوى في مهب الريح- نداء المجهول- شمس وليل- صقر قريش- عطر ودخان- قال الراوي- دنيا جديدة.. وأسلوبه يتسم بالتدفق والوضوح.




رد مع اقتباس
#4  
قديم 08-27-2006, 12:14 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



محمود تيمور رائد الاقصوصة العربية

بيان الثقافة الأحد 28 جمادي الآخرة 1422هـ 16 سبتمبر 2001 -العدد 88
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

عن الدار المصرية اللبنانية صدر مؤخرا كتاب محمود تيمور رائد الاقصوصة العربية للكاتب فتحى الابيارى وصمم الغلاف الفنان محمد حجى .
ومحمود تيمور اثرى المكتبة العربية باثنين وثمانين كتابا في القصة والرواية والمسرحية والدراسات الادبية واللغوية والرحلات والخواطر والصور الفنية للشخصيات الادبية التى اثرت في الحياة الادبية .
وقد قال عنه طه حسين لم يرتحل الاستاذ تيمور بك الى الشرق ولا الى الغرب ولم يبعد في الزمان ولا في المكان لياتينا بقصة سلوى في مهب الريح الرائعة البارعة وانما اقام بيننا في مصر بل اقام بيننا في القاهرة .
ان واقعية تيمور الراسخة القدم في الحياة والمجتمع تتطلع كما يشير الدكتور على الراعى الى شئ اكبر منها واوسع نطاقا فتربط نفسها بالرمز وتفيد من هذا الربط عمقا واصالة .
ويقول محمود تيمور عار علينا ونحن في بدء نهضتنا الا يكون لنا ادب مصرى يتكلم بلساننا ويعبر عن اخلاقنا وعواطفنا ويصف عوائدنا وبيئتنا اصدق وصف هذا الادب في نظرى اهم شئ يجب ان نلتفت اليه ونعيره مجهودنا الكبير في نهضتنا الجديدة لانه المراة الصادقة التى تنعكس عليها صورتنا الحقيقية بل هو اكثر من ذلك هو كل شئ يمثلنا جسما ونفسا وعواطف هو نحن لا اقل و اكثر .
وفى عام 1920 تزوج محمود تيمور ويقول عن ذلك الزواج لم ار زوجتى قبل الزواج ولكنى اصررت على ان ارى صورتها اعجبتنى جدا وصرت اتساءل عن شخصية صاحبة الصورة الجميلة وطريقة حديثها ورسمت لها في خيالى صورة رائعة ولكنى لم اسرف في التفاؤل كثيرا وفى يوم كتب الكتاب رايتها وتحدثت اليها لاول مرة فوجدتها اجمل وارق من الصورة التى رسمتها في خيالى بكثير.
ويقول تيمور اخذنا نلتقى كثيرا بعد كتب الكتاب وقبل الدخلة وكانت هذه الفترة هى اختمار للحب الذى عشته بكل عواطفى وكيانى طول عمرى وتزوجتها واحسست انها الحب الاول والاخير وكنت كذلك حبها الاول والاخير وكانت هى زوجتى الاولى والاخيرة وبعدها ختمت قلبى بالشمع الاحمر ولم احب سواها.




رد مع اقتباس
#5  
قديم 08-27-2006, 12:15 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



الكاتب الكبير: محمود تيمور
(بطاقة تعريف)
......................

محمود تيمور.. شيخ القصة العربية
يُعدُّ محمود تيمور أحد الرواد الأوائل لفن القصة العربية، وهو واحد من القلائل الذين نهضوا بهذا الفن الذي شهد نضوجًا مبكرًا على يديه، واستطاع أن يقدم ألوانًا مختلفة من القصص الواقعية والرومانسية والتاريخية والاجتماعية، كما برع في فنون القصة المختلفة؛ سواء كانت القصة القصيرة، أو الرواية، وتأثَّر به عدد كبير من الأدباء والروائيين الذين أفادوا كثيرًا من ريادته الأدبية وإبداعاته القصصية؛ فساروا على دربه، ونسجوا على منواله.
ولد محمود أحمد تيمور في أحد أحياء مصر القديمة في (12 من المحرم 1312هـ = 16 من يونيو 1894م)، ونشأ في أسرة عريقة على قدر كبير من الجاه والعلم والثراء؛ فقد كان أبوه أحمد تيمور باشا واحدًا من أبرز أعلام عصره ومن أقطاب الفكر والأدب المعدودين، وله العديد من المؤلفات النفيسة والمصنفات الفريدة التي تكشف عن موسوعية نادرة وعبقرية فريدة.
وكان درب سعادة -وهو الحي الذي وُلد فيه محمود تيمور- يتميز بأصالته الشعبية؛ فهو يجمع أشتاتًا من الطوائف والفئات التي تشمل الصناع والتجار وأرباب الحرف من كل فن ولون.
وقد تَشربَّت نفسه وروحه بتلك الأجواء الشعبية منذ نعومة أظفاره، واختزنت ذاكرتُه العديدَ من صور الحياة الشعبية والشخصيات الحية التي وقعت عيناه عليها، وأعاد رسمها وعبر عنها -بعد ذلك- في الكثير من أعماله القصصية.
وما لبثت أسرته أن انتقلت إلى ضاحية عين شمس؛ فعاش في ريفها الساحر الجميل الذي كان ينبوعًا لوجدانه، يغذيه بالجمال والشاعرية، ويفجر فيه ملكات الإبداع بما فيه من مناظر جميلة وطبيعة خلابة ساحرة.
نقطة التحول
وقد تعلم محمود تيمور بالمدارس المصرية الابتدائية والثانوية الأميرية، والتحق بمدرسة الزراعة العليا، ولكن حدثت نقطة تحول خطيرة في حياته وهو لم يتجاوز العشرين من عمره بعد؛ فقد أصيب بمرض التيفود، واشتدت وطأة المرض عليه؛ فانقطع عن دراسته الزراعية، ولزم الفراش ثلاثة أشهر، قضاها في القراءة والتأمل والتفكير، وسافر إلى الخارج للاستشفاء بسويسرا، ووجد في نفسه ميلاً شديدًا إلى الأدب؛ فألزم نفسه بالقراءة والاطلاع، وهناك أتيحت له دراسة عالية في الآداب الأوربية؛ فدرس الأدب الفرنسي والأدب الروسي، بالإضافة إلى سعة اطلاعه في الأدب العربي.
واتسعت قراءاته لتشمل روائع الأدب العالمي لعدد من مشاهير الكتاب العالميين، مثل: "أنطون تشيكوف"، و"إيفان تورجنيف"، و"جي دي موباسان".
خطواته الأدبية الأولى
وكان شقيقه "محمد" خير مرشد له بما يسديه إليه من النصائح والتوجيهات والآراء السديدة، وبما لديه من ثقافة واسعة، وموهبة أدبية رفيعة.
وقد تأثر محمود تيمور بأخيه في اتجاهه نحو المذهب الواقعي في الكتابة القصصية، والذي ظهر واضحًا في مجموعته القصصية الأولى "ما تراه العيون"، فأعجب بها محمود إعجابًا دعاه إلى أن يؤلف على غرارها؛ فكتب باكورته القصصية "الشيخ جمعة" سنة (1344 هـ = 1925م).
وفجأة تُوفِّي أخوه محمد وهو في ريعان الصبا وشرخ الشباب؛ فشعر محمود بانهيار آماله، وفقد حماسه، وأصابه اليأس، وانزوى حزينًا مستسلمًا للأسى والإحباط.
ولكن بمرور الأيام بدأ الجرح يندمل في قلبه، وأقبل من جديد على الحياة، وراح ينفض عن نفسه الفشل والإحباط، واعتمد على نفسه مهتديًا بهُدى شقيقه الراحل، ومترسمًا خطاه في عالم الأدب والإبداع، وأقبل على الكتابة بنشاط وروح جديدة.
رومانسية تيمور
ومما لا شك فيه أن تيمور الابن قد ورث عن أبيه العديد من الملكات والصفات؛ فقد كان مغرمًا بالأدب واللغة، شغوفًا بالقراءة والبحث والاطلاع، محبًا للكتابة والتأليف.
وقد عُني أبوه منذ سن مبكرة بتوجيهه إلى القراءة والاطلاع، وتنشئته على حب فنون الأدب واللغة؛ فأقبل الابن على مكتبة أبيه العامرة بنَهَمٍ شديد، ينهل منها، ويَعُبّ من ذخائرها، ويجني من مجانيها.
وكان له شغف خاص بالمنفلوطي الذي غرس فيه نزعته الرومانسية، كما تأثر بعدد من الشعراء، خاصة شعراء المهجر، وعلى رأسهم "جبران خليل جبران"، الذي كان لكتابه "الأجنحة المتكسرة" بنزعته الرومانسية الرمزية تأثير خاص في وجدانه.
بين المحن والمنح
لم يكن المرض هو مأساة تيمور الوحيدة؛ فقد كان فقدُهُ لأخيه محمد مأساةً أخرى، صبغت حياته بحالة من الحزن والتشاؤم والإحباط، لم يستطع الخروج منها إلا بصعوبة بالغة.
وكان على موعد مع مأساة ثالثة أشد وطأة على نفسه ووجدانه، زلزلت حياته، وفجعته في ولده الذي اختطفه الموت وهو ما زال في العشرين من عمره؛ وقد تركت تلك المأساة في نفسه مرارة لا تنتهي، وحزنًا لا ينقضي.
وكان ملاذه الوحيد وسلواه في كل تلك المحن والأحداث هو الكتابة، يَهرع إليها ليخفف أحزانه، ويضمد جراحه، ويتناسى آلامه. وقد انعكس ذلك في غزارة إنتاجه وكثرة مؤلفاته.
مكانة تيمور الأدبية
وقد حظي محمود تيمور بحفاوة وتقدير الأدباء والنقاد، ونال اهتمام وتقدير المحافل الأدبية ونوادي الأدب والجامعات المختلفة في مصر والوطن العربي، كما اهتمت به جامعات أوروبا وأمريكا، وأقبل على أدبه الأدباء والدارسون في مصر والعالم.
ومثَّلَ محمود تيمور مصر في العديد من المؤتمرات الأدبية، مثل: مؤتمر الأدباء في بيروت سنة (1373هـ = 1954م)، ومؤتمر القلم ببيروت سنة (1373هـ = 1954م) أيضًا، ومؤتمر الدراسات الإسلامية في جامعة بشاور بباكستان، ومؤتمر الأدباء في دمشق.
كما نال إنتاجه القصصي جائزة مجمع اللغة العربية بمصر سنة (1366هـ = 1947م)، وما لبث أن عُيِّن عضوا فيه عام (1368هـ = 1949م).
وحصل على جائزة الدولة للآداب سنة (1369هـ = 1950م)، وجائزة "واصف غالي" بباريس سنة (1370هـ = 1951م)، ومُنِح جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة (1382هـ = 1963م) من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب. واحتفلت به جامعات روسيا والمجر وأمريكا، وكرمته في أكثر من مناسبة.
مؤلفات تيمور
يتميز إنتاج محمود تيمور بالغزارة والتنوع؛ فقد شمل القصة والمسرحية والقصة القصيرة
والبحوث الأدبية والدراسات اللغوية، ومن أهم آثاره:
الشيخ جمعة: 1344هـ = 1925م.
عم متولي: 1346هـ = 1927.
الشيخ سيد العبيط: 1347 هـ = 1928م.
رجب أفندي: 1347هـ = 1928م.
الأطلال: 1353هـ = 1934م.
أبو علي الفنان: 1353هـ = 1934م.
الشيخ عطا الله: 1355هـ = 1936م.
قلب غانية: 1356هـ = 1937م.
فرعون الصغير: 1358 هـ = 1939م.
نداء المجهول: 1358هـ = 1939م.
مكتوب على الجبين: 1360هـ = 1941م.
قال الراوي: 1361هـ = 1942م.
عوالي: 1361هـ = 1942م.
المنقذة: 1361هـ = 1942م.
بنت الشيطان: 1361هـ = 1942م.
سلوى في مهب الريح: 1363هـ = 1944م.
كليوباترا في خان الخليلي: 1365هـ = 1946م.
شفاه غليطة: 1365هـ = 1946م.
خلف اللثام: 1367هـ = 1948م.
إحسان لله: 1368هـ = 1949م.
كل عام وأنتم بخير: 1369هـ = 1950م.
أبو الشوارب: 1372هـ = 1953م.
ثائرون: 1374هـ = 1955م.
شمروخ: 1377هـ = 1958م.
نَبُّوت الخفير: 1377هـ = 1958م.
تمر حَنّا عجب: 1378هـ = 1959م.
إلى اللقاء أيها الحب: 1378هـ = 1959م.
المصابيح الزرق: 1379هـ = 1960م.
أنا القاتل: 1381هـ = 1961م.
انتصار الحية: 1383هـ = 1963م.
البارونة أم أحمد: 1387هـ = 1967.
انتصار الحياة: 1383هـ = 1963م.
أبو عوف: 1389هـ = 1969م.
معبود من طين: 1389هـ = 1969م.
زوج في المزاد: 1390هـ = 1970م.
بالإضافة إلى عدد من الكتب الأدبية واللغوية والنقدية، مثل:
ألفاظ الحضارة.
دراسات في القصة والمسرح.
ضبط الكتابة العربية.
مشكلات اللغة العربية.
وقد لاقت مؤلفاته اهتمامًا كبيرًا من الأدباء والنقاد والدارسين؛ فتُرجم كثيرٌ منها إلى عديد من اللغات: كالفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والعبرية، والقوقازية، والروسية، والصينية، والإندونيسية، والإسبانية.
واستمر محمود تيمور يواصل رحلة العطاء بالحب والإصرار، حتى تُوفِّي عن عمر بلغ نحو ثمانين عامًا في (26 من رجب 1393هـ = 25 من أغسطس 1973م)، بعد أن أثرى المكتبة العربية والأدب العربي بأكثر من سبعين كتابًا في القصة والرواية والمسرحية والدراسات اللغوية والأدبية وأدب الرحلات.
----------------------------------------------
* أهم مصادر الدراسة:
عالم تيمور القصصي: فتحي الإبياري – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة (1396هـ = 1976م).
مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا: د. محمد مهدي علام – مجمع اللغة العربية – القاهرة (1386هـ = 1966م)- ص: (206: 209).
المجمعيون في خمسين عامًا: د. محمد مهدي علام – مجمع اللغة العربية – القاهرة (1406هـ = 1986م)- ص: (333-337).

عن موقع: القصة السورية.
--------------------------------------
الرابط: http://www.syrianstory.com/taymoure.htm




رد مع اقتباس
#6  
قديم 08-27-2006, 12:16 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



قراءة في قصة «شندويل يبحث عن عروس»
لمحمود تيمور( )

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
.........................................


أ-النص:
كان "شندويل" جالساً القرفصاء، معتمداً رأسه براحتيه، وقد ملكه تفكير مضطرب حائر، وران على الدار هدوء ثقيل، يشيع فيه هم وقلق ورتوب. وجب أن يحسم شندويل الأمر على أي نحو يكون. لم يعد طفلا ولا صبيا، إنه شاب مكتمل الشباب، بل إنه بلغ مبلغ الرجولة، وانصرم الوقت وشندويل لم يُغيِّر جلسته، يضرب في متاهة لا يعرف له منها مخرجا .. وبغتةً ألفى نفسه ينهض، وعلى وجهه يرتسم عزم وتصميم، وأخذ سمته إلى "أم فكرية".
***
"شندويل" هذا فلاح من قرية "المنشية"، وهي من أعمال "شبين الكوم" .. رجل في حاله، لا يعرف العيب ولا يجري لسانه به، مخلص أمين، طيب القلب، ليِّن العريكة، ولكنه معروف بصراحته، لا يُداري أحداً.
نشأ يتيم الأبوين، لم تكتحل عيناه بمرآهما، فكفله رجل خير، مزارع له أرض تفيء عليه رزقاً محدوداُ، فضمَّه إلى أسرته: زوجه وبناته الثلاث، وكان "شندويل" يكبرهن بأعوام قلائل، فاختلط بالأسرة كأنه واحد منها، يعمل معهم في خدمة الدار والحقل والماشية.
وبعد سنوات دهم رب الأسرة مرض مُفاجئ أودى به في أيام، فكانت فاجعة تجلّدت لها الزوجة قدر ما تستطيع، ووقفت حياتها على توفير أسباب العيش لبناتها الثلاث، مع رعاية مرافق الدار والحقل والماشية، يُعينها الفتى "شندويل" أحسن العون بما أوتي من قوة بنية، وما طُبِع عليه من صبر ودأب، وما تميَّز به من جد ونشاط.
وتواصلت الأيام …
وكبر الفتى، واشتد عوده، وانتهى إليه عبء الحقل أجمع، فنهض به راضيا بعمله، مرضيا عنه …
مع الصبح يخرج إلى الحقل محبور النفس، يسوق الماشية أمامه، وهو يُردِّد أغانيه، ويُتابع العمل في نشوة، يحرث ويعزق ويروي، ويُعنى بكل شيء حواليه من زرع وضرع، لا تهدأ له حركة، ولا يشغله عن عمله شاغل، وتراه يستقبل بزوغ النبتة بفرحة غامرة، فيظل يتحسسها ويتشمّمها كأنها من لحمه ودمه.
وعند الظهيرة تلوح "أم فكرية" وبناتها الثلاث، يحملن صحاف الطعام، فيلقاهن "شندويل" بترحاب، وبعد أن يمسح عرقه بطرف قميصه، يُهيئ لهن مكاناُ ظليلاُ من كثب من القناة … وما هي إلا أن يتحلّق الجميع حول سماط الطعام، مقبلين على الأكل في شهية. وتسأل "أم فكرية":
ـ ما خطب المحصول؟
فيؤكد لها "شندويل" جودته، ويُبشرها بنمائه، ويُقسم لها أنها ظافرة منه يوم الحصاد بما يُحقق لها وبناتها الثلاث كل ما تطمح نفوسهن إليه.
وربما طاب للأسرة أن تُداعب "شندويل" في أثناء الطعام بالنكات اللاذعة، ليثور ثائره ويهيج غضبه، بيد أنه لا يزيد على أن يُشرق وجهه بابتسامة سمحة.
فإذا أرخى المساء سدوله، أوى شندويل إلى ركن في الزريبة، أعده مكاناً مختاراُ له، حتى يكون بمنأى عن حريم الدار، وما أسرع أن يغشاه سبات عميق تتراءى فيه نواعم الأحلام.
على هذا المنوال سارت الأحوال رضية ندية، وترادفت الأيام على الأسرة في طمأنينة وسلام، حتى دب في قلب "شندويل" شعور طارئ لم يكن له عهد به من قبل.
لقد نشأ الفتى، وهو يجد نفسه في مكان الأخ الأكبر للبنات الثلاث، وفي مرتبة الابن لربة الدار، فقنع بهذه العاطفة الحلوة الهادئة المُحايدة، يتلقّاها ممن حواليْه، ويُبادلهن إياها في لطف وإيناس، ولكن الطبيعة لا تُقر الهدوء والاتزان، ولا تعرف الحياد .. إن لها نزواتها، بل قل إن لها قوانينها، وهكذا وجد "شندويل" نفسه على الرغم منه ينظر إلى البنات في ازدهار أنوثتهن نظرةً من طراز آخر، نظرةَ ميل وانعطاف، وراءها مشاعر تتوهّج .. أما الرباط الأخوي المحض، فلم يعد له وحده مكان!
وكانت البنات على نمط متشابه من الوسامة، انتقل إليهن من الأم، فكأنهن وإياها نسخ مكرّرة، إلا فوارق تفرضها السن، وما تتميز به بعضهن من الشمائل والخلال. وقد شاع في المنطقة نبأ أولئك الصبايا الملاح، وطار صيتهن في المناطق المجاورة، وتهادت الألسن حديثهن المستطاب .. فأما الكبرى فكانت أثيرة عند "شندويل"، فأزمع أن يخطبها، وأفصح "لأم فكرية عن عزمه فطأطأت رأسها في صمت، وقد تناولت عوداُ يابساً تنكت به الأرض حيالها، فلما طال صمتها، أعاد "شندويل" الإفصاح عمّا طلب، وقد حسب أنها لم تسمع حديثه، أو لم تدر فحواه، فرفعت رأسها، وكست مُحيّاها طابع جد، فقلق "شندويل" أشد القلق ...
وبعد هنيهة، قالت "أم فكرية":
ـ أأجد لابنتي أعزَّ منك؟ أنت ابن البيت .. كلك خير وبركة، ولكن سبقك غيرك يا "شندويل؟" ..
ـ من تعنين يا خالة؟
ـ المشرف يا "شندويل" .. المشرف الزراعي طلبها منذ أيام .. وعرض مهراً قدره مئة جنيه.
فغمغم "شندويل" وقد زاغت عيناه:
ـ مئة جنيه؟
ـ وعنده جنينة برتقال يربح منها الذهب!
وانجرّ "شندويل" إلى الزريبة، مثقل الخُطا، يكاد يتعثر، وتوخّى ركنه المختار، متهالكاً على الفراش يدفن فيه وجهه، ويُسلم نفسه للأنين والانتحاب.
وتم الزواج .. وانتقلت إلى دار المشرف الزراعي كبرى البنات في مهرجان من الأغاريد والأضواء، ينفح منه أريج البرتقال!
ولم يجد "شندويل" مفرا من قبول الأمر الواقع، فشارك القوم فرحتهم، وألفى نفسه ينهض بواجبه نحو حفل الزفاف على أكمل وجه في صدق وإخلاص.
وعادت الحياة إلى سابق مساقها.
وعاد "شندويل" إلى عمله في الحقل يجد ويكد .. ولم يتغير من نظام الأسرة شيء إلا أن عددها قد نقص فرداً.
وأحس "شندويل" بقلبه على مر الوقت يخفق حبا للابنة الوسطى، وقد اكتملت نضجاً ونضارةً، فتملكته فكرة الزواج بها، واختفت خيبته التي واجهته في التجربة الأولى، واختفى معها كل تدبر وموازنة ومنطق، فتقدّم في براءة وبساطة إلى "أم فكرية" يخطب وسطى البنات .. فطأطأت رأسها في صمت، وتناولت عوداً يابساً تنكت به الأرض حيالها، ولم تلبث أن همهمت:
ـ أأجد لابنتي أعزَّ منك يا "شندويل"؟ أنت ابن البيت .. كلك خير وبركة، ولكن ..
ـ ماذا يا خالة؟
ـ وكيل الجمعية التعاونية طلبها، وعرض شبكة ثمينةً .. سواراً مٌرصَّعاً بالجوهر!
ومضغ "شندويل" كلماته يُردِّد:
سواراً مٌرصَّعاً بالجوهر؟!
وانجرّ إلى مكانه من الزريبة، ودفن في الحشية وجهه وانخرط في بكاء مرير.
ومرة ثانية، استسلم للأمر الواقع، وكان الساعد الأيمن في حفل الزفاف الجديد، وخطف بصره بريق السوار المرصّع بالجوهر، وزكمت أنفه روائح ما حمل الزوج لعروسه من خيرات التموين، وفي المقصف العامر أوغل "شندويل" في الأكل، حتى أُتخم.
وطوى الزمن أياماً وأياماً …
وعادت الحياة إلى مجراها في الدار والحقل، وإن نقص من عدد الأسرة اثنتان، ولم يبق من البنات إلا واحدة .. أتفلت هي الأخرى من بين يديه؟ .. لن يكون ذلك بحال .. وأحس بحبه القديم للأختين السالفتين يتجمّع ويتجدّد في الثالثة على نحو مثير، فأقسم أن تكون من نصيبه .. لينتزعها انتزاعاً من "أم فكرية".
وتقدّم لها ثابت الجنان، وخطب الفتاة الصغرى في جرأة .. وكانت "أم فكرية" على وشك أن تُطأطئ الرأس، وأن تفزع إلى عود يابس تنكت به الأرض، فصاح بها مُبادراً على غير ما ألِفت منه:
ـ لا أنا خير ولا أنا بركة .. ولا أنا أيضاً ابن البيت .. أنا "شندويل" .. "شندويل" وكفى! .. جئت أخطب ابنتك الثالثة، وسأعمل جهدي على إسعادها.
ـ ولكن .. يا "شندويل" ..
ـ ماذا يا ست "أم فكرية"؟
ـ لقد خطب البنت رجل ولا كل الرجال يسكن داراً جديدة على "بحر شبين"، فيها ثلاجة وغسالة وجهاز إذاعة .. عقبى لك يا "شندويل"!
فغص "شندويل" بريقه، وهو يُجمجم:
ـ ومن ذلك الخاطب يا "أم فكرية"؟
ـ سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل".
فما كادت الجملة تصك سمعه حتى خارت قواه، فاستند إلى الحائط وهو يلتقط أنفاسه .. إنه يذكر عندما زار المدينة آخر مرة، مدينة "شبين الكوم"، إنه مرّ بسرادق فخم يضم جمعاً غفيراً من الناس، وسمع خطيباً جهير الصوت يرفع عقيرته، يهز بها السرادق هزا، وهو يُردِّد أقوالاً عظيمة يستجيب لها الجمهور بالتصفيق والهتاف، وحين سأل عن الخطيب أخبروه بأنه "سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل".
وتراجع "شندويل" إلى مكانه المعهود في الزريبة، وألقى نفسه على الحشية يُمرِّغ وجهه عليها، ويُشبعُها بأسنانه نهشاً وتمزيقاً.
وتكفَّلت الأيام بتضميد جراح "شندويل"، فكان مع الأسرة في حفل زواج الابنة الصغرى قلباً وقالباً، وملأ بطنه بأطايب المطاعم، وشنّف سمعه بألحان الموسيقى وأصوات الغناء.
وتقضّت أيام .. بل أسابيع .. وخيَّم على جوِّ الدَّار هدوء كثيف، وانتشر صمت قابض، وقل الحديث بين أم فكرية" و"شندويل" حتى أصبح لا يعدو الضروري من الألفاظ، كل منهما يحيا في ملالة وسهوم ..
وأعدّ "شندويل" مرقداً لنفسه في الحقل بين شجيرات ظليلة، يتناول طعامه وحيداً، ويمضي الليل ساهماً يرعى النجوم.
لقد تزوجت البنات، وكان زواجهن ناجحاً أيما نجاح:
"المشرف الزراعي" بمهر مائة جنيه وجنينة برتقال.
ووكيل الجمعية التعاونية بسوار مرصّع بالجوهر.
وسكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل بثلاجاته وغسالاته وأجهزته الإذاعية.
شخصيات مرموقة، تتضاءل بجانبها شخصية "شندويل"، حتى لتبدو تافهة مهينة .. حقا إنه فلاح، فلاح مجد نشيط، يستطيع بساعده أن يأتي بالمعجزات في حقل الزراعة الخصيب، ولكن ما قيمة تلك المعجزات أمام تلك الأسماء الضخمة والمراكز الفخمة التي يُعشي ضوؤها العيون؟ .. ومن الملوم؟ "شندويل" أو الأسرة التي كفلته؟ لم يُفكِّر هو لحظة أن يعمل لنفسه .. لم يفكر هو لحظة أن يقتني شيئاً .. عجلة .. أو عنزة .. أو على الأقل دجاجة واحدة .. لم يهمه جمع المال وادخاره قدر ما أهمه أداء واجبه .. كان يسعى أبداً إلى إرضاء من أحسنوا إليه، لا يتطلع إلى مزيد .. لقد اعتصر دمه في خدمة من آووه وكفلوه .. وأخيراً يستبين له فقره، وهوان شأنه .. فماذا أفاد من طيبته؟ وماذا أجدى عليه إيثاره؟
أيقن "شندويل" الآن أن وجهة نظره في تقييم نفسه بين الأسرة كانت على خطأ من البدء، أو كانت مبالغة فيها .. ماذا كان مصير الأسرة لولاه هو؟ لولا ما أسداه إليها من خير، وما بذل من عون؟ كان هو قوام البيت، وراعي الحقل وحامي حمى الأسرة .. أليس هو جديراً بأن يأخذ مكانه عالياً بينها؟
حان له أن يغضب، وحق له أن ينصف نفسه، وإن له كرامة عليه أن يُحافظ عليها ما وسعه أن يُحافظ!
ووجد نفسه ينهض من فوره، وقد ارتسم على وجهه جد وإصرار، واتخذ سبيله إلى "أم فكرية".
كان الصباح صفيا رخيا فتقدّم "شندويل" من "أم فكرية"، وهي في جلسة مريحة أمام طست الغسيل، فما رأته قادما حتى لملمت أوصالها، وأسدلت ثوبها تغطي ما تعرّى من جسدها، ونظرت إلى الشاب تخاطبه:
ـ خير يا شندويل ..
ـ أو قولي شرا يا ست "أم فكرية".
قال ذلك في جهامة ظاهرة، وقد تصلّبت قامته، فغدت كجذع شجرة عتيقة. فنحّت "أم فكرية" الطست قليلا، ومسحت يديها بطرف ردائها، وقالت:
ـ ماذا في الأمر يا "شندويل"؟
فأجابها في صوت مجلجل:
ـ لقد اعتزمت الرحيل.
فوضعت المرأة يدها على صدرها، وقالت في دهشة:
ـ أي رحيل تقصد يا "شندويل"؟
ـ سأرحل يا ستي .. أرض الله واسعة .. بلاد الله لخلق الله ..
ـ كيف تفكِّر في أن تتركنا؟
ـ على الرغم مني أفعل ..
فصمتت لحظات وهي تتفحّصه، فراعها تجهمه وصلابة ملامحه، وما في صوته الرجولي الأجش من عزم وتصميم .. ثم قالت:
ـ ألم تعد الحياة تروق لك بيننا؟
ـ لم يعد لي أمل في العيش في هذه الدار .. رحلت عنها الصبايا ولم أظفر بواحدة منهن.
ـ قسمة ونصيب يا "شندويل".
ـ وقسمتي ونصيبي أن أرحل يا ست "أم فكرية" ..
ـ أتترك الدار التي فيها نشأت وربيت؟ أتترك خالتك "أم فكرية" وحيدة بلا ساعد ولا مُعين؟
(يتبع)




رد مع اقتباس
#7  
قديم 08-27-2006, 12:17 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



قراءة في قصة «شندويل يبحث عن عروس»
لمحمود تيمور

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
.........................................


أ-النص:
كان "شندويل" جالساً القرفصاء، معتمداً رأسه براحتيه، وقد ملكه تفكير مضطرب حائر، وران على الدار هدوء ثقيل، يشيع فيه هم وقلق ورتوب. وجب أن يحسم شندويل الأمر على أي نحو يكون. لم يعد طفلا ولا صبيا، إنه شاب مكتمل الشباب، بل إنه بلغ مبلغ الرجولة، وانصرم الوقت وشندويل لم يُغيِّر جلسته، يضرب في متاهة لا يعرف له منها مخرجا .. وبغتةً ألفى نفسه ينهض، وعلى وجهه يرتسم عزم وتصميم، وأخذ سمته إلى "أم فكرية".
***
"شندويل" هذا فلاح من قرية "المنشية"، وهي من أعمال "شبين الكوم" .. رجل في حاله، لا يعرف العيب ولا يجري لسانه به، مخلص أمين، طيب القلب، ليِّن العريكة، ولكنه معروف بصراحته، لا يُداري أحداً.
نشأ يتيم الأبوين، لم تكتحل عيناه بمرآهما، فكفله رجل خير، مزارع له أرض تفيء عليه رزقاً محدوداُ، فضمَّه إلى أسرته: زوجه وبناته الثلاث، وكان "شندويل" يكبرهن بأعوام قلائل، فاختلط بالأسرة كأنه واحد منها، يعمل معهم في خدمة الدار والحقل والماشية.
وبعد سنوات دهم رب الأسرة مرض مُفاجئ أودى به في أيام، فكانت فاجعة تجلّدت لها الزوجة قدر ما تستطيع، ووقفت حياتها على توفير أسباب العيش لبناتها الثلاث، مع رعاية مرافق الدار والحقل والماشية، يُعينها الفتى "شندويل" أحسن العون بما أوتي من قوة بنية، وما طُبِع عليه من صبر ودأب، وما تميَّز به من جد ونشاط.
وتواصلت الأيام …
وكبر الفتى، واشتد عوده، وانتهى إليه عبء الحقل أجمع، فنهض به راضيا بعمله، مرضيا عنه …
مع الصبح يخرج إلى الحقل محبور النفس، يسوق الماشية أمامه، وهو يُردِّد أغانيه، ويُتابع العمل في نشوة، يحرث ويعزق ويروي، ويُعنى بكل شيء حواليه من زرع وضرع، لا تهدأ له حركة، ولا يشغله عن عمله شاغل، وتراه يستقبل بزوغ النبتة بفرحة غامرة، فيظل يتحسسها ويتشمّمها كأنها من لحمه ودمه.
وعند الظهيرة تلوح "أم فكرية" وبناتها الثلاث، يحملن صحاف الطعام، فيلقاهن "شندويل" بترحاب، وبعد أن يمسح عرقه بطرف قميصه، يُهيئ لهن مكاناُ ظليلاُ من كثب من القناة … وما هي إلا أن يتحلّق الجميع حول سماط الطعام، مقبلين على الأكل في شهية. وتسأل "أم فكرية":
ـ ما خطب المحصول؟
فيؤكد لها "شندويل" جودته، ويُبشرها بنمائه، ويُقسم لها أنها ظافرة منه يوم الحصاد بما يُحقق لها وبناتها الثلاث كل ما تطمح نفوسهن إليه.
وربما طاب للأسرة أن تُداعب "شندويل" في أثناء الطعام بالنكات اللاذعة، ليثور ثائره ويهيج غضبه، بيد أنه لا يزيد على أن يُشرق وجهه بابتسامة سمحة.
فإذا أرخى المساء سدوله، أوى شندويل إلى ركن في الزريبة، أعده مكاناً مختاراُ له، حتى يكون بمنأى عن حريم الدار، وما أسرع أن يغشاه سبات عميق تتراءى فيه نواعم الأحلام.
على هذا المنوال سارت الأحوال رضية ندية، وترادفت الأيام على الأسرة في طمأنينة وسلام، حتى دب في قلب "شندويل" شعور طارئ لم يكن له عهد به من قبل.
لقد نشأ الفتى، وهو يجد نفسه في مكان الأخ الأكبر للبنات الثلاث، وفي مرتبة الابن لربة الدار، فقنع بهذه العاطفة الحلوة الهادئة المُحايدة، يتلقّاها ممن حواليْه، ويُبادلهن إياها في لطف وإيناس، ولكن الطبيعة لا تُقر الهدوء والاتزان، ولا تعرف الحياد .. إن لها نزواتها، بل قل إن لها قوانينها، وهكذا وجد "شندويل" نفسه على الرغم منه ينظر إلى البنات في ازدهار أنوثتهن نظرةً من طراز آخر، نظرةَ ميل وانعطاف، وراءها مشاعر تتوهّج .. أما الرباط الأخوي المحض، فلم يعد له وحده مكان!
وكانت البنات على نمط متشابه من الوسامة، انتقل إليهن من الأم، فكأنهن وإياها نسخ مكرّرة، إلا فوارق تفرضها السن، وما تتميز به بعضهن من الشمائل والخلال. وقد شاع في المنطقة نبأ أولئك الصبايا الملاح، وطار صيتهن في المناطق المجاورة، وتهادت الألسن حديثهن المستطاب .. فأما الكبرى فكانت أثيرة عند "شندويل"، فأزمع أن يخطبها، وأفصح "لأم فكرية عن عزمه فطأطأت رأسها في صمت، وقد تناولت عوداُ يابساً تنكت به الأرض حيالها، فلما طال صمتها، أعاد "شندويل" الإفصاح عمّا طلب، وقد حسب أنها لم تسمع حديثه، أو لم تدر فحواه، فرفعت رأسها، وكست مُحيّاها طابع جد، فقلق "شندويل" أشد القلق ...
وبعد هنيهة، قالت "أم فكرية":
ـ أأجد لابنتي أعزَّ منك؟ أنت ابن البيت .. كلك خير وبركة، ولكن سبقك غيرك يا "شندويل؟" ..
ـ من تعنين يا خالة؟
ـ المشرف يا "شندويل" .. المشرف الزراعي طلبها منذ أيام .. وعرض مهراً قدره مئة جنيه.
فغمغم "شندويل" وقد زاغت عيناه:
ـ مئة جنيه؟
ـ وعنده جنينة برتقال يربح منها الذهب!
وانجرّ "شندويل" إلى الزريبة، مثقل الخُطا، يكاد يتعثر، وتوخّى ركنه المختار، متهالكاً على الفراش يدفن فيه وجهه، ويُسلم نفسه للأنين والانتحاب.
وتم الزواج .. وانتقلت إلى دار المشرف الزراعي كبرى البنات في مهرجان من الأغاريد والأضواء، ينفح منه أريج البرتقال!
ولم يجد "شندويل" مفرا من قبول الأمر الواقع، فشارك القوم فرحتهم، وألفى نفسه ينهض بواجبه نحو حفل الزفاف على أكمل وجه في صدق وإخلاص.
وعادت الحياة إلى سابق مساقها.
وعاد "شندويل" إلى عمله في الحقل يجد ويكد .. ولم يتغير من نظام الأسرة شيء إلا أن عددها قد نقص فرداً.
وأحس "شندويل" بقلبه على مر الوقت يخفق حبا للابنة الوسطى، وقد اكتملت نضجاً ونضارةً، فتملكته فكرة الزواج بها، واختفت خيبته التي واجهته في التجربة الأولى، واختفى معها كل تدبر وموازنة ومنطق، فتقدّم في براءة وبساطة إلى "أم فكرية" يخطب وسطى البنات .. فطأطأت رأسها في صمت، وتناولت عوداً يابساً تنكت به الأرض حيالها، ولم تلبث أن همهمت:
ـ أأجد لابنتي أعزَّ منك يا "شندويل"؟ أنت ابن البيت .. كلك خير وبركة، ولكن ..
ـ ماذا يا خالة؟
ـ وكيل الجمعية التعاونية طلبها، وعرض شبكة ثمينةً .. سواراً مٌرصَّعاً بالجوهر!
ومضغ "شندويل" كلماته يُردِّد:
سواراً مٌرصَّعاً بالجوهر؟!
وانجرّ إلى مكانه من الزريبة، ودفن في الحشية وجهه وانخرط في بكاء مرير.
ومرة ثانية، استسلم للأمر الواقع، وكان الساعد الأيمن في حفل الزفاف الجديد، وخطف بصره بريق السوار المرصّع بالجوهر، وزكمت أنفه روائح ما حمل الزوج لعروسه من خيرات التموين، وفي المقصف العامر أوغل "شندويل" في الأكل، حتى أُتخم.
وطوى الزمن أياماً وأياماً …
وعادت الحياة إلى مجراها في الدار والحقل، وإن نقص من عدد الأسرة اثنتان، ولم يبق من البنات إلا واحدة .. أتفلت هي الأخرى من بين يديه؟ .. لن يكون ذلك بحال .. وأحس بحبه القديم للأختين السالفتين يتجمّع ويتجدّد في الثالثة على نحو مثير، فأقسم أن تكون من نصيبه .. لينتزعها انتزاعاً من "أم فكرية".
وتقدّم لها ثابت الجنان، وخطب الفتاة الصغرى في جرأة .. وكانت "أم فكرية" على وشك أن تُطأطئ الرأس، وأن تفزع إلى عود يابس تنكت به الأرض، فصاح بها مُبادراً على غير ما ألِفت منه:
ـ لا أنا خير ولا أنا بركة .. ولا أنا أيضاً ابن البيت .. أنا "شندويل" .. "شندويل" وكفى! .. جئت أخطب ابنتك الثالثة، وسأعمل جهدي على إسعادها.
ـ ولكن .. يا "شندويل" ..
ـ ماذا يا ست "أم فكرية"؟
ـ لقد خطب البنت رجل ولا كل الرجال يسكن داراً جديدة على "بحر شبين"، فيها ثلاجة وغسالة وجهاز إذاعة .. عقبى لك يا "شندويل"!
فغص "شندويل" بريقه، وهو يُجمجم:
ـ ومن ذلك الخاطب يا "أم فكرية"؟
ـ سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل".
فما كادت الجملة تصك سمعه حتى خارت قواه، فاستند إلى الحائط وهو يلتقط أنفاسه .. إنه يذكر عندما زار المدينة آخر مرة، مدينة "شبين الكوم"، إنه مرّ بسرادق فخم يضم جمعاً غفيراً من الناس، وسمع خطيباً جهير الصوت يرفع عقيرته، يهز بها السرادق هزا، وهو يُردِّد أقوالاً عظيمة يستجيب لها الجمهور بالتصفيق والهتاف، وحين سأل عن الخطيب أخبروه بأنه "سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل".
وتراجع "شندويل" إلى مكانه المعهود في الزريبة، وألقى نفسه على الحشية يُمرِّغ وجهه عليها، ويُشبعُها بأسنانه نهشاً وتمزيقاً.
وتكفَّلت الأيام بتضميد جراح "شندويل"، فكان مع الأسرة في حفل زواج الابنة الصغرى قلباً وقالباً، وملأ بطنه بأطايب المطاعم، وشنّف سمعه بألحان الموسيقى وأصوات الغناء.
وتقضّت أيام .. بل أسابيع .. وخيَّم على جوِّ الدَّار هدوء كثيف، وانتشر صمت قابض، وقل الحديث بين أم فكرية" و"شندويل" حتى أصبح لا يعدو الضروري من الألفاظ، كل منهما يحيا في ملالة وسهوم ..
وأعدّ "شندويل" مرقداً لنفسه في الحقل بين شجيرات ظليلة، يتناول طعامه وحيداً، ويمضي الليل ساهماً يرعى النجوم.
لقد تزوجت البنات، وكان زواجهن ناجحاً أيما نجاح:
"المشرف الزراعي" بمهر مائة جنيه وجنينة برتقال.
ووكيل الجمعية التعاونية بسوار مرصّع بالجوهر.
وسكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل بثلاجاته وغسالاته وأجهزته الإذاعية.
شخصيات مرموقة، تتضاءل بجانبها شخصية "شندويل"، حتى لتبدو تافهة مهينة .. حقا إنه فلاح، فلاح مجد نشيط، يستطيع بساعده أن يأتي بالمعجزات في حقل الزراعة الخصيب، ولكن ما قيمة تلك المعجزات أمام تلك الأسماء الضخمة والمراكز الفخمة التي يُعشي ضوؤها العيون؟ .. ومن الملوم؟ "شندويل" أو الأسرة التي كفلته؟ لم يُفكِّر هو لحظة أن يعمل لنفسه .. لم يفكر هو لحظة أن يقتني شيئاً .. عجلة .. أو عنزة .. أو على الأقل دجاجة واحدة .. لم يهمه جمع المال وادخاره قدر ما أهمه أداء واجبه .. كان يسعى أبداً إلى إرضاء من أحسنوا إليه، لا يتطلع إلى مزيد .. لقد اعتصر دمه في خدمة من آووه وكفلوه .. وأخيراً يستبين له فقره، وهوان شأنه .. فماذا أفاد من طيبته؟ وماذا أجدى عليه إيثاره؟
أيقن "شندويل" الآن أن وجهة نظره في تقييم نفسه بين الأسرة كانت على خطأ من البدء، أو كانت مبالغة فيها .. ماذا كان مصير الأسرة لولاه هو؟ لولا ما أسداه إليها من خير، وما بذل من عون؟ كان هو قوام البيت، وراعي الحقل وحامي حمى الأسرة .. أليس هو جديراً بأن يأخذ مكانه عالياً بينها؟
حان له أن يغضب، وحق له أن ينصف نفسه، وإن له كرامة عليه أن يُحافظ عليها ما وسعه أن يُحافظ!
ووجد نفسه ينهض من فوره، وقد ارتسم على وجهه جد وإصرار، واتخذ سبيله إلى "أم فكرية".
كان الصباح صفيا رخيا فتقدّم "شندويل" من "أم فكرية"، وهي في جلسة مريحة أمام طست الغسيل، فما رأته قادما حتى لملمت أوصالها، وأسدلت ثوبها تغطي ما تعرّى من جسدها، ونظرت إلى الشاب تخاطبه:
ـ خير يا شندويل ..
ـ أو قولي شرا يا ست "أم فكرية".
قال ذلك في جهامة ظاهرة، وقد تصلّبت قامته، فغدت كجذع شجرة عتيقة. فنحّت "أم فكرية" الطست قليلا، ومسحت يديها بطرف ردائها، وقالت:
ـ ماذا في الأمر يا "شندويل"؟
فأجابها في صوت مجلجل:
ـ لقد اعتزمت الرحيل.
فوضعت المرأة يدها على صدرها، وقالت في دهشة:
ـ أي رحيل تقصد يا "شندويل"؟
ـ سأرحل يا ستي .. أرض الله واسعة .. بلاد الله لخلق الله ..
ـ كيف تفكِّر في أن تتركنا؟
ـ على الرغم مني أفعل ..
فصمتت لحظات وهي تتفحّصه، فراعها تجهمه وصلابة ملامحه، وما في صوته الرجولي الأجش من عزم وتصميم .. ثم قالت:
ـ ألم تعد الحياة تروق لك بيننا؟
ـ لم يعد لي أمل في العيش في هذه الدار .. رحلت عنها الصبايا ولم أظفر بواحدة منهن.
ـ قسمة ونصيب يا "شندويل".
ـ وقسمتي ونصيبي أن أرحل يا ست "أم فكرية" ..
ـ أتترك الدار التي فيها نشأت وربيت؟ أتترك خالتك "أم فكرية" وحيدة بلا ساعد ولا مُعين؟
(يتبع)




رد مع اقتباس
#8  
قديم 08-27-2006, 12:18 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



ـ على الرغم مني أفعل .. سأبرح القرية الساعة .. ألتمس عيشي في بلد آخر .. بعيد كل البعد!
ـ هل ساءك زواج البنات إلى هذا الحد؟
ـ ثلاث صبايا كالأقمار، ترفضين أن تُزوِّجيني واحدة منهن .. والآن خلت الدار إلا مني ومنك .. لم يعد في البيت سوانا يا خالة .. أسامعة أنتِ قولي؟
ـ سامعة ..
ـ ألسنة الناس طوال .. والكلام يتنقّل على الأفواه ..
ـ ما هذه الأفكار الغريبة يا "شندويل"؟
ـ هي الحقيقة التي يجب أن تُقال .. لقد صرت رجلاً يا خالة .. رجلاً نبت له شارب محترم .. رجلاً في طول النخلة وعرض الجميزة وقوة فحل الجاموس .. ألم تريني وأنا في "الزعبوط" الجديد؟ ألم تُلاحظي كيفً أُحسِن لفَّ الشال الأبيض على رأسي فيغدو عمامةً مهيبة تُزري بالرؤوس العارية من أصحاب المراكز الكبيرة؟
فأرسلت المرأة ضحكة لينة ناعمة، وهي تقول:
ـ يخبلك ربنا يا "شندويل" ..
ـ لم يعد في الدار مكان .. "شندويل" الصبي ذهب لحاله، وأخذ مكانه "شندويل" الرجل ..
ـ أنسيت يا شندويل أني في مقام أمك، وأنك في منزلة ابني؟
ـ يفتح الله يا خالة .. هذا كلام لا يعتد به أحد .. وأنا أول من لا يُصدِّقه .. لسنا ابنا وأما .. بل نحن رجل وامرأة ..
ورماها بنظرة ثاقبة، ما كادت تلتقي بنظرتها حتى اضطرت أن تسبل جفنيها، وتحجب بخمارها شطر وجهها ..
وعلاها سهوم ..
ـ اسمعي يا خالة، وتفهّمي قولي .. إنني بصريح العبارة لا أستطيع أن أُعايشك .. شريعة الله لا ترضى بذلك .. أنا مسلم موحّد لله .. لا أُقيم في الدار إلا زوْجاً لك ..
فضربت صدرها بيدها تقول:
ـ يا عيب الشوم ..
ـ لا عيب ولا شوم .. انه الحق الصريح .. لقد أحببت بناتك الثلاث واحدة بعد أخرى .. لأنهن يشبهنك .. أحببتهن لأنهن صور منك يا خالة ..
ورق صوته، وهو يواصل الكلام، فكان في منطقه كأنه يُغني:
نشأت وأنا أراك مثل البدر .. بناتك من نورك أخذن نورهن .. وكنت دائما بدرًا منورا في سماء حياتي طفلا وصبيا، ورجلا .. في كل مرحلة كنت أحس نحوك شعورا يلائم سني .. ولكن في كل مراحل حياتي كان هناك إحساس واحد هو الحب .. الحب الغامر الفياض!
وندت من "أم فكرية" شهقة وهي تُردد في صوت لين المكاسر:
ـ الحب .. الحب ..
ثم قالت هامسة:
ـ لقد تقدّمت سني يا "شندويل" .. أنا كبيرة بالنسبة لك ..
ـ ولكنك في نظري في عمر بناتك ..
وصاح بصوت كله إيمان وإخلاص:
ـ والله في عمر بناتك .. بل أحلى وأجمل ..أنت في نظري طبق قشطة .. اعتبريني يا خالة خادما لك .. ومريني تجديني رهن ما تشائين ..
ـ ما عشت أنا لتكون خادمي يا "شندويل".
وغضت من بصرها وهي تواصل القول:
"أنت رجل البيت .. سيد الدار .. وأنا خادمتك "يا شندويل" ..
واختلج كيانه بهزة عنيفة، وألفى نفسه يهرع إليها، وينكبُّ على يدها يلثمها، والدموع تسح من عينيه سحا!
***



ب-القراءة( ):
(1)
التعريف الذي ارتضاه تشارلتن للقصة بنوعيها يقول فيه: «القصة ضرب من الخيال النثري له مهمة خاصة به، وهي أن يقص أعمال الرجل العادي في حياته العادية، بعد أن تضعها في شبكة من الحوادث كاملة الخيوط، متتبعة كل فعل إلى أدق أجزائه وتفصيلاته وسوابقه ولواحقه، موغلة في دخيلة النفس حيناً لتبسط مكنونها أثناء وقوع الفعل مستعرضة الآثار الخارجية للفعل حيناً آخر، لا تترك من جوانبه وملحقاته ونتائجه شاردة ولا واردة إلا سجّلتها في أمانة وصدق، كما تحدث في الحياة الواقعية التي يخوضها الناس ويُمارسونها»( ).
وقصة "شندويل يبحث عن عروس" للأديب الكبير محمود تيمور( ) واحدة من أفضل نماذج القصة المصرية القصيرة، تُطالعها فكأنك تطالع حياة أشخاص عاديين من حولك، وكأن حوادثها وشخصياتها مأخوذة من واقع الناس الذي تعرفه، ومن حياتهم التي يعيشونها.
تتحدث القصة عن "شندويل" الذي فقد أباه وأمه، ثم تبنته أسرة لها ثلاث بنات، وكان للأب والأم بمثابة الابن، وكان للبنات الثلاث بمثابة الأخ، وتنتهي القصة بزواج "شندويل" من "أم فكرية" أم البنات الثلاث.
الحادثة:
الحادثة هي الموضوع الذي تدور حوله القصة، وهي مجموعة من الوقائع الجزئية المترابطة، وهذا الترابط هو الذي يميز العمل القصصي عن أي حكاية يروي فيها شخص لصديقه ما وقع له من أحداث، فأحداث القصة الفنية لها إطار عام، يدفعها في تسلسل إلى غاية معينة"( ).
والحدث ـ عند موباسان ـ ينبغي أن يكون بسيطاً، وخطا واحداً لا تعرج فيه ولا ازدواج «يوصلنا الكاتب قبل بداية القصة ـ فيما لم نقرأه ـإلى لحظة تفجر: نرى الشخصيات أمامنا بكل ماضيها ورواسبها، وبيئاتها وتكوينها النفسي والجسماني، وهي على أهبة الاستعداد للحظة التفجير التي ستُطالعنا بها، لذلك فإن أي إبطاء يجعل القصة تتفكك»( ).
والحدث الذي تدور حوله القصة هو قضية التبني، التي حرمها الإسلام بقوله تعالى: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله﴾ (الآية40 من سورة الأحزاب ).
فقد كان شندويل يتيم الأبوين، فكفله رجل خير، وضمه إلى أسرته المكونة من زوجته وبناته الثلاث، وبعدما يئس "شندويل" من الزواج من أي من الفتيات الثلاث فكّر في الزواج من أمهن، فقالت له: "أنسيت يا شندويل أني في مقام أمك، وأنك في منزلة ابني؟"، ورد "شندويل" قائلا:
"يفتح الله ياخالة .. هذا كلام لايعتد به أحد .. وأنا أول من لا يُصدِّقه .. لسنا ابنا وأما .. بل نحن رجل وامرأة".
وهو بهذا يرفض فكرة التبني التي سيطرت على فكر الخالة.
فقضية التبني هي الموضوع الذي تدور عليه القصة، والوقائع الجزئية التي تضمنتها القصة ـ كما سيرد في التحليل التالي ـ تُسهم في إبراز الفكرة بصورة فنية لافتة، دون جلبة أو ضجيج أو ادّعاء.
ونجد في التشويق عنصرا بارزا من جماليات هذه القصة، حيث يحاول شندويل أن يخطب الفتيات الثلاث واحدة إثر واحدة.
فكر شندويل في أن يتزوج إحدى بنات "أم فكرية"، "وكانت البنات على نمط متشابه من الوسامة، انتقل إليهن من الأم، فكأنهن وإياها نسخ مكرّرة، إلا فوارق يفرضها السن، وما تتميز به بعضهن من الشمائل والخلال. وقد شاع في المنطقة نبأ أولئك الصبايا الملاح، وطار صيتهن في المناطق المجاورة، وتهادت الألسن حديثهن المستطاب ..."( ). ولكنه كلما فكَّر في الزواج، وطلب واحدةً من البنات قالت "أم فكرية":
ـ أأجد لابنتي أعزَّ منك؟ أنت ابن البيت .. كلك خير وبركة، ولكن سبقك غيرك يا شندويل؟"( ).
وتحكي له حكاية العريس الذي جاء يخطب بنتها:
فالأول.."مشرف زراعي ..عرض مهراً قدره مئة جنيه .. وعنده جنينة برتقال يربح منها الذهب"( ).
* والثاني .. "وكيل الجمعية التعاونية، عرض شبكة ثمينة: سواراً مرصّعاً بالذهب"( ).
* والثالث .. "سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل" ( ).
وتزوّجت البنات الثلاث "وتقضّت أيام، بل أسابيع، وخيَّم على جوِّ الدَّار هدوء كثيف، وانتشر صمت قابض، وقل الحديث بين أم فكرية" و"شندويل" حتى أصبح لا يعـدو الضَّـروري من الألفـاظ، كل منهما يحيا في ملالة وسهوم ( ).
وأخذ شندويل يفكر:
لقد تزوجت البنات، وكان زواجهن ناجحاً أي نجاح: المشرف الزراعي بمهر مائة جنيه وجنينة برتقال. ووكيل الجمعية التعاونية بسوار مرصّع بالجوهر. وسكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل بثلاجاته وغسالاته وأجهزته الإذاعية. شخصيات مرموقة، تتضاءل بجانبها شخصية "شندويل"( ).
وبدأ يفكر في الزواج من أم فكرية، وقد فطن إلى حقيقة مشاعره. وهذا ما قاله لأم فكرية، وهو يخطبها لنفسه:"نشأت وأنا أراك مثل البدر .. بناتك من نورك أخذن نورهن .. وكنت دائما بدرًا منورا في سماء حياتي طفلا وصبيا، ورجلا .. في كل مرحلة كنت أحس نحوك شعورا يلائم سني .. ولكن في كل مراحل حياتي كان هناك إحساس واحد هو الحب .. الجب الغامر الفياض"( ).
الأشخاص:
يشترط سيد قطب في الشخصيات القصصية أن تكون مرسومة بعناية بحيث تتضح ملامحها وسماتها في العمل القصصي، فيقول:
"وكلما وضحت السمات والملامح كاملة من الخارج والداخل كان ذلك أكمل … وليس المهم هو لون الشخصية وعظمتها، إنما المهم هو طريقة التناول والسير فيه"( ).
وقد ظهر كثير من الشخصيات في هذه القصة، مثل: شندويل، وأم فكرية، وزوجها، وبناتها الثلاث، والمشرف الزراعي، ووكيل الجمعية التعاونية، وسكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل.
والشخوص الرئيسة في هذه القصة شخصيتان، هما شندويل وأم فكرية:
شندويل: شخصية نامية متطورة، عرفنا الكاتب عليه طفلا يتيما، فصبيا، فرجلا.
وأم فكرية: امرأة عاقلة، تجلدت لموت زوجها، وربّت بناتها على الفضيلة، وقامت على تربيتهن ورعايتهن خير قيام حتى تزوجن جميعا، وتزوجت من شندويل في نهاية القصة.
والشخوص الثانوية في هذه القصة هي: رب الأسرة، والبنات الثلاث، والأزواج الثلاثة لهن.
رب الأسرة: هو رجل كبير ، مات بمرض خطير، وقد كفل "شندويل" اليتيم في بيته، بعد وفاة أبويه.
البنات الثلاث: كن على نمط متشابه من الوسامة، انتقل إليهن من الأم، فشاع في المنطقة صيتهن، وتهادت الألسن حديثهن المستطاب.
الأزواج الثلاثة لبنات "أم فكرية": المشرف الزراعي (زوج الكبرى)، وكيل الجمعية التعاونية (زوج الوسطى)، سكرتير وحدة رعاية الأسرة وتنظيم النسل (زوج الصغرى).
وشخصية "شندويل" هي الشخصية الأساس في القصة، وهي الشخصية التي تدور حولها الأحداث. وهي شخصية نامية متطورة تبعا للأحداث التي مرت في القصة، وإذا كان لكل إنسان صورة معروفة، نسم الشخصية بها، فصورة "شندويل" كما عرّفنا عليها المؤلف في ملامحها الاجتماعية والنفسية يمكن تلخيصها في أنه "رجل طيب، صريح، نشأ يتيماً" في بيت "أم فكرية" ولما كبر واشتد عوده "انتهى إليه عبء الحقل أجمع، فنهض به راضياً بعمله، مرضيا عنه"( ).
عاش في البيت مع "أم فكرية" أخا لبناتها، وهو صاحب الجد والقوة والعمل في الحقل، وهو ذو الشخصية الإسلامية المثالية، وقد أحسن الكاتب رسمها.
ولنتوقف أمام مشهد رسمه الكاتب جيدا عن نقطة التحول في حياة "شندويل"، وهي إحساسه بالضياع بعد زواج البنات، وعزمه على الرحيل عن البيت الذي تربّى فيه.
ماذا بقي لشندويل؟ لقد تزوّجت البنات، ولم يظفر بواحدة منهن.
فليذهب إلى "أم فكرية" ليخبرها بعزمه على الرحيل! لكن هل يستطيع الرحيل حقا؟
إن "أم فكرية" تتجسد له "أصلا" للجمال، كانت بناتها "صورا" مكرورة منه! وكأنه لم يتنبّه لذلك إلا هذه اللحظة!
لقد تحوّل "شندويل" الطفل إلى "شندويل" الرجل، وها هو يعرض الزواج على "أم فكرية" التي كانت تعدُّ نفسها خالة ـ بل أما ـ له!، فقد كفلته منذ كان صغيرا.
وتتعلّل بالفارق السنِّي بينها وبينه.
لكنها توافق أخيرا على الزواج منه.
وهذا ما يقدمه الجزء الأخير من القصة:
"حان له أن يغضب، وحق له أن ينتصف لنفسه، وإن له كرامة عليه أن يُحافظ عليها ما وسعه أن يُحافظ!
كان الصباح صفيا رخيا فتقدّم "شندويل" من "أم فكرية"، وهي في جلسة مريحة أمام طست الغسيل، فما رأته قادما حتى لملمت أوصالها، وأسدلت ثوبها تغطي ما تعرّى من جسدها، ونظرت إلى الشاب تخاطبه:
ـ خير يا شندويل!
ـ أو قولي شرا يا ست "أم فكرية".
قال ذلك في جهامة ظاهرة، وقد تصلّبت قامته، فغدت كجذع شجرة عتيقة. فنحّت "أم فكرية" الطست قليلا، ومسحت يديها بطرف ردائها، وقالت:
ـ ماذا في الأمر يا "شندويل"؟
فأجابها في صوت مجلجل:
ـ قد عزمت على الرحيل.
فوضعت المرأة يدها على صدرها، وقالت في دهشة:
ـ أي رحيل تقصد يا "شندويل"؟
ـ سأرحل يا ستي .. أرض الله واسعة .. بلاد الله لخلق الله ..
ـ كيف تفكِّر في أن تتركنا؟
ـ على الرغم مني أفعل.
فصمتت لحظات وهي تتفحّصه، فراعها تجهمه وصلابة ملامحه، وما في صوته الرجولي الأجش من عزم وتصميم .. ثم قالت:
ـ ألم تعد الحياة تروق لك بيننا؟
(يتبع)




رد مع اقتباس
#9  
قديم 08-27-2006, 12:20 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



ـ لم يعد لي أمل في العيش في هذه الدار .. رحلت عنها الصبايا ولم أظفر بواحدة منهن.
ـ قسمة ونصيب يا "شندويل".
ـ وقسمتي ونصيبي أن أرحل يا ست "أم فكرية"( ).
لقد نجح الكاتب في القسم السابق أن يرسم صورة مجسمة لغضب "شندويل" من "الست أم فكرية" التي زوّجت بناتها جميعاً دون أن تزوِّجه واحدة منهن.
كما نجح في إبراز تنبه "شندويل" إلى أنوثة "أم فكرية"، وإبراز جمالها وهي في جلسة مريحة أمام "طست الغسيل"، ولملمة أوصالها، وإسدال ثوبها تغطِّي ما تعرّى من جسدها، ومسح يديها بطرف ردائها.
كما نجح في إبراز تنبه "أم فكرية" لرجولة الطفل "شندويل" الذي ربته، والذي "تصلّبت قامته كجذع شجرة عتيقة"، وكأنها تتنبّه للمرة الأولى لصلابة ملامحه، وصوته الرجولي الأجش، فهو لم يعد ذلك الطفل اليتيم الصغير الذي أوى إلى بيتها بعد فقده والديه.
وهذا الجزء السابق مع الجزء التالي يشيان بمقدمة التحول، وأن البيت بعد زواج البنات لم يعد يضم إلا رجلا وامرأة ـوليست امرأة وطفلا كما كان الحال من قبل ـ ويمهد الجزء الثاني للجزء الثالث الذي تتزوج فيه "أم فكرية" من "شندويل".
والشخصية الثانية في القصة هي شخصية "أم فكرية"
..فمن هي "أم فكرية"؟
إنها أرملة الرجل الذي كفل "شندويل"، وكانت أما لثلاث بنات "كان شندويل يكبرهن بأعوام قلائل، فاختلط بالأسرة، كأنه واحد منها، يعمل معهم في خدمة الدار والحقل والماشية"( ).
ولقد كان زوجها رجلاً خيِّراً، مزارعاً له أرض تفيء عليه رزقاً حلالا محدوداً، ضم شندويل إليه بعد وفاة أبويه. ولكن زوج أم فكرية أصابه مرض مُفاجئ أودى به "فكانت فاجعة تجلدت لها الزوجة بقدر ما تستطيع، ووقفت حياتها على توفير أسباب العيش لبناتها الثلاث، مع رعاية مرافق الدار والحقل والماشية، يُعينها الفتى "شندويل" أحسن العون بما أوتي من قوة بنية. وما طُبِعَ عليه من صبر وأدب وما تميز به من جد ونشاط"( ).
ـ وهي الشخصية التي تحاورت مع شندويل كثيرا، وقاسمته الجانب الأكبر من بناء القصة؛ فقد حاورها أثناء ذهابها إلى الحقل بالطعام له، وسؤالها عن المحصول، ومن خلال ردودها عليه حينما طلب منها خطبة بناتها الثلاث أولا، ثم خطبتها هي في نهاية القصة.
الزمان والمكان:
"الزمان والمكان في القصة المعرفة بهما ضرورية لفهم الواقع والأحداث وسلوك الأشخاص وتقدير القيم التي يمثلونها"( ).
والمكان في هذه القصة هو قرية "المنشية" من أعمال "شبين الكوم"، بالمنوفية بمصر، والزمان الخمسينيات أو الستينيات الميلادية (عرفنا ذلك من رسمه لشخصيات المتزوجين من بنات "أم فكرية" :المشرف الزراعي، والجمعيات التعاونية، ورعاية الأسرة وتنظيم النسل. فكل هذه المفردات مما شاع في الحياة المصرية في هذين العقدين بعد قيام ثورة يوليو 1952م).
وقد أثر المكان في الشخصيات والأحداث، فالقرية العمل فيها الزراعة والفلاحة، ومن ثم عمل شندويل مع الأسرة التي اعتنت به في هذا المجال، وفي القرى: العفة والتحجب والصبر على الشدائد ويتضح هذا في شخصية "أم فكرية"، كما نجد في القرى في ذلك الزمان ـ العقود الأولى للثورة المصرية ـ تقدير أصحاب المراكز والوظائف التي تتعلق بالتعامل مع القرويين، مثل رجال الإشراف الزراعي، والجمعيات التعاونية، ورعاية الأسرة وتنظيم النسل. ونجد في هذه البيئة الزمانية والمكانية عدم السرف والاهتمام بالأكل والمعيشة والنوم، فقد كانوا يأكلون في الحقل في مكان ظليل، ونجد شندويل ينام في مكان مخصص له من حظيرة الحيوانات.
العقدة والحل:
العقدة هي المشكلة التي يريد الكاتب معالجتها في قصته، وهي هنا تكمن في الفكرة التي راودت "شندويل" ـ وهي فكرة الزواج من "أم فكرية" ـ وموقف "أم فكرية" من هذه الفكرة، لأنها كانت تعده في مقام ابنها.
ونلاحظ ذلك من قولها له: "أنسيت يا شندويل أني في مقام أمك، وأنك في منزلة ابني؟".
تلك هي العقدة، ولكن "شندويل" يرفض تلك الفكرة، ويرد عليها قائلا:
"يفتح الله يا خالة .. هذا كلام لا يعتد به أحد .. وأنا أول من لا يُصدِّقه .. لسنا ابنا وأما .. بل نحن رجل وامرأة".
وكأنه يريد أن يبين لها أن شريعة الله لا ترضى أن يجتمع رجل وامرأة غريبان تحت سقف بيت واحد إلا على سنته، وأضاف بأنه مسلم موحد لا يرضى أن يقيم في هذه الدار إلا زوجا لها، رافضا قضية "التبني".
ويأتي الحل من "شندويل" فيُغريها بالعبارات الرقيقة ويتكلم لها عن الحب وعن جمالها، وأن بناتها أخذن منها جمالهن، لينبهها إلى أنه وهي رجل وامرأة، وليس أما وابنها، ويهرع إلى يدها يقبلها، ويتعجل عقد الزواج، ونفسه تُسابقه إلى ذلك الأمل الذي يكاد يتحقق في الزواج من "أم فكرية". وكأنه بذلك يرفض عمليا قضية التبني ـ التي حرّمها الله عز وجل ـ ويشير القاص إلى الحل في الجزء الأخير من القصة:
"وندَّت من "أم فكرية" شهقة، وهي تردد في صوت لين المكاسر:
-الحب .. الحب..
ثم قالت هامسة:
-لقد تقدمت سني يا "شندويل" .. أنا كبيرة بالنسبة لك ..
-ولكنك في نظري في عمر بناتك ..
وصاح بصوت كله إيمان وإخلاص:
-والله في عمر بناتك .. بل أحلى وأجمل ..أنت في نظري طبق قشطة .. اعتبريني يا خالة خادما لك .. ومريني تجديني رهن ما تشائين ..
-ما عشت أنا لتكون خادمي يا "شندويل".
وغضت من بصرها وهي تواصل القول:
"أنت رجل البيت .. سيد الدار .. وأنا خادمتك "يا شندويل" .. واختلج كيانه بهزة عنيفة، وألفى نفسه يهرع إليها، وينكب على يدها يلثمها، والدموع تسح من عينيه سحا"( ).
النهاية:
يقول حسين القباني عن "النهاية" إنها «يجب أن تكون في قوة البداية إن لم تكن أقوى، لأنها هي التي ستُحدد الأثر الأخير في نفس القارئ، فأما أن يُعجب بالقصة ويُقبل عليها، وإما أن يندم على الوقت الذي ضيَّعه في قراءتها. وأهم ما ينبغي أن تكون عليه النهاية عدم اعتمادها على المُصادفة الضخمة التي قد تُثير سخرية القارئ، والمُصادفة الضخمة التي أعنيها هي التي تبدو غير معقولة، أو غير ممكنة الحدوث إلا بمعجزة، والمعجزات لم تعد جزءاً في حياتنا اليومية»( ).
وقد أشار إلى النهاية بقوله في الفقرة السابقة "واختلج كيانه بهزة عنيفة، وألفى نفسه يهرع إليها، وينكب على يدها يلثمها، والدموع تسح من عينيه سحا". وتفيد أن "شندويل" سيهرع إلى المأذون ليعقد قرانه على "أم فكرية"، ليحقق سعادته، ولينقض من خلال هذا الزواج مبدأ التبني.
الأسلوب (السرد والحوار والوصف):
السرد: هو نقل الأحداث والمواقف من صورتها الواقعية أو المتخيلة إلى صورة لغوية، تجعل القارئ يتخيلها، وكأنه يراها بالعين"، والسرد هنا على الطريقة المباشرة، وهو يجمع فيها بين الوصف والحوار. وقد قدمنا نماذج للحوار (في فقرة الشخصيات)، ونحن نقدم هنا نموذجين للوصف:
أ-نموذج يقوم الوصف فيه برسم الشخصية: ومن ذلك قول القصة عن شندويل: "شندويل" هذا فلاح من قرية "المنشية"، وهي من أعمال "شبين الكوم"، رجل في حاله، لا يعرف العيب، ولا يجري لسانه به، مخلص أمين، طيب القلب، لين العريكة، ولكنه معروف بصراحته، لا يُداري أحداُ"( ). فنجد في هذا الوصف رسما لشخصية "شندويل" في تكوينه النفسي وهو "البعد الباطني".
ب-نموذج يقوم الوصف فيه بالتمهيد للحدث: ومن ذلك الوصف الذي بدأت به القصة: "كان شندويل جالساً القرفصاء، معتمداً رأسه براحتيه، وقد ملكه تفكير مضطرب حائر، وران على الدار هدوء ثقيل، يشيع فيه هم وقلق ورتوب. وجب أن يحسم شندويل الأمر على أي نحو يكون. لم يعد طفلا ولا صبيا، إنه شاب مكتمل الشباب، بل إنه بلغ مبلغ الرجولة، وانصرم الوقت وشندويل لم يُغيِّر جلسته، يضرب في متاهة لا يعرف له منها مخرجا .. وبغتةً ألفى نفسه ينهض، وعلى وجهه يرتسم عزم وتصميم. وأخذ سمته إلى "أم فكرية"( ).
فهذه الفقرة تبين قلق شندويل ـ الذي صار رجلا ـ وكيف أنه يريد حسم الأمر الخاص ببقائه واستمراره في المنزل زوجاً لأم فكرية، وإلا فالرحيل عن هذا البيت.

(2)
قدم محمود تيمور في هذه القصة نموذجاً طيبا للأدب الإسلامي دون طنطنة أو ادّعاء؛ فقد عرض للعواطف الإنسانية وتحولاتها دون أن يُسف، وجعل الشخص الغريب يعيش داخل أسرة مسلمة، فيسعد بعواطفها، ويعيش عيشة طبعية ليس فيها نفي للمسلم، وإنما فيها تكافل وحماية لهذا الصغير "شندويل" الذي فقد أسرته، فوجد أسرة تكفله وتحميه من أن يتشرّد، وجعل هذا الطفل يرد للأسرة التي آوته فضلها، فيكفلها ويعولها. ونرى أن أفعاله كانت تنم عن أنه فرد من أفراد الأسرة.
ومن خلال ذلك طرح القاص مفهوم الإسلام للتبني؛ فهذه المرأة ـ مع عنايتها بشندويل وشفقتها عليه وعاطفتها تجاهه ـ ليست أما له، وهؤلاء البنات ـ بناتها ـ لسن أخواته، بل هن غريبات عليه، ومن ثم يرُقن له، ويعجب بهن، ويعرض على أمهن الزواج منهن، وحينما تفوته فرصة الزواج منهن ـ الواحدة بعد الأخرى ـ يتزوج من أمهن "أم فكرية".
إنها قصة نموذجية للأدب الإسلامي الراقي.
.................................................. ...
*من كتاب "كتب وقضايا في الأدب الإسلامي" للدكتور حسين علي محمد، ط3-القاهرة 2003م.




رد مع اقتباس
#10  
قديم 08-27-2006, 12:21 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



رسالة قصيرة
....................

نص رسالة من الأديب المصري محمود تيمور إلى فليكس فارس في 27 شباط (فبراير) 1938.
سيدي الأستاذ الفاضل
قرأت رثاءك الحّار فرأيت فيه الوفاء كله لا بعض الوفاء وليس هذا بكثير على أديب مثلك يحمل بين جنبيه أنبل قلب وأطهر نفسٍ.
جميع أفراد العائلة يشاطروني شكري وتحياتي ومودّتي وإحترامي.
المخلص محمود تيمور
6 شارع الأمير حسين
الزمالك مصر 27 شباط (فبراير) 1938.




رد مع اقتباس
#11  
قديم 08-28-2006, 05:11 AM
الناصريّ
قلمٌ روائي
الناصريّ غير متواجد حاليآ بالمنتدى
Saudi Arabia     Male
 رقم العضوية : 799
 تاريخ التسجيل : Aug 2005
 المشاركات : 1,612 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



دام هذا العطاء يادكتور .......
مع تحيات ابنك ناصر...




رد مع اقتباس
#12  
قديم 08-28-2006, 12:19 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي



شكراً للدكتور ناصر على تعليقه، مع موداتي.




رد مع اقتباس
#13  
قديم 05-06-2008, 10:56 AM
حسن عبدالحميد الدراوي
قلمٌ روائي
حسن عبدالحميد الدراوي غير متواجد حاليآ بالمنتدى
Egypt     Male
 رقم العضوية : 4293
 تاريخ التسجيل : Jan 2008
 الإقامة : مصـــــــر . الشــــرقية
 المشاركات : 57 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: محمود تيمور



بسم الله الرحمن الرحيم
كل الشكر والتقدير لكل أستاذ كتب عن هذا العلم في تاريخ اللغة العربية والحق يقال أن هذه الكتابات
تذكرنا بماض عزيز علينا جميعا .
مرة اخرى التقدير والشكر لحراس اللغة بداية من أخي الفالح فلاح ومرورا بأساتذة اللغة
وتلك هي سمات العلماء
تحياتي ...... حسن عبدالحميد الدراوي




رد مع اقتباس
#14  
قديم 05-06-2008, 07:12 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: محمود تيمور



اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن عبدالحميد الدراوي مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
كل الشكر والتقدير لكل أستاذ كتب عن هذا العلم في تاريخ اللغة العربية والحق يقال أن هذه الكتابات
تذكرنا بماض عزيز علينا جميعا .
مرة اخرى التقدير والشكر لحراس اللغة بداية من أخي الفالح فلاح ومرورا بأساتذة اللغة
وتلك هي سمات العلماء
تحياتي ...... حسن عبدالحميد الدراوي
شُكراً للأديب الأستاذ
حسن عبدالحميد الدراوي
على المشاركة والتعقيب،
مع موداتي.




رد مع اقتباس
#15  
قديم 07-13-2009, 12:03 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: محمود تيمور



ذكريات البدوى وتيمور

بقلم: على عبد اللطيف
......................

يقول البدوى :
" التقيت بمحمود تيمور لأول مرة فى مقهى " رجينا " بشارع عماد الدين .. وهو المكان المختار للأدباء والفنانين . وكان يجلس معه أمين حسونه وزكى طليمات .. وكنت أجلس مع صحبة من الأدباء الشبان فى زاوية من المقهى بالناحية الغربية .
ومقهى " رجينا " يقع فى موقع جميل من الشارع على يمين المتجه إلى محطة مصر .. وقبل عمارات الخديو بخطوات قليلة .. وكان بديع التنسيق نظيفا تغطى موائده المفارش وتتخلل أركانه أصص الزهور ..
وكنا لا نتخلف عنه ليلة واحدة لجماله وطراوة هوائه ، وعلى الأخص فى الصيف فهو يستقبل الهواء من بحـرى بسخـاء ونعومة .
وكانت الحركة الأدبية نشطة بل فى أوج نشاطها بما ينشر فى المجلات والصحف والكتب من فنون الأدب .
***
وذات ليلة ونحن فى مجلسنا المعتاد بالمقهى .. رأيت انسانا أنيق الملبس والمظهر يتحرك نحونا .. وقال طه عبد الباقى .. بسرور .. ينبهنا ..
ـ تيمور بك .
ووقفنا وسلم علينا جميعا .
وقال فى صوت هادىء واضح النبرات :
ـ أهنئك على كتابك .. رجل ( وكنت قد أهديته له ) .. وأخص بالذكر قصة " الأعمى " .. أعجبتنى للغاية .
وشكرته ووقفنا بجانبه وكنا ثلاثة أكثر من دقيقتين .. نتحدث فى مجال الأدب .. ثم بارحنا ورجع إلى مكانه ..
وسألت طه فى استغراب :
ـ الرجل النبيل تحرك من مكانه ليحيى شابا صغيرا .. ما أنبل هذا وأعظمه .
فقال طه معقبا :
ـ الرجل العظيم هو أكثر الناس تواضعا .. ولو رجعت لسير العظماء فى التاريخ ما وجدت هذا يخل بمقدار شعرة ..
***
وكانت فرقة فاطمة رشدى تقيم حفلات نهارية كثيرة للطلبة بتذاكر رخيصـة .. فكنـا نذهب إليهـا ونخـرج منهـا إلى المقهى مباشرة .
وبعد قليل يقبل تيمور ومعه أمين حسونه .. وكان تيمور يطلع على كل جريدة ومجلة تصدر فى مصر والشام والمهجر العربى .. وكان المهجر فى ذلك الوقت يصدر مجلات وصحفا عربية متعددة .. وجميع هذه ترسل لتيمور على عنوانه المعروف للجميع والذى كان يثبته فى آخر صفحات كتبه .
وكان تيمور يتصفح هذه المجلات وهو جالس فى مكانه من المقهى .. فإذا نهض تركها لمن يريد الاطلاع عليها من صحابه وجلسائه .. وكان أمين حسونه يتوق إلى معرفة أخبار المستشرقين وأحوالهم ودراستهم وله ولع شديد بهم .. فكان يتلهف على الاطلاع على ما فى تلك المجلات ..
وتيمور إنسان مهذب رقيق الاحساس ومجامل إلى أقصى درجات المجاملة .
وكتبه تسيل سيولة وعذوبة وقد وصف الحياة فى المجتمع المصرى بروح الفنان الملهم .. وكان محمد تيمور الأخ الأصغر قصير العـمر قليـل الإنتـاج .. أمـا هو فقد امتد به الأجل وكتب الكثير ..
ويقول عنه د . سيد حامد النساج ـ كمؤرخ أدبى متمكن قد يتخصص ـ أن أسلوب تيمور تغير بعد دخوله المجمع اللغوى 1955 كعضو عامل .. وأصبح يعنى بانتقاء الألفاظ .. وبعض هذه الألفاظ كانت نافرة وأفسدت جو القصة .
وكان تيمور يقيم مآدب فى محل الجمال بشارع عدلى .. حفلات شاى لتلاميذه ومحبيه .. وقد حضرت حفلة واحدة منها .. كما ترى فى الصورة المنشورة مع المقال ..
كما كان كثير الإهداء لكتبه .. يهدى بمجرد التعارف مع الشخص ومعرفة ميوله الأدبية ..
والكتب المهداة لا تقرأ .. ولكنه لم ينقطع عن هذه العادة التى تأصلت فى نفسه .
وندر أن كنت ألقاه وحده فى الطريق حتى وهو يتجول فى الشوارع .. يترك عربته بجوار جروبى أو الجمال .. ثم يخرج ليتجول .. وكنت أجد فى صحبته دائما .. أمين حسونة .. ثم فوزى سليمان .. وأخيرا رستم كيلانى .. وأصبح رستم كيلانى من أشد المعجبين به ومن أقرب تلاميذه ومريديه ..
كما رافقه فوزى سليمان مدة طويلة فى جولاته الأدبية وسهراته فى المسارح .
وكان تيمور الإنسان المؤدب المهذب الواسع الشهرة يجعل الكثيرين يستريحون إلى صحبته
وفى دراسة عن المحمودين تيمور والبدوى ، حصل الباحث حامد مرزوق عبد الرحيم ـ فى اكتوبر من عام 2003 ـ على درجة الماجستير فى اللغة العربية قسم الأدب والنقد بتقدير ممتاز عن رسالته التى تقدم بها إلى كلية اللغة العربية " جامعة الأزهر " فرع أسيوط وعنوانها " القرية المصرية فى قصص محمود تيمور ومحمود البدوى " دراسة تحليلية نقدية وموازنة .
حاول الباحث أن يثبت خلال هذه الموازنة بين المحمودين أن هناك فرقا بين القريتين ، فقرية البدوى هى قرية الصعيد ذات الطبيعة الخشنة والحياة القاسية ، وقرية تيمور هى قرية الدلتا والتى تختلف عن قرية الصعيد .. وقد اختار الباحث المحمودين لأن البدوى يكاد يكون زميلا ورفيقا لتيمور ، على الرغم من أن البدوى بدأ الكتابة بعد تيمور بزمن يسير ، وهو وإن كان يصغره فى السن ، إلا أنه تاريخيا من نفس الجيل الذى أسس القصة القصيرة فى مصر ، ومع ذلك فقد نال " تيمور " شهرة ومكانة اجتماعية بارزة عن البدوى ، مع أن البدوى يتفوق عليه من الناحية الأدبية من وجهة نظر بعض النقاد ، ومنهم الناقد رجاء النقاش .
ورصد الباحث :
* أن القرآن الكريم كان له كبير الأثر فى نفس المحمودين البدوى وتيمور .
* وأنهما كتبا فى معظم الاتجاهات القصصية ، وهو ما يعد دليلا على موسوعيتهما .
* أن كلا منهما يجيد عدة لغات مكنته من الاطلاع على الآداب الأجنبية بلغة أصحابها .
* اشترك كل من المحمودين فى حبه للرحلة ، فقد زارا بلادا كثيرة وقصا عنها .
وفى نهاية الرسالة دعا الباحث إلى ضرورة أن يلتفت الباحثون إلى مثل هؤلاء الأدباء العظام ويعكفوا على دراسة أعمالهم ، والاهتمام بالأعمال التى تكشف عن روح القرية المصرية وتسلط الضوء على ما فيها من مشكلات اجتماعية واقتصادية ومحاولة ايجاد الحلول لها .
.........................................
المراجع التى استعان بها الكاتب :
* محمود البدوى فى " ذكريات مطوية " ـ مجلة الثقافة ـ العدد 88 يناير 1981
* رسالة الماجستير المقدمة من الباحث حامد مرزوق عبد الرحيم لنيل درجة الماجستير فى الأدب والنقد والتى تقدم بها إلى جامعة الأزهر " كلية اللغة العربية بأسيوط ".




رد مع اقتباس
#16  
قديم 07-14-2009, 03:21 PM
د.حسين علي محمد
رحمه الله تعالى
د.حسين علي محمد غير متواجد حاليآ بالمنتدى
 رقم العضوية : 227
 تاريخ التسجيل : Nov 2004
 المشاركات : 1,517 [ + ]
 التقييم : 10
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: محمود تيمور



حوار نادر مع الأديب الكبير محمود تيمور

بقلم: عادل رضا
...................

محمود تيمور بلا مجاملة: هذا رأيي في طه حسين والعقاد والحكيم!
محمود تيمور رائد الرواية، والقصة، وكاتب المسرحية، والأديب الأنيق، والناقد الهادئ، يتحدث في صراحة، في وضوح، في منزله الرائع بالزمالك.. قلت له:
إن كتابة الأديب عن نفسه أصبحت تقليدا أدبيا فنيا، وقد لا تكون الكتابة مباشرة، ولكنها توجد في ثنايا الروايات والمسرحيات، فأين أنت ممن كتبت؟ لقد بحثت عنك في 500 بطل خلقتهم، ولكني أحس أنني لم أجدك؟
قال:
ـ إحساسك في مكانه، وفي محله، إن كنت خلقت 500 بطل، فأنا البطل رقم 501 الذي لم أكتب عنه. لم أكتب عنه مباشرة في ترجمة ذاتية، ولم أعطه اسما غير اسمي ولم أطلقه في ثنايا أي قصة مما كتبت. إنني ببساطة لم ألبس نفسي حتى الآن ثوب البطل الروائي..
وأنا صراحة عجزت، أو قل فشلت، في الكتابة عن نفسي، لقد استطعت أن أبعث الحياة في 500 بطل، ولكن البطل رقم 501 ما يزال بعيدا عن متناول قلمي.
* والسبب؟
ـ السبب أني أسوي شخصياتي في عالم الخيال، وأخشى إن أنا كتبت عن نفسي أن "أشطح" كالمعتاد، فيأتي البطل خياليا زائفا، وهكذا أزيف حقيقتي التي حافظت عليها طوال عمري، وأصبح شخصية قصصية.
* ما هي قصة حياتك؟ أليس فيها ما يستحق الكتابة؟
ـ قصة حياتي هي قصة حياة كل فرد حي على الأرض، نفس الميلاد ونفس الطعام والشراب ولكن…
* ولكن ماذا؟
ـ ولكن كنت قد وجهت إلى هدف، فالتويت عنه، ووضعت لحياتي هدفا آخر، لقد قدرت أسرتي أنني ساسير في الطريق الذي رسمته لي، ولكنني اخترت، أو قل اختارت لي الأقدار طريقا آخر، هذا الطريق الذي أعيش فيه الآن شريدا تائها لا أستطيع العودة، لأنه طريق بلا عودة. لم أعد أستطيع النكوص. سأعيش بقية عمري كما عشت، مورد الحكايات والحواديت لدور الطباعة والنشر في الشرقين الأدنى والأقصى، وفيما وراء البحار، أما ما كان فقد كان ولا سبيل إليه.
*ما هو المذهب الأدبي الذي تؤمن به، وهل أنت رومانتيكيا، أم واقعي، أم رمزي أو طبيعي؟
ـ لا أعتقد أنني تقيدت فيما أكتب بأي مذهب من المذاهب الأدبية، فقد بدأت حياتي واقعيا مسرفا في الواقعية، وانتهيت اليوم إلى كتابة القصص التحليلي، جاريا وراء أغوار النفس البشرية، ملقيا الضوء على الظلام الكثيف الذي لا يزال بعيدا عن الإدراك.
*ماهي الأسس التي يقوم عليها كاتب قصص ناجحة؟
ـ الموهبة، ولكنها وحدها لا تكفي، إنها عشرة في المائة فقط من مقومات النجاح، والباقي قراءة وصقل ومران. قراءة واعية متعمقة، وصقل بالتجربة ومران على أساليب الكتابة حتى يصل إلى أسلوبه الشخصي الخاص، أضف إلى هذا ملاحظة الحياة حوله والانفجار فيها، والإلمام بالتطور الضخم الذي يمر به العالم الصناعي الجديد.
*عندي سؤال، أرجو أن تجيب عليه بلا مجاملات.. ما هو رأيك في مشاهير الأدباء والكتاب عندنا؟ سؤال أرجو أن تجيب عليه في كلمة واحدة؟
* طه حسين
ـ موسيقى
عباس العقاد
ـ رسم
* توفيق الحكيم
فنان
*نجيب محفوظ
مصور
*إحسان عبدالقدوس
مترجم
*يوسف السباعي
خصب
*بدون مجاملات؟
ـ بدون مجاملات
*هل تتقيد بلون معين من القراءة؟
ـ أبدا، إنما اقرأ في شتى نواحي الثقافات ومناحي الأدب، سواء في اللغة العربية أو في غيرها من اللغات التي أجيدها، يلذ لي أن أقرأ كتاب بلغة أجنبية ثم أقرأه مترجما، وقد أصبحت أجد متعة فائقة في قراءة أفكار الناس، سواء وهي على الورق أم وهي حية تجري في الرؤوس. إن هذه القراءة تمنحني الزاد الفني للكتابة كلما جلست إلى مكتبي أستجدي ما يسمونه "ألإلهام".
* أين تقضي وقت فراغك؟
ـ أين هو الفراغ، دلني عليه، إني لا أملك وقت فراغ، إن وقت فراغي هو توقع وارتقاب لما سيأتي بعد حين.
* كيف تختار أصدقاءك؟
ـ وهل أنا حقا أختارهم؟ هل تختارهم أنت؟.. عندما تتاح لنا الفرصة لنضع الناس في أقفاص ونراقبهم ونختبرهم ثم نختار بينهم، عندما يتاح لنا ذلك سأقول لك كيف أختار أصدقائي، أما الآن فهم مكتوبون علينا، مثل عشرات الأشياء المكتوبة في قائمة الجبر.
*سؤال أخير.. هل تقرأ الشعر الجديد، وما رأيك فيه؟
ـ اقرأه وأتذوقه، وأنا أرى الشعر في ثوبه الجديد مغامرة جديدة، ستخرج منا بروح جديدة ومقاييس جديدة جديرة بالحترام.
إن ما يعيب الشعر الجديد هو الغلو والإسراف في الأخذ بالمعايير المتطرفة مما يوقع الشعر في فوضى الأزياء والألوان.
ولكن في الشعراء الجدد عبقريات ونوابغ، سوف يخرجون الشعر الجديد من فوضاه، ويضعونه على الطريق القويم للشعر.
وتركت محمود تيمور يعود إلى أفكار الناس، أما أنا فقد كتبت أفكاره.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
المصدر: سلسلة كتب للجميع، العدد 159، ديسمبر 1960م
*عن موقع: http://masr7online.com/




رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أبو فهر محمود شاكر عمر السلفى قافلة الأعلام 25 12-25-2010 10:21 AM
محمود الطناحي عادل أحمد موسى قافلة الأعلام 2 08-11-2009 03:23 AM
صفحَتي / صفاء محمود صفاء محمود الأدباء الصغـار 41 02-03-2008 03:19 PM
محمود شيت خطاب الثقفي قافلة الأعلام 4 09-24-2006 02:13 PM

أقسام المنتدى

ملتقى حسّان ( رضي الله عنه ) @ وحي القلم @ لمحات نقدية @ فضـاءُ الّلغـة @ ثمراتُ الأوراق @ واحةُ القصة @ أهيلُ الكوكب (مجتمع رواء) @ قافلة الأعلام @ رِحــــابُ الأدب @ قافلةُ الضّيـاء @ المحذوفات @ مدرسةُ العَروض @ شؤونٌ إداريـة @ أدبُ الفلذات @ لمحاتٌ تطويريّة @ ديوانيـّـة رُِواء @ حديثُ الرّيشة @ أ . محمد بن علي البدوي @ علم النَّحْو @ فنون البلاغة @ الإملاء @ العَروض @ القافيــة @ ملتقى صفحات مجلة أسرتنا @ الرّقْمي @ مرافئ الوصول @ علم الصرف @ أيام عشر ذي الحجة / روحانية الأدباء @ جسور أدبية ( لقاءات وحوارات) @ ملتقى المؤسسين @ المعاني @ البيان @ البديع @ أكاديمية رواء @ المعجم @ الأصوات @ الإنشاء @ الأدباء الصغـار @ دفاعاً عن مقام النبوة @ الإشراقات الشعرية @ الدعاية والإعلان @ الدوائر الحمراء @ منقولات التصاميم والصور والرسوم اليدوية @ رسائل الكاشف @ المجلس الرمضاني / روحانية الأدباء @ قسم المنقولات ... @ منتقى القصص @ المنتقى النقدي @ أزهار الرّوض @ الملتقى الفني @ المنتقى الشعري @ المنتقى النثري @ التأصيل الأدبي @ إعراب الكتاب @ قواعد الإعراب @ إيــــــلاف ! @ البلاغة في القرآن الكريم @ البلاغة في الحديث النّبوي @ منبر الخطباء @ علم أصول النحو @ مخيم رواء الصيفي @ سحر القوافي (الباقة الشعرية) @ من الدفتر الأزرق (الباقة النثرية) @ حكايا (باقة القصة والرواية) @ تحف أدبية (باقة الشوارد الأدبية) @ رنين الضاد (الباقة اللغوية والبلاغية) @ نادي الرواية العربية @ صَرْف الأسماء @ صَرْف الأفعال @ النقد اللغوي @ علامات الترقيم @ المرفوعات @ المنصوبات @ المجرورات والمجزومات @ مملكة الرواية .. @ بلاغة الوحيين @ رواء الروح (الباقة الإيمانية) @ ألوان الطيف (باقة منوعة) @ الإشراقات النثرية @ الإشراقات القصصية @ فريق التصميم @ مشاركات الأدباء الخاصة بالموقع .. @ د. حسين بن علي محمد @ الرّاحلـــــون @ إدارة موقع رواء وقسم الأخبار .. @ نوافذ أدبية @ - الوجوه والنظائر (معجم ألفاظ القرآن الكريم) @ علم الدّلالة @ المنتقى من عيون الأدب وفنونه @ الأقسام الموسمية @ الأديب إسلام إبراهيم @ عن الأدب الإسلامي @ الإدارة المالية @ تغريدات رواء @ معلم اللغة العربية @



Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi